استوقفتني «نكتة»؛ أو بالأحرى «مصيبة» أم كانت تدفع بولدها إلى منصة الاحتفال الرسمية أثناء فعالية تربوية، سألتها المشرفة: «إلى أين؟»، أجابت: «فقط أريد أن ألتقط له صورة على المنصة، لأرفقها في ملفه بهدف المنافسة في إحدى الجوائز التربوية». هذه القصة بالتحديد سمعتها من أحلام ربيع الموظفة في منطقة دبي التعليمية، أخبرتني بها وهي تتحسر على واقع بعض الأسر التي تريد لأبنائها التميز قولاً لا فعلاً.

هذا المشهد أثار في نفسي فضولاً ممتداً عن فحوى الجوائز التي أمست واقعاً نشطاً في بيئات العمل التربوية والمؤسساتية المختلفة، والتي كما يجمع المستطلعون باتت، رغم إيجابياتها الكثيرة، عبئاً ثقيلاً ملقى على عاتق الموظفين، سعياً إلى الإيفاء بمتطلبات الجوائز المادية والمعنوية، بهدف استكمال ملف الترشح واجتياز مراحل التقييم، وهو ما يفتح باب الشك في كثير من المتطلبات التي تؤهل للفوز، طالما أن الجائزة تعتمد الشمولية، وتتطلب توفير الكثير من الإنجازات في شتى المجالات.

جوائز «مرنة»

في هذا السياق، ورغم القناعة المطلقة بجدوى الجوائز ومفعولها السحري في ميدان التحفيز والتميز، إلا أن موظفين كثر من القطاعين العام والخاص، أكدوا ضرورة الارتقاء بالجوائز التي تُمنح للمؤسسات أو الأفراد على حد سواء، بغية تعميق حس المصداقية فيها، معتبرين أن العمل من أجل الجائزة أصبح السلوك السائد..

والأفضل أن تكون الجائزة تتويجاً لأي عمل، مطالبين في هذا الصدد بأن تكون الجوائز أكثر تخصصية وتراعي الإنجاز والتأثير، لا أن توثق ملفات الأفراد والمؤسسات، مع الحاجة إلى جوائز «مرنة»؛ تأتيك دون توقع منك وقبل أن تذهب أنت إليها.

يلاحظ أحمد الجناحي، الذي يعمل في أحد المصارف، حالة الانهماك والإرهاق التي يتكبدها موظفون في بعض الدوائر الحكومية، أملاً في استيفاء معايير محددة تؤهلهم للمنافسة في الجوائز المحلية وحتى العالمية، معتبراً أن نهج الجوائز حديث العهد على مؤسساتنا ولم تنضج الفكرة بعد في الحفاظ على نسق مهني دائم العطاء والإبداع لحصد مزيد من الجوائز وشهادات التقدير.

وقال إنه يعمل في أحد البنوك الذي يحرص كغيره على المشاركة والمنافسة في كثير من الجوائز المحلية والعالمية، لكن الموظفين لا يشعرون بالإرهاق أو الأحمال الزائدة، بسبب وجود آلية عمل ومعايير مهنية رفيعة المستوى، فالكل يؤدي دوره بحرفية، وهو ما يقود إلى سبيل الجوائز بسهولة ويسر.

مصلحة الوطن

أما زايد العبدولي، موظف حكومي، فأوضح أن الجوائز التي تتبناها حكومة دبي والحكومات المحلية وحتى الاتحادية، تدل على حنكة إدارية وقيادية، وهي تسهم بشكل استثنائي في الارتقاء بآليات العمل والإنجاز، لاسيما وأن دولة الإمارات هي الأولى وربما الوحيدة عربياً، في تبني نهج الجوائز والتقييم للأداء الحكومي إلى هذا المستوى المتميز..

مشيراً إلى مسألة خطيرة لابد وأن تزول من رأس البعض، وهي المجاملة أو الغش في الأداء عبر تزييف الواقع من أجل حصد النقاط الكافية لبلوغ سلم المنافسة على الجوائز، وهو ما يكون غالباً على حساب مصلحة الوطن، لأن القيادة أوجدت هذه الجوائز ليس لتكريم المنجزين وحسب، وإنما من أجل مساندة المتأخرين على درب التميز، حتى نسير جميعاً في ركب الإنجاز والإبداع إلى ما لا نهاية.

التقييم بالنجوم

وتطرق مهند حيدر مدير شركة «داتا سورس» للدراسات التسويقية، إلى الجدوى الكبيرة لنظام «التقييم بالنجوم» الذي اعتمده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله، وهو الذي يعتمد بشكل كبير على التغذية الراجعة من المتعاملين، فمن المهم جداً في أي عملية تقييم، أن تستند على رأي المتعامل وقياس حجم المنتج أو واقع التأثير، واعتبار المتعامل أو الجمهور هو المقيّم الرئيس، لا أن تكون الملفات المقدمة من المؤسسة أو الأوراق، هي الشاهد وحسب.

