قصص النجاح في دولة الإمارات كثيرة لا تعد ولا تحصى، لاسيما في قطاع المال والأعمال، الذي ضم أسماء مشهورة بدأت مشوار الألف ميل بخطوة، هم رجال أعمال ترجموا الأحلام على صفحات الواقع، من بينهم محمد عبد الرحيم الفهيم الرئيس التنفيذي لمجموعة شركات باريس غاليري، الذي يلقي الضوء في الحوار التالي على اللبنات الأولى لتأسيس باريس غاليري بعد أن ذاع صيتها في جميع أنحاء الخليج والوطن العربي ودول العالم، وبرهن بقراراته المبكرة أنه يمتلك رؤية تجارية بعيدة المدى، يتصف بحنكة تجارية وضعت بريق الشركة على خارطة العالم التجارية.

بيع الهواتف

يقول الفهيم: بعد أن تخرجت من أميركا، حرصت على العمل في أعمال العائلة التجارية في المملكة العربية السعودية والتي كان يطلق عليها آنذاك «مجموعة شركات سارة» والتي كنا شركاء بها، وبعد ثلاث سنوات من التخرج، أسست عدة شركات ومنها شركة لبيع الهواتف بالتجزئة في مطلع التسعينيات بالشراكة مع بعض الأقارب، ونجحت في تدشين أول محل تجزئة حر لبيع الهواتف المحمولة، الذي حقق نجاحاً يضاف إلى رصيدي كوني شابا لم يمض على تخرجي إلا القليل.

كان لدى والد محمد عبد الرحيم الفهيم الحلم في تأسيس مجموعة من محلات البيع بالتجزئة للقطاع الفاخر وعندما عرض الفكرة على محمد وشقيقه إبراهيم وإسماعيل بعد تخرجهم من الجامعة، أخذ محمد الفهيم على عاتقه تحقيق حلم الأب واصدار أول رخصة تجارية باسم باريس غاليري ومقرها دبي في مركز برجمان وذلك عام 1994، وفيما بعد تم ضم محلين لبيع العطور في السوق المركزي بالشارقة كان يملكهما الوالد والشقيق الأكبر، ومستقبلا حملا هوية باريس غاليري التجارية.

وللاسم قصة، حيث أراد والده أن يضم الأبناء في اعمال العائلة، واقترح على محمد وشقيقيه الشراكة مقابل التفرغ للعمل وعدم الالتفات لأنشطة تجارية أخرى. بعد ذلك اختلفت الآراء حول اعتماد الاسم التجاري للمشروع، واقترح البعض اقتران اسم العائلة بالاسم التجاري، لكن محمد الفهيم وبعض أشقائه رفضوا ذلك بصفته يتعارض مع نمو الشركة وتوسعها عالمياً في المستقبل.

ويستطرد قائلاً: يبدو أن قصة إطلاق «باريس غاليري» على الشركة كانت غريبة نسبياً، إذ اقترح أحد الموظفيين الآسيويين أسماء عدة علينا، من بينها اسم «غاليري»، فشد انتباهي، واقترحت ازدواج الاسم القديم «باريس» بالاسم الثاني المقترح من العامل «غاليري» في عام 1994، كما سارعت حينها بحجز الاسم لدى الدائرة الاقتصادية بدبي.

200 متر مربع

عندما تأسس مركز برجمان، حرصت إدارة المركز على استقطاب رجال الأعمال من الأسواق المحلية، فكان لباريس غاليري نصيباً في المركز بمساحة لا تتجاوز 200 متر مربع، مع العلم أنه كان لدى محمد الفهيم رغبة في مساحة أكبر بينما أبدى بعض أفراد العائلة تخوفهم من التجربة بأخذ مساحة كبيرة ذات واجهة مفتوحة من الأمام، لكن خلال ستة أشهر برهن المحل على إقباله غير المسبوق، ما دفع محمد الفهيم إلى التوسع في مساحة متجر برجمان لاستيعاب حجم الزبائن المتزايد بصورة مطردة.

وأشار الفهيم إلى أن الإمارات عموماً ودبي على وجه الخصوص شهدت طفرة تجارية وصناعية ساهمت في بناء المراكز التجارية بوتيرة متسارعة، وعند افتتاح مركز ديرة سيتي سنتر تم افتتاح متجر صغير في الدور الأول ولكن بعد توسعة ديرة سيتي سنتر حرصوا على استئجار محل ذي مساحة كبيرة لباريس غاليري بعد أن حقق نجاحاً في مركز برجمان..

