متطلبات الحياة وكثرة الضغوط اليومية التي يتعرض لها الأشخاص قد تكون من أبرز المخاطر التي تتربص باستقرارهم النفسي، خصوصاً إذا كانت هناك صعوبة في التخلص من هذه الضغوط أو التعامل معها، إذ يتسبب ذلك في فقدان التوازن والتكيف الاجتماعي اللذين يعد وجودهما أمراً أساسياً ليصبح الفرد منسجماً في مجتمعه، ذلك بحسب ما أشار له الدكتور رعد الخياط استشاري الطب النفسي، والذي قال إن الحالات النفسية لها قسمان هما الأمراض النفسية العصابية والتي يكون فيها الإنسان متمالكاً لقواه العقلية ومتحكماً في كلامه وسلوكياته، والأمراض العقلية أو الذهنية التي يفقد فيها الشخص التحكم في سلوكياته وتصرفاته.

نظرة سلبية

وأضاف أن هناك العديد من الأشخاص يعانون من بعض الحالات النفسية ولكن يرفضون الاعتراف بها أو علاجها، وذلك خشية من نظرة المجتمع لهم بسلبية، إذ ارتبط مفهوم العلاج النفسي في أذهان البعض بالجنون، وأن من يقدم عليه مختل عقلياً، وهذا خطأ شائع، لافتاً إلى أن الحالات النفسية التي يعاني منها بعض الأشخاص ناجمة عن الهروب من مواجهتها أو عجز في إيجاد حلول أو بدائل لها.

وأشار إلى أن الحالات النفسية التي يصاب فيها الأشخاص عدة يأتي في مقدمتها القلق، والذي يكون بدرجاته القليلة أمراً طبيعياً وضرورياً لكي ينجز الإنسان واجباته ويحقق أهدافه، ولكنه قد يتحول في بعض الأحيان إلى عائق وحالة مرضية إذا زاد على وضعه الطبيعي، ويعرف القلق بأنه إفراط في التفكير في بعض الأمور التي لا تتطلب ذلك، ويعرف أيضاً أنه التفكير بغزارة في الأمور دون اتخاذ إجراء واقعي، منوهاً إلى أن القلق يشبه إلى حد ما كرة الجليد التي تبدأ منذ نقطة تدحرجها بحجم صغير، ولكن تصل في نهاية طريقها إلى حجم لا يمكن تخيله، فالقلق يبدأ نتيجة أسباب صغيرة وعندما يعجز الشخص عن التخلص منها تأتي أسباب أخرى وتتراكم وبالتالي تسبب له حالة نفسية، والتي غالباً ما يصاحبها ظهور بعض الآلام كضعف في التركيز والانتباه، والشعور بالصداع وضيق التنفس، إضافة إلى جفاف في الفم ورعشة في الجسم، وتسارع في ضربات القلب.

تراكم المشكلات

وأوضح أن الحياة اليومية لا تخلو من المشاكل، فهي ملح الحياة كما يطلق عليها، ولكن قد يفشل البعض في التعاطي معها، حيث يتجاهل المشكلات التي تواجه ولا يسعى لإيجاد حلول لها، ولكن عندما تتراكم وتصبح مصدر قلق له يضعها في سلة واحدة، ويبحث لها عن حلول في آن واحد، وهو ما يشعره بالإرهاق والعجز في بعض الحالات وبالتالي يجد نفسه في حالة مشبعة بالتوتر والاكتئاب، مؤكداً أنه حين الوصول لهذه الحالة يجب على الشخص أن يفرز مشكلاته، ويرتبها بحسب أولوياتها، ويبدأ في إيجاد الحلول لها بصورة تدريجية حتى يتغلب عليها.

ولفت إلى أن الشد الذهني من أهم علامات القلق، فإذا استمر الشخص في التفكير دون اتخاذ إجراء عملي واقعي لرأب أسباب التوتر، ومكث في وضع عراقيل وسلبيات أمام المشكلة التي يفكر فيها فإنه سوف يصل إلى حالات متطورة من القلق مصحوبة بدرجة عالية من الاكتئاب، مشيراً إلى أن بعض الأشخاص عندما تصيبهم بعض الأعراض المصاحبة للقلق مثل الصداع أو ضيق التنفس، يسارعون في التوجه إلى الأطباء والمستشفيات ليساعدوهم على وضع نهاية لهذه الآلام، ولكن بعد التشخيص لا يعثر الأطباء على أسباب مقنعة تقف خلف حدوث هذه الآلام، وبالتالي تنتهي هذه المحطة المتكررة بصرف بعض الأدوية والمضادات التي تخمد الألم لمدة زمنية محدودة لا تتجاوز بضع ساعات، ذلك أن سبب الألم الحقيقي لم يتم علاجه.

