المتأمل في واقع الزواج اليوم، ونظيره في الأمس، يجد بوناً كبيراً في جل أدبياته وتفاصيله، وتحولاً جذرياً في العادات والتقاليد المتصلة به، بل النظرة المجتمعية تجاه «برستيجه»، خصوصاً بعد تطور المجتمع الإماراتي على الصعد كافة، لا سيما من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، وظهور طقوس جديدة بدَّلت «الثوب» التقليدي لمفهوم الزواج الذي بات يأخذ الآن شكلاً أكثر تعقيداً، في ظل المبالغة في المهور والمغالاة في التكاليف.

لا نذيع سراً إذا قلنا إن هذه التطورات التي طرأت على المجتمع المحلي، والتبدُّل الكبير في عادات واشتراطات الزواج، وابتعادها عن البساطة والاعتدال والعقلانية، جلبت معها الكثير من المشكلات والمتاعب، ليس أقلها العنوسة، و«العزوف»، وغلاء المهور، وتهديد الأمن المجتمعي نتيجة الارتباط بأجنبيات، وزيادة نسبة الطلاق بين المتزوجين الجدد، وانزلاق شريحة كبيرة من الشباب نحو هاوية القروض البنكية، من أجل توفير احتياجات حفلات الأعراس التي باتت تتجاوز في تكلفتها ربع المليون درهم على أقل تقدير.

وأمام هذه المشكلات، ومحاولات القفز عنها، ظهرت فكرة صندوق الزواج الذي أمر بإنشائه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، قبل نحو عقدين من الزمن وأكثر بقليل، إيماناً منه، رحمه الله، بضرورة نشر مفهوم التكافل المجتمعي، وتوسيع دائرته، ليقفز عن أسوار الأهل والأقارب والجيران، ويبلغ باب «ولي الأمر»، في مسعى لتيسير ودعم احتياجات الشباب..

وتشجيعهم على التبكير في الزواج، وبناء أسر جديدة تنعم بالاستقرار والترابط المجتمعي، وزرع قيم التواضع، والبساطة، والاقتصاد في الإنفاق، بعيداً عن التفاخر والمباهاة، والإغراق في الديون والكماليات.

كما سبقت ذلك بقليل مبادرة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، بتنظيم أول عرس جماعي لأربعين عريساً وعروسة من الإمارة، تحقيقاً للأهداف نفسها، ثم تواترت بعد ذلك مبادرات الدوائر الحكومية، ومؤسسات النفع العام، وأهل الخير لتنظيم مثل هذه الأعراس، تماشياً مع الرؤية نفسها، على أمل ازدياد نسبة المشاركين فيها، وأخذ طابع «الدورية»..

والتصالح مع نظرات المجتمع إليها. وبالرغم من اتفاق الكثيرين على أهمية هذه الأعراس، وضرورة توسيع حزامها، ودعمها مادياً ومعنوياً، وتشجيعها لتصبح ثقافة عامة لدى «الغني» قبل الفقير، إلا أنها ما زالت تواجه (لا ناهية جازمة) من بعض الأهالي والعرائس..

ولم تطرح ثمارها الناضجة بعدُ كما يؤمل منها، ثم إنها لم تلق القبول الكبير تارة بذريعة التمسك بالعادات و«الإتيكيت»، وأخرى بدافع حب التميز والتفرد، ناهيك عن حاجتها إلى جهة مستقلة تعمل على تسويقها وإدارتها بشكل أكثر تنظيماً، وفق ما يرى عدد من الشباب، والقائمين عليها، والمختصين الاجتماعيين والنفسيين.

حل عصري

عبد الله موسى، اختصاصي اجتماعي أسري، يؤكد أن الأعراس الجماعية «سنة حميدة»، وحل عصري للتخفيف من التكاليف الباهظة للزواج، وخطوة واسعة على طريق البحث عن الحلول لمشكلات العزوف، و«الطلاق المبكر»، والتورط في القروض، ثم إنها تعزز قيم التلاحم المجتمعي والبساطة والرضا بالقليل، وحفظ وصيانة الأسر من مظاهر المباهاة والتفاخر والإسراف.

موسى قال إن هذه الفكرة تحتاج إلى قرار شجاع من المجتمع لتعميم التجربة، وشدد على ضرورة إسهام المؤسسات الحكومية والخاصة في دعمها وتبنيها على نطاق أوسع، وتوفير محفزات وامتيازات لموظفيها المقبلين على الزواج..

فيما يرى ضرورة إجبار المستفيدين من منح «صندوق الزواج»، على المشاركة في هذه الأعراس، من أجل سد باب الطمع والجشع لدى بعضهم، ممن يحصلون على المنحة، ثم يقترضون من البنوك لإعادة إقامة الحفلات الفردية المتعارضة مع هدف الأعراس الجماعية.

توسيع المشاركة

من جانبها، شددت فوزية طارش، مديرة إدارة التنمية الأسرية في وزارة الشؤون الاجتماعية، على ضرورة استقطاب ومشاركة جميع فئات الشباب فيها، سواء كانوا مقتدرين على توفير احتياجات حفلات أعراسهم أو خلاف ذلك.

وأشارت إلى أن هذه المبادرات معقود عليها آمال كثيرة، لها اتصال مباشر باستقرار الأسرة، ومن بعدها المجتمع كتلة واحدة، في وقت قالت فيه إن ثقافة الأعراس الجماعية ضعيفة لدى أبناء الإمارات، وتحتاج إلى مزيد من الاهتمام، والتوعية، والتسويق الصحيح، وكذا ضرورة أن تكون دورية، ومنظمة بشكل أفضل بين الجهات الراعية لها، ووضع الخطط والبرامج لتوسيعها، «وحبذا لو تم ذلك من خلال صندوق الزواج، أو هيئة تنمية المجتمع، أو إنشاء جهة مستقلة للإدارة والتنظيم».

اتفاق واختلاف

حبيبة الحوسني، المديرة العامة لصندوق الزواج بالإنابة، تتفق كثيراً مع الآراء المنادية بضرورة تعميق وتأصيل ثقافة المشاركة في الأعراس الجماعية، بما في ذلك استهداف «شريحة ميسوري الحال»، وبدت أكثر تفاؤلاً بشأن نجاح الفكرة، وتشير إلى أن عدد المشاركين فيها في تزايد مستمر، إذ تم تنظيم ثمانية أعراس لنحو 450 عريساً، عازية ذلك إلى زيادة الوعي بأهميتها، وبلوغ أهدافها..

وتأمين الدعم الشامل لها، بما في ذلك منح المشاركين امتيازات وهدايا ومبالغ مالية لتشجيعهم على الانضمام. كما أنها ليست من مؤيدي تخصيص جهة معينة ترعى وتنظم شؤون الأعراس الجماعية، «من باب التنافس في تقديم الخدمات والامتيازات»، ثم «لا ضير من تعددها طالما أنها تطبق شروط الصندوق، وطالما أنه لا يجوز للعريس الحصول على منحة من أكثر من جهة أو أكثر من مرة واحدة».

ثقافة

أشارت حبيبة الحوسني إلى أن العام الماضي شهد «عدم تقبل العرائس وأهاليهن للفكرة»، وهي مشكلة حقيقية تفرمل سرعة انتشار ثقافة الأعراس الجماعية، وعقبة كبيرة تواجه المجتمع، التي لا تتفق مع من يرى أن ثمة حاجة إلى فرض المشاركة على الأزواج المنتفعين من صندوق الزواج، وبررت ذلك قائلة «بما أن المنحة مرتبطة باسم مؤسسة، فهناك حرية للأشخاص، وهي هدية لا يجوز أن تكون مشروطة، ثم إن مسألة الفرض تعد تدخلاً في شؤون الناس».