لكن هذه المرة تغير مسمى المحل وأطلق عليه «باريس بالاس» ثم أعادت العائلة الاسم التجاري القديم باريس غاليري، عازياً سبب النجاح إلى عوامل عدة أبرزها تطور إمارة دبي وثقة الزبائن وحسن ادارة الشركة وكذلك المراكز التجارية المشرفة على المحلات التجارية.

توسع أفقي

وأكد أن توسع الشركة الأفقي حتماً يتطلب مكاتب إدارية لمتابعة الشؤون الوظيفية والتسويقية وغيرها من الأقسام الإدارية والتقنية، لربط جميع الأفرع بنظام ذكي متصل بجميع منافذ البيع ومحلات التجزئة لشركة باريس غاليري، لافتاً إلى أن من أهم التحديات هو التوسع عالمياً بعد شراء أكبر سلسلة محلات تجزئة في المملكة العربية السعودية وضمها تحت مظلة باريس غاليري، فضلاً عن شراء وكالات ومحلات ضخمة لبعض الشركات الكبرى.

وأضاف ان اليوم بلغ مجموع أفرع باريس غاليري 52، ونحو 30 فرعا للشركات الأخرى، فضلاً عن تأسيس شركات التوزيع والوكالات في المنطقة الحرة بدبي، ورفضت الشركة عقد شراكات مع أطراف كثيرة ووافقت على بعضها، لكن في عام 2005 أعلنت المجموعة فض الشراكات وإفساح المجال أمام الأحفاد كي يلتحقوا بالركب ويستقروا ويتعلموا ليخوضوا مضمار التجارة بشكل عملي.

العاطفة

رغم مواقف محمد الفهيم الإنسانية وشهادة الكثير على ذلك، إلا أن الرئيس التنفيذي لمجموعة شركات باريس غاليري أكد أنه في التجارة بصفة عامة يجب التجرد العملي من العاطفة خصوصاً في التجارة العائلية، لأن فشل الكثير من الأنشطة التجارية كان مصدرها تغلب العاطفة على العمل، بحيث لا يتولى أفراد العائلة المناصب في الشركة وفقاً لدرجة القرابة، وإنما إعطاؤه المستوى الوظيفي المناسب طبقاً لاجتهاده في العمل والخبرة التي اكتسبها.

ومن المعروف أن معظم المناصب العليا في باريس غاليري يشغلها موظفون كان بعضهم بائعا في احد محلات باريس غاليري، لأن الفهيم يؤمن بضرورة التطوير الداخلي للموظفين.

جوائز ومواقف

حصلت باريس غاليري على جائزة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للأعمال ـ فئة التجارة لعام 2011.

حصل محمد عبد الرحيم الفهيم على جائزة الرئيس التنفيذي في الشرق الأوسط عن فئة متاجر التجزئة 2013.

حصلت باريس غاليري على جائزة "شركة العام عن فئة تجارة التجزئة للقطاع الفاخر" لعام 2013 في منطقة الشرقة الأوسط وشمال افريقيا.

أول شخص في العالم يدعو متابعيه على تويتر للسحور وذاع صيت الدعوة عالميا تحت عنوان (رجل أعمال إماراتي يدعو متابعيه على تويتر إلى سحور بفندق 5 نجوم).

داعم لنشاطات رياضية وثقافية واجتماعية عديدة، والتي تهدف لخدمة شباب وشابات المجتمع.

المتحدث العربي الوحيد في قمة لينك للمجوهرات في فيينا.

90 % من الشركات العائلية تنتهي خلال 25 عاماً

 أوضح محمد الفهيم أن 90 % من الشركات العائلية ستنتهي خلال 25 عاما وفقاً لبعض الدراسات الغربية، ذلك نتيجة غياب حس المسؤولية لدى الجيل الجديد، وتغليب العاطفة على المصلحة العامة، وافتقار الأبناء للأسس التجارية الصحيحة والخبرة، ناهيك عن الفجوة الحاصلة بين تفكير الأبناء وثقافة العائلة وتوجهاتها التجارية، مشدداً على أهمية الابتعاد عن المجاملات العائلية في العمل التجاري وسواه من الأعمال.