اضطراب سلوكي

وأوضح أن القلق يصيب جميع الفئات العمرية حتى الأطفال الذين يظهر عليهم في هيئة اضطراب سلوكي وحركة كثيرة يصعب السيطرة عليها، أو ربما في صعوبة التعلم، لافتاً إلى أن ذلك يعود إلى عوامل وراثية أو نتيجة معاملة أفراد الأسرة التي تقدم على بعض التصرفات دون إدراك منها، كالتميز بين الأطفال والتفرقة في المعاملة فيما بينهم. وأكد أن من أكثر أنواع القلق السائدة لدى الأطفال هو قلق الفراق، ويبرز هذا النوع خصوصاً في الأيام الأولى عندما يبدأ فيها الطفل الذهاب إلى المدرسة، إذ لا يتحمل هذا الطفل فراق الأم أو المنزل، ما ينعكس على حالته النفسية، وكذلك الحال مع المشاكل الأسرية التي تحدث على مرأى الأطفال تتسبب في حدوث درجات معينة من القلق أو الاكتئاب، والتي يصاحبها في بعض الأحيان ظهور بعض الأعراض المرضية مثل الصداع والأم في منطقة البطن.

علاج القلق

علاج القلق يمكن أن يتم من خلال استخدام بعض الأدوية التي تعيد توازن ناقلات الحوافز إلى الدماغ، والتي تصاب باضطراب في حالة حدوث التوتر، وكذلك يتم علاج القلق عن طريق الجلسات العلاجية التي يقدمها الطبيب للمريض وتعمل على مساعدته في ترتيب أولوياته والتعرف إلى مسببات الحالة النفسية التي يمر بها لكي يتلافاها مستقبلاً.

تشخيص

الوسواس القهري.. خيالات تغزو العقول

للأمراض النفسية أشكال عدة، تبرز في هيئة سلوكيات غريبة واضطرابات يمكن ملاحظتها في كثير من الأحيان، ويعد الوسواس القهري أحد هذه الأشكال التي تظهر بوادرها في تصرفات الأشخاص وسلوكياتهم اليومية، هذا ما أكده الدكتور رعد الخياط استشاري الطب النفسي، والذي قال: إن الوسواس القهري حالة نفسية منتشرة بكثرة بين الأشخاص، وله شقان أحدهما يتعلق بالأفكار والآخر بالحركة، وهو عبارة عن أفكار أو خيالات أو حوافز تفرض نفسها على الشخص وتتكرر باستمرار مع رفضها وعدم تقلبها من الشخص نفسه، وتتعلق هذه الأفكار عادة بالطهارة أو ببعض التصرفات التي يصعب تقلبها من الأشخاص الآخرين، أو ربما تدفع البعض للقيام بتصرفات خاطئة، وتكمن صعوبة هذه الحالة أنها تزداد عندما يبدأ الإنسان في مقاومتها، لذلك يمكن السيطرة عليها من خلال إهمالها وعدم بذل أي ردة فعل تجاهها، والبحث عن بديل من خلال تغيير المكان أو الموقف الذي يكون فيه الشخص بشيء آخر.

فترات محدودة

وأضاف أن كثرة الشكوك أحد أشكال الوسواس القهري، إذ يقدم الشخص على ممارسة الشيء مرات عدة، ولكن سرعان ما يساوره الشك في أنه لم يقم بذلك، كغسل اليدين مرات عدة أو قفل الغرفة أو السيارة أكثر من مرة، منوهاً إلى أن الوسواس القهري قد يخف لفترة محدودة ثم يعاود الظهور مرة أخرى، ما يحرم المصاب الاستفادة من وقته الذي يقضيه في القيام بتكرار هذه السلوكيات، كما تلحق بعض السلوكيات التي يقدم المريض عليها في إلحاق الضرر بنفسه نتيجة استخدامه بعض المواد الكيماوية في غسل الجسم أو بعض أجزائه أو اتباع عادات تؤثر فيه مستقبلاً، إضافة إلى إلحاقه الضرر بالأشخاص الآخرين في بعض الحالات.

وأوضح أن مسببات الوسواس القهري ينسبها البعض إلى عوامل وراثية، بينما يرى البعض الآخر أن خلف حدوثها عوامل بيئية واجتماعية كالحوادث والأخبار الصادمة التي يتعرض لها الشخص، أو الشعور بالإحباط المستمر أو نتيجة الشعور بالخوف، أو ربما يكون خلف ذلك التنشئة الاجتماعية أو الحياة النفسية التي عاشها الشخص منذ نعومة أظفاره، فجميع هذه العوامل إن كانت مجتمعة أم منفرد تسهم بصورة أو بأخرى في خلق بيئة مثالية تساعد على تحفيز الوسواس القهري.