 جاسم المرزوقي: قناعات بالية تعوق انتشار المشاركة الجماعية

الدكتور جاسم المرزوقي، استشاري الطب النفسي في مستشفى الأمل، قال إن معشر الشباب يواجهون تحديات جمة، أبرزها ارتفاع تكلفة الزواج، وفي حال لجوئهم إلى البنوك للحصول على قروض لتوفير تلك التكاليف، فإنهم سيعيشون ضغوطاً نفسية متصلة بعملية التسديد بعد الزواج، قد ينجم عنها مشكلات مع زوجاتهم، وربما تتفاقم لتصل إلى الطلاق.

ولفت إلى أن تداعيات غلاء المهور وارتفاع تكاليف الزفاف أخّرت سن الزواج لدى شريحة واسعة من الشباب الذين باتت غالبيتهم يتزوجون بعد سن 29 عاماً، علماً أن المعدل الطبيعي للعمر هو 25 عاماً، في وقت ذكر فيه أن السبيل للنزول عن «شجرة العزوف» هو تعميم وتوسيع مبادرات الأعراس لتصبح ثقافة عامة، لا سيما في ظل الدعم السخي من القيادة الحكيمة لها سواء من الناحية المادية أو المعنوية.

وعن دوافع امتناع البعض عن المشاركة في هذه الأعراس، أوضح أنها متصلة ببعض القناعات البالية، مثل أن هذا العريس أو ذاك هو ابن فلان، أو من القبيلة الفلانية، أو من «الميسورين»، أو أنه لا يريد أن يكون نسخة مكررة من زملائه العرسان، بل يبغي التميز والتفرد في كل تفاصيل الحفل، وأن يكون سيد تلك الليلة ونجمها، أو لأنه يود دعوة أكبر عدد ممكن من الأهل والأصدقاء.

تفاؤل حذر

بالانتقال إلى إحدى الجهات الراعية للأعراس الجماعية، نجد أنها رسمت أهدافها متناغمة مع استراتيجية الحكومتين الاتحادية والمحلية، الرامية إلى بناء وإسعاد الإنسان، وتوفير الحياة الكريمة له، بعيداً عن ضنك العيش، وغياب الأمن والاستقرار، لا سيما في الأسرة التي تمثل الخلية الأولى في جسد المجتمع، والخيط الأول في نسيجه.

جمعية النهضة النسائية نظمت عرساً جماعياً في الثلث الأخير من الشهر الفائت، لنحو 10 عرسان، مع زوجاتهم، واستطاعت أن تحدث اختراقاً في صلابة إصرار الفتيات على عدم المشاركة في الأعراس الجماعية، بعد أن نجحت في جمعهن مع أزواجهن في الحفل نفسه، مثلما تميزت في فرض شروط على المشاركين بعدم تنظيم حفلات ثانية بعد العرس الجماعي، «وإلا فإنهم سيقعون في دائرة المقاضاة».

وقالت عفراء الحاي، مديرة إدارة مركز النهضة للتدريب والاستشارات الأسرية، إن فكرة إطلاق المبادرة نابعة من استراتيجية الحكومة لإسعاد المواطن الإماراتي، ودعمه مادياً ومعنوياً، ومساعدته على الزواج، وتكوين أسر مستقرة، بمنأى عن الإسراف والتبذير والمغالاة في الإنفاق على حفلات الزفاف.

الهوية الوطنية

وأضافت «إن لم تتدخل المؤسسات، وجمعيات النفع العام، لمعالجة مشكلات العنوسة وتأخر سن الزواج، وارتفاع معدلات الطلاق، وزيادة نسبة المواطنين المتزوجين بأجنبيات، فإن هويتنا الوطنية وأمننا المجتمعي سيصبحان في مهب الريح، ولذلك نحن بادرنا إلى إطلاق مشروع العرس الجماعي أول مرة على مستوى الجمعية، ونجحنا في إقناع الإناث بالمشاركة فيه، وهو الأمر الذي كان وما زال يشكّل تحدياً كبيراً أمام هذا المشروع الوطني».