حيز «البريستيج»

وذكر مليح اليمن، من مؤسسة «كوادر» لخدمات التدريب، أن ثقافة الجوائز رائجة لدينا كما في دول غربية كثيرة، وهي تدخل حيز «البريستيج» لدى كثيرين، رغم أن البعض يعتبرها محطة للارتقاء إلى العلا، منتقداً ثقافة العمل المستند إلى الجائزة، باعتبار أن الإخلاص والإنتاج والإبداع، أوْلى من التفكير بالجائزة، وهذا السبيل يقود حتماً إلى التأثير..

وترك بصمة في الحقل المهني، وهو ما يستوجب أن يكون التكريم حليفاً له، لا أن يكون التكريم مبنياً على كم من المهام التي على الشخص أو المؤسسة أن تؤديها حتى تستوفي متطلبات الترشح وهو الحاصل في بعض جوائزنا للأسف.

وتطرق إلى تجربة شخصية حين كان يعمل مدير فرع لأحد البنوك في كندا، في وقت دخول الصراف الآلي إلى الخدمة، إذ ظل الخوف يحجب المتعاملين مع البنك عن استخدامها لعدم وجود الثقة، وهنا بادر شخصياً بحملة توعية المتعاملين بهذه الخدمة، وتمكن في غضون 3 شهور من رفع نسبة الاستخدام من 3 إلى 17%..

وهو ما أذهل الإدارة التي أصرت على ابتكار جائزة خاصة وتكريم مليح اليمن بها، منوهاً إلى أن هدفه حينما بدأ فكرته التشجيعية للعملاء، ليس التكريم، وإنما ترك بصمة مهنية، وحينما وجد التكريم، شعر أن الجائزة أكبر بكثير من كل الجوائز المعلنة، لأنها أتته ولم يذهب إليها.

الأمور بخواتيمها

 أوضح مهند حيدر خبير الدراسات التسويقية، أن مؤسسات كثيرة تعتمد التوثيق نهجاً لها لبلوغ مسميات تكريمية عدة، وهذا واقع مشروع، فالآيزو مثلاً وهي شهادة عالمية مرموقة، تعتمد بشكل محوري على الجانب النظري، وتمنح بعد تحقيق المؤسسات متطلبات محددة، تُستقى غالباً من المؤسسة نفسها. لكن الأهم من وجهة نظره، أن تُقاس الأمور «بخواتيمها» وبالنتائج التي أفضت إليها الفكرة أو المؤسسة أو الفرد..

بغض النظر عن مجال مشاركته أو عمله أو إنجازه، مشيراً إلى أن النهج الحديث والمتبع في الجوائز والتقييم، يقوم على قياس حجم التأثير والنظر إلى المردود الذي تحققه أي جهة، وهو ما يجب أن يكون في المرحلة المقبلة..

حيث العمل يتم في إطار مسميات أكثر تخصصاً ونوعية، وهو ما لا يتوافق مع فكرة توفير كم من الأوراق والشهادات من أجل المنافسة في حقل الجوائز، ويكفي هنا النظر إلى الإنجاز والتأثير، لمعرفة إن كان صاحبه يستحق الجائزة والتكريم، أم لا.

أساليب «غير تربوية» للظفر بالجوائز

 يبدو أن ميدان التربية والتعليم هو الأوفر حظاً في التكريم بالنظر إلى حجم الجوائز التربوية التي تستهدف العاملين في شتى المسميات والتخصصات، وهو أيضاً الأساس الأهم في البناء لفكرة الإنجاز والإبداع والعمل في أجواء مثالية، في ظل جوائز مرموقة وتقييم لائق، عبر تأهيل النشء بفكرة العمل والإخلاص واعتبار التميز أسلوب حياة وليس لزوم فترة مرحلية.

الصورة لا تبدو ناصعة إلى هذا الحد، كما ترى جميلة المهيري، مدير إدارة التوجيه والرقابة على المدارس الحكومية في وزارة التربية والتعليم، التي أكدت أن خبرتها الميدانية كشفت عن أساليب «غير تربوية» لبلوغ هدف الفوز والتكريم في الجوائز التربوية والتعليمية، عبر التزييف والمبالغة والادعاء في تحقيق متطلبات الجائزة التربوية.

النمط الاستعراضي

وأضافت: في وقتنا الحالي أصبحت نسب التعليم مرتفعة، والجميع يمتلك طموحاً لبلوغ مراتب أكثر تميزاً، والجوائز جزء من هذا الطموح، مع التأكيد على جدوى الصدق في التعامل مع الجوائز، والابتعاد عن النمط الاستعراضي، مشيرة إلى أن الفوز له طعم رائع ومعناه أنك نافست الكثيرين غيرك وتفوقت وظفرت بالرقم 1، ومن هنا تبدو أهمية الجائزة كبيرة، بغض النظر عن حجمها.