وأردف قائلاً: إن السبب في خسارة بعض الشركات العائلية هو عدم قدرة المؤسسين على تأهيل الجيل الجديد تجارياً، وفي واقع التجارة الإماراتية ثمة نماذج لشركات عائلية نجحت في تطوير تجارتها بصورة جيدة، بينما فشلت تجارب أخرى في تأهيل أبنائها مما تسبب في تدهور وضع الشركة وتطورها إلى الأسوأ، وحري برجال الأعمال تصحيح الأفكار لدى بعض أبنائهم المتمثلة في شراء السيارات الفارهة والبذخ وإسراف المال بغير حساب واعتبار التعليم تحصيل حاصل.

وذكر أن الكثير من الشركات العائلية الناجحة منذ الماضي، أخفقت لاحقاً بإعراضها عن توثيق عقود تنظم العلاقة بينهم كشركاء، وأخطأت كذلك بمشاركتها بالكلمة فقط، لأن ذلك أدى كثيراً إلى وقوع مشاكل على المدى البعيد، وثمة أمثلة على علاقات عائلية تفككت بسب إجحاف حقوق أفراد آخرين في العائلة، مشدداً على ضرورة فصل العاطفة عن العمل، والتفكير بالسوق العالمي وليس المحلي فقط.

الحكومة أولاً

قضية تطوير أنظمة تحويل الشركات العائلية إلى شركات مساهمة عامة أو مساهمة مغلقة تحتاج إلى جهد كبير، ونحو 90 % من شركات دبي تنتمي إلى عائلات صغيرة ومتوسطة..

وواقع الإمارات يبدو أنه عكس واقع الاقتصاد في العالم، لأنه في معظم دول العالم الحكومة تتعلم من القطاع الخاص، بينما في دولة الإمارات الحكومة هي من يقدم دروساً للقطاع الخاص، خصوصاً في توظيف التقنيات لتطوير الأداء المهني، إذ نجحت حكومة الإمارات في ابتكار العديد من الخيارات التكنولوجية المساهمة في تطوير جميع القطاعات بلا تحديد.

أثنى الفهيم على تشجيع الحكومة وشحذها همم الشباب نحو القطاع الخاص ومساعدتها هذا الجيل على تأسيس المشاريع الصغيرة والمتوسطة، لكن في المقابل لا بد من تضافر جهود الأطراف في القطاع الخاص وتعاضدهم لتمهيد الطريق أمام الشباب المواطنين في القطاع الخاص حسب ما يرى خصوصاً في قضية التوطين، إذ يعرض بعض رجال الأعمال عن توظيف الشباب المواطنين نظراً لارتفاع رواتبهم الشهرية مقارنةً بالجنسيات الأخرى، مشيراً إلى أن المجموعة أعدت برامج وخططا في هذا الصدد.

نصيحة

ونصح الفهيم الشباب المواطنين بإعداد خطة مناسبة عند تأسيس المشاريع الخاصة، وعدم الخوف من الشراكة مع الأصدقاء أو الأقارب الذين يشاركونهم التفكير شرط التنظيم، والبحث عن الدعم قبل المجازفة، وعدم الاستسلام للإحباط عند الخسارة، والخضوع للتجارب سواء في القطاع الحكومي أو الخاص قبل ممارسة العمل التجاري، واستثمار الفرص التي توفرها الحكومة عبر مؤسسة محمد بن راشد لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وصندوق خليفة لتطوير المشاريع وغيرها من الجهات الداعمة للشباب والأفكار.

الفوضى بديل عن نظام الحوكمة

 يقول الفهيم: حين وصلنا إلى مرحلة كبيرة من التوسع، أحسسنا بالمضي دون توقف، وعمل المزيد من التوسعات دون وجود خطة عمل، وأهداف واضحة، وتم اتخاذ القرارات العشوائية، دون الخوض في تعقيدات الإجراءات والخطط وإلى ما ذلك، وأنشأت العائلة شركات عديدة واستثمارات خارج إطار العمل الأساسي والتي أهدرت وبعثرت الموارد من حيث استخدام الأرصدة، التمويل والخبرة. لماذا؟ لإنها شركة خاصة عائلية تدار بأسلوب عائلي. لذا عند تسلمي لمنصبي شعرت أن هناك خطأ ما وان علينا تقييم أنفسنا، والتخلي عن الأسلوب العائلي بإدارة الشركة.