وتتفق الحاي أن المجتمع ما زال بعيداً نسبياً عن هذه الثقافة، وخصوصاً أهالي الشباب والفتيات، والفتيات أنفسهن، وأن التغلب على هذه المسألة ليس سهلاً، ويحتاج إلى جهود وبرامج توعوية، وتعاون من قبل جميع المؤسسات ذات العلاقة، لكنها متفائلة كثيراً بمستقبل الأعراس الجماعية التي قالت إن فكرتها بدأت تتغلغل إلى البيوت، وتعطي نتائج جيدة، وليس أدل على ذلك من تزايد عدد الاتصالات الواردة إلى الجمعية، للاستفسار عن تفاصيل ومواعيد حفلات الزواج الجماعية.

تساؤلات؟

تساءلت مدير إدارة مركز النهضة للتدريب والاستشارات الأسرية «ما المانع أن يكون الزواج الجماعي داخل الأسرة الواحدة، أو القبيلة الواحدة، أو الفريج الواحد، وحتى لدى الجيران والأصدقاء، وما المشكلة لو كان عدد المشاركين اثنين أو ثلاثة أو أربعة؟ ألا تحقق مثل هذه الأعراس الأهداف نفسها التي تحققها الأعراس الموسعة؟».

عرسان: إقناع الأهل بالعرس الجماعي مهمة شاقة

 الحصول على موافقة الأهل، وإقناع الزوجة، لم تكن مهمة سهلة، أمام الكثير من الأزواج المشاركين في العرس الجماعي، الذين أكد بعضهم أن هذه الأعراس وصفة سحرية لحل مشكلاتهم المتعلقة بتكاليف وتبعات الزواج. سعدين الفلاسي أحد المشاركين في عرس جماعي، قال في سياق حديثه عن هذا الأمر:

واجهت مشقة كبيرة في إقناع أهلي وزوجتي في المشاركة، وخيرتهم بين الموافقة أو الحصول على قرض، وأخبرتهم أنني إن لم أشارك في هذا العرس فإنني لن أتمكن من الزواج هذا العام، بسبب عدم استعدادي لذلك لا سيما من الناحية المادية، إذ إن تكاليف حفل الزواج لا تقل عن 250 - 300 ألف درهم، وهذا مبلغ كبير، سأوفره على نفسي من تلقاء مشاركتي في هذا العرس.

إبراهيم المرزوقي مشارك آخر في العرس، قوبل هو الآخر برفض شديد اللهجة من الأهل، لكنه نجح في الإقناع بعد عناء.

وأشار إلى أن الكثير من أصدقائه مقتنعون بفكرة الأعراس الجماعية والمشاركة فيها، لكنهم يخافون من نظرة المجتمع، وردة فعل أهاليهم وشريكات حياتهم، ويحتاجون إلى التشجيع.

من جانبه يرى المشارك علي العيسى أن هذه الأعراس بمثابة حلول عصرية لمشكلات عزوف الشباب عن الزواج، وجنبتهم اللجوء إلى البنوك، زيادة على أنها تهدي النفس سكينة وطمأنينة واستقراراً، خصوصاً وان جميع الترتيبات الخاصة بالحفل ومتطلباته، من مسؤولية الجهة الراعية، التي توفر على العرسان مالا يقل عن 75 % من تكاليف العرس.

وحمل الكعبي جمعيات النفع العام والدوائر الحكومية ذات العلاقة، مسؤولية زيادة عدد وتوسيع الأعراس الجماعية، لتستوعب أكبر عدد ممكن من المشاركين، إضافة إلى نشر هذه الثقافة بين أفراد المجتمع استجابة لتوجيهات القيادة الحكيمة التي دائماً ما تؤكد أهمية مشاركة الشباب في هذه النوع من الأعراس.

ويشاطره الرأي العريس ادريس العيسى الذي دعا وسائل الإعلام إلى الاهتمام بهذه المبادرة، لدعمها، وتسويقها والترويج لها بين فئات المجتمع، مثلما أكد أن مشاركته سرعت من زواجه، وجنبته شرور القروض البنكية، والقلق الناتج عنها.