أما عبدالله الحمادي نائب مدير مدرسة عمر بن الخطاب النموذجية، فأكد أن الواقع العملي التربوي يحتم علينا إعادة النظر في آلية الجوائز المتوفرة، سواء كان ذلك في المتطلبات أو حتى طريقة التقييم، مشيراً إلى إمكانية قيام المدارس بدور أفضل في هذا الجانب، كأن يتم ترشيح مجموعة من الطلبة ومتابعتهم لفترة أطول عامين أو أكثر، ومن ثم تقرير إن كانوا متميزين أم لا.

تحفيز جماعي

وقال الحمادي: لماذا لا تكون هناك آلية لمتابعة المتميزين من الطلبة، ورصد الإنتاج والإنجاز دون علمهم، وفق مبدأ «المتسوق السري»، وفي هذا الإطار يمكن تحفيز مجموعات أكبر من الطلبة للدخول في معترك المنافسة عاماً تلو عام، وهو ما يعود بالنفع على العملية التعليمية بشكل أوسع.

وتطرق نائب مدير نموذجية عمر بن الخطاب إلى كم المتطلبات وما يشوبها من لغط في الترشح للجوائز التربوية، وكأنها تقضي بوجود الطالب السوبر وربما الاتكالي من جانب آخر.

بعد الجائزة

وناشد الحمادي بضرورة متابعة الطلبة والمعلمين وحتى المدارس بعد الحصول على الجوائز، ووضع آلية محكمة تضبط سيرهم على نهج التميز التربوي، بما يعود بجملة من الفوائد الحقيقية على الشخص والجائزة في آن معاً. ودعا إلى وجوب اعتماد آليات أكثر إيجابية في درب الجوائز التربوية، بالاعتماد على مبدأ التخصص والإنتاجية وليس الشهادات والتكريمات والملفات المتخمة بالأوراق والصور..

معتبراً أن عصر التخصص هو الفيصل في إدارة ركب التميز والارتقاء بآليات العمل، لذلك من الأنسب التعامل مع الجوائز المختلفة بعين أكثر تخصصاً وإدراكاً لقيمة المنجز وليس لتشعب الإنجازات.

«لكل مجتهد نصيب» والإخلاص منصة تكريم

 اعتبر الخبير الإداري الدكتور عبدالرحمن عيسى، أن الجوائز بشكل عام، ظاهرة صحية ومطلب مؤسساتي حتى يستمر العطاء والارتقاء في آليات العمل، لكن ينبغي ألا تكون هدفاً حتى لا تنعدم من بعدها ملامح التميز، كما يتوجب على المتقدمين للجائزة، الأفراد والمؤسسات، أن يكون الإخلاص هو الحكم في أدائهم، فالشخص حتماً سيغش نفسه حين يضلل غيره أو يدعي الإنجاز.

وأشار عيسى إلى أهمية التطوير والارتقاء بنهج الجوائز الموضوعة، بما يضمن التكريم لمن يستحق، إذ إن النهج القويم للجوائز يرتكز على أساس التخصص والتأثير والإنجاز، أكثر من أن تظل الجوائز شمولية بمطالب فضفاضة ومرهقة. ولفت إلى أن هناك جوائز تستوجب جملة من الاشتراطات العمومية وتضع في مقابل خاناتها الكثيرة نقاطاً محددة..

وعلى كل من يتقدم تحقيق عدد من النقاط للدخول إلى حيز المنافسة، وربما أن هناك أشخاصاً متخصصين ومبدعين ومنجزين ومؤثرين، لكنهم لا يمتلكون نقاطاً متشعبة تؤهلهم للدخول إلى أفق الجائزة، وبالتالي فهم محرومون مسبقاً من التكريم.

وأضاف عيسى أن حكومة دبي تسعى جاهدة إلى الإلمام بكل ملامح التكريم التي تليق بالمؤسسات والأشخاص من خلال جوائزها الكثيرة وأساليب تقييمها المتنوعة، والتي كما يقول لا تستثني طرفاً ولا تحجب الفرصة عن أي مبدع، وهو ما يدفع باتجاه التميز في نوعية الأداء المؤسسي على مستوى الإمارة التي تُعامل الجميع وفق مبدأ «لكل مجتهد نصيب».

في موازاة ذلك، هناك مؤسسات وأفراد على حد سواء، يطلبون المساعدة من أجل «تنميق» ملفات الترشح للجوائز، بما يشمل العروض الإلكترونية والأوراق المطبوعة والجداول والإحصاءات وسواها من المتطلبات. وكشفت الآراء أن بعض الأشخاص الطامحين إلى الجوائز يضطرون للتنقل من مؤسسة إلى أخرى للاشتراك في فعاليات محددة، لجلب شهادات مشاركة، ودسها في ملف الترشح لبعض الجوائز.

وذكرت إحدى الموظفات في دائرة حكومية، أنها تمضي أياماً برفقة زملائها، في التحضير والاستعداد للمشاركة في الجوائز، وتعيش حالة من الضغط المهني من أجل عدم ضياع الفرصة على مؤسستها، لاسيما في وقت الزيارات الميدانية، وفي مهمة توفير الأجواء الإدارية التي تليق بالمكتوب في ثنايا الملف.