خفض التوتر

أشار استشاري الطب النفسي إلى أنه يمكن علاج الشخص المصاب بالوسواس القهري عن طريق استخدام الأدوية والمضادات التي تعمل على خفض مستوى التوتر والاضطراب، وتمنحه استرخاء في عضلاته الجسمية، أما العلاج النفسي فيكون بتوجيه المريض إلى اتباع الطرق التي تنمي مقدرته على مواجهة مخاوفه والمعتقدات والخيالات التي يعاني منها.

 

«الفوبيا» خوف ينعكس سلباً على نمط العيش

قال الدكتور رعد الخياط استشاري الطب النفسي: إن الخوف أو الرهاب اضطراب سلوكي يصيب العديد من الأشخاص نتيجة خوفهم الشديد من أمر لا يستدعي ذلك، إذ يتملك هذا الخوف حياة الأشخاص وينعكس سلباً على تصرفاتهم وأنماط حياتهم، وقد تكون هذه الفوبيا من الأماكن المرتفعة أو المفتوحة أو الجلوس في الظلام أو من بعض الحيوانات، كما تأخذ في بعض الأحيان اتجاهاً اجتماعياً، إذ يواجه بعض الأشخاص صعوبة في الحديث أمام الآخرين، وربما يدفعهم ذلك إلى الاعتذار عن الحضور والمشاركة في الفعاليات الاجتماعية.

وأضاف أن الخوف قد يتسبب في تغير أنماط حياة بعض الأشخاص، نتيجة إصابتهم بموقف أو حادثة ما، وعلى سبيل المثال يصرف بعض الأشخاص نظرهم عن قيادة السيارة نتيجة تعرضهم أو مشاهدتهم لحادث مروري مروع، لافتاً إلى أن مسببات الخوف قد تختلف من شخص لآخر بناء على الحياة الأسرية والمكان الذي تربى فيه الشخص، فتخويف الأطفال وعقابهم المتكرر والحكايات المخيفة التي تسرد لهم للحد من بعض تصرفاتهم تسهم في نمو مسببات «الفوبيا»، إضافة إلى ذلك يعد ضعف الثقة بالنفس والتشوهات والعاهات من الأسباب الرئيسية لحدوث مثل هذه الحالات النفسية.

وأوضح أن أعراض الرهاب تتجسد في الشعور بالنقص وفقدان الأمان، وكثرة التردد والنظر للحياة بسلبية والإجهاد والصداع وخفقان القلب، كما تظهر أعراضه في بعض الأحيان بصورة أفكار شيطانية، منوهاً إلى أن علاج هذه الحالة يمكن من خلال الكشف عن الأسباب الحقيقة التي تقف خلف حدوثها، ومن ثم البدء في مرحلة الإقناع الشخصي للمريض وتأهليه ليستعيد الثقة في نفسه، ويزيح من مخيلته بعض الأفكار التي يرسمها مجرد إقدامه على هذا الأمر، وكذلك لا بد من تقريبه من الشيء الذي يخاف منه وحثه على مواجهته مرات عدة وبمراحل متفاوتة، وإكسابه خبرات جديدة تعينه على ذلك، وتحفيزه ببعض الكلمات التي تزرع في نفسه الأمن والشجاعة.

نصائح

ممارسة الهوايات لتخفيف الضغوط

ممارسة الهوايات والمحافظة على أواصر العلاقات الاجتماعية مع أفراد المجتمع وفي بيئة العمل، تمنح الشخص سهولة في التخلص من الضغوط النفسية، وتبعده عن دوامة الأمراض النفسية. وهنا تبرز أهمية ممارسة الرياضة الجماعية مع الأصدقاء أو الانخراط في دورات لصقل المهارات مثل الطبخ أو الخياطة وغيرها من أجل الاستفادة من الوقت بشيء مفيد والابتعاد عن الانفراد الشخصي في المنزل.

الحديث إلى الأصدقاء لتنفيس الكرب

الحياة لا تخلو من المشكلات، لذلك لا بد للشخص أن يرتب أولوياته بصورة تضمن له التخلص من المشكلات التي يعاني منها وفق مدة زمنية محددة. وهنا تبرز أهمية التحدث إلى الآخرين عن الهموم وخاصة الأصدقاء أو المقربين، كي يشعر المرء بوجود أشخاص آخرين مقربين منه يشكو لهم همومه ويشاطرونه السراء والضراء.

زيارة الطبيب عند الشعور بالمرض

عند الشعور بالضغط النفسي لا بد من تحديد أسبابه والبدء في إزالتها من خلال إدخالها في حيز التنفيذ، فالتفكير وحده لا يخفف الضغوط، لذلك فإن العمل هو مفتاح الحد من الضغوط. ولابد من استشارة الطبيب عند الشعور بأي قلق يزيد على حده الطبيعي.