ومن أجل الحصول على نمو واضح، ولنقل، نمو مستدام، ومن أجل إضافة المزيد من القيمة في المستقبل للمساهمين معنا، كنا بحاجة لرسم أهداف واضحة، استراتيجيات وحسابات ضرورية. كنا بحاجة لإعادة هيكلة البنية القانونية في الشركة، وإعادة تعريف مفهوم اتخاذ القرارات بالنسبة لمجلس الإدارة والإداريين.

وتوجب علينا ضم المزيد من الأعضاء إلى مجلس الإدارة لإضافة المزيد من الفاعلية في اتخاذ القرارات، كما احتجنا إلى نظام تخطيط موارد المؤسسات، أحكام وإجراءات جديدة. بناء على ذلك وخلال خمس سنوات من حوكمة الشركة، نجحنا في الوصول الى أنظمة داخلية مبنية على الحوكمة وتتسم بالاحترافية، وتوج هذا أن نلنا جائزة الشيخ محمد بن راشد للأعمال عن فئة التجارة لتكون بمثابة نتيجة لنجاحنا في ترجمة ما كان يدور في خلدنا سنة 2006.

الفهيم وموظفوه.. خلية نحل خالية من الحواجز

 حرص محمد الفهيم منذ عام 2006 على عمل الإجراءات لتأسيس شركة تنافس عالمياً من حيث النظام المالي والتقني والإداري ويقودها إلى المنصة العالمية، ويبدو أن الشركة اتبعت سياسة ذكية مع الموظفين البالغ عددهم أكثر من 3500 موظف تتضمن رفع الحواجز بين الموظف ومديره، بحيث تُطبق الشروط والالتزامات نفسها على المدير وموظفيه..

وعلى سبيل المثال عندما يغادر الرئيس التنفيذي في مهمة عمل تصرف له تذاكر الدرجة السياحية كباقي الموظفين، وإذا رغب في أخذ تذكرة درجة الأعمال يتعين عليه دفع المبلغ المضاف على قيمة التذكرة الأصلية، كذلك إذا أراد شراء سلعة ما من أحد الأفرع للشركة يستحق خصما يعادل الخصم الذي يستحقه الموظفون الآخرون، وإذا نسي البطاقة الخاصة يتوجب عليه حينها شراء السلعة بالقيمة الأصلية دون خصم في السعر.

علاوة على ذلك، تعمد الفهيم تشكيل مكاتب الموظفين مع المديرين في إطار مفتوح بنظام يشبه خلية النحل المفتوحة، وحرص على أن يتوسط موقع الفرع الرئيسي للشركة مناطق سكن معظم الموظفين، إيماناً منه بأن توفير مناخ العمل المناسب للموظفين يضمن الحصول على إنتاج جيد، مؤكداً أن هذا النظام مد الموظفين بطاقة إيجابية نحو العمل.

إضافة إلى مواقف السيارات الداخلية، التي ابتكر الفهيم لها خطة ذكية فحواها دفع مبلغ من المال بمثابة مناقصة سرية ترسو على الأعلى سعراً، لكن في المقابل يدفع الفهيم أعلى مبلغ ممكن، ثم تُجمع المبالغ المالية لتنظيم أنشطة للموظفين، وشراء الفواكه وتوزيعها يومياً عليهم تلطيفاً لأجواء العمل، أما الحالات الإنسانية فيفضل الفهيم عدم التحدث عنها

. التطوير حاجة وضرورية يؤمن بأهميتها الفهيم، وبدوره يحاول جاهداً التركيز على هذا المحور بدفع الموظفين نحو الابتكار والتجديد والابتعاد عن الركود القاتل، لاسيما وأن ملامح الأسواق في دولة الإمارات واكبت التغيرات العالمية. يذكر الفهيم أنه لم يكن على علم مسبق بقرار العائلة بتعيينه رئيسا تنفيذيا للمجموعة، حيث أنه كان قد أنهى من بناء منزله بالسعودية وحضر للإمارات لحضور اجتماع تجاري عائلي، وتفاجأ بقرار العائلة بتعيينه رئيسا تنفيذيا للمجموعة، وعندها بدأ مشوارا صعبا في تحويل أعمال المجموعة من نظام التجارة العائلية إلى نظام الحوكمة.