خصصت خطبة الجمعة أمس موضوعها حول "فضيلة الستر" وذكرت أن الله تعالى خلق الإنسان وكرمه، وأسجد له ملائكته ونعمه، وأحسن تصويره ورزقه، وأمره بستر عرضه وبدنه، وهيأ له ما يستر به عورته ويواري سوءته، قال تعالى: "يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا" فالستر من نعم الله تعالى التي امتن بها على الإنسان، وبه تميز عن الحيوان، وبه يشرف قدره، وتعلو منزلته، وهو صفة من صفات العلي القدير، فربنا جل في علاه يحب الستر وهو ستير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل حيي ستير، يحب الحياء والستر).

وأضافت أن الستر فضيلة وأدب وسمة من سمات الأنبياء والصالحين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن موسى كان رجلا حييا ستيرا، لا يرى من جلده شيء، استحياء منه). وكان من دأب النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله سبحانه وتعالى قائلا: (اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي) وكان عليه الصلاة والسلام ينهى المؤمنين عن النظر إلى عورات الآخرين فيقول: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة».

وذكرت الخطبة أن الستر، ستر العورات، وستر العثرات، وكتمان الخطايا وعدم نشر الزلات، وإن من الستر أن يستر الإنسان على عيوبه ومعاصيه، فلا يجاهر ولا يفاخر بها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه» فالمجاهر بالذنب مجترئ على الله تعالى، فكأنه يقول: ها أنا أعصي الإله ولا أخشاه، وأفعل ما أشاء وأتمناه.

والمجاهرة بالذنب هي دعوة للآخرين ليسلكوا مسلك المذنبين، ويذهبوا مذهبهم في إتيان المعاصي والذنوب، فيكون على المجاهر إثمه وإثم من تبعه وقلده، ولذلك كانت عقوبة المجاهرة بالذنب عظيمة، ومن استغفر الله تعالى لنفسه وستر على زلاته حفظه الله سبحانه من الفضيحة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يستر الله على عبد في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة).

وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم. ثم يعطى كتاب حسناته».

وأضافت كل ابن آدم خطاء، والناس معرضون للخطأ والخلل، والضعف والزلل، وخير الناس من ستر على عباد الله تعالى، وغض الطرف عن زلاتهم، وقوم أخطاءهم بالنصح ولم يفضحهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة» وذلك لأن الستر منزلة لا يقوى عليها إلا من عرف فضلها، وأدرك معانيها، فالستر من شيم المؤمنين وعباد الله الصالحين، قال الفضيل بن عياض رحمه الله: المؤمن يستر وينصح.

وإن من شرار الناس من سعى في نشر أسرار غيره وإعلان مساوئه، قال تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون).

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من عاقبة أقوام قعدوا يتربصون أخطاء غيرهم ويحصون عليهم عيوبهم، قال صلى الله عليه وسلم: (يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله).