تعيش إمارة الشارقة نهضة شاملة في جوانب عدة من الاهتمامات الإنسانية والاجتماعية، وهي إلى جانب كونها إمارة تهتم بالفنون والآداب والمسرح، وتولي التراث جانباً كبيراً من الاهتمام، من خلال أنشطة، مثل ملتقى الحرف أول فعالية لإدارة التراث، يقام في كل موسم ثقافي سنوي، لكن هذا العام يأتي ملتقى الحرف الثامن، بشكل آخر، فالشارقة في هذا العام نالت لقباً جديداً..

وهو لقب عاصمة الثقافة الإسلامية لسنة 2014م، وهي البذرة الأولى التي غرسها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم إمارة الشارقة، بذرة الثقافة التي نمت وكبرت، حتى أصبحت شجرة كبيرة، لها أغصان وفروع وثمار..

وملتقى الحرف، الذي خصص هذا العام للشجرة، ومدى اهتمام الإنسان بها، يدل على البدايات الأولى للإنسان، الذي أظهر فيها براعته في حرف بسيطة، ثم ما لبث أن طور تلك الأعمال الحرفية، لتصبح روائع إنسانية مبهرة، والشجرة التي نحن بصدد ذكر فوائدها ومنافعها والثمار التي يجنيها الإنسان منها، إنما هي من تراث دولة الإمارات، التي عرف عنها الاهتمام بالشجرة، منذ مئات السنين، فمنها كان يأكل الإنسان من خضارها ومن فاكهتها، ومنها ما كان يستعمله في بناء بيته أو حاجته من الاستعمالات الخاصة به.

شجرة الغاف

يقول عبد الله عبد الرحمن وهو إعلامي وباحث من الإمارات، عن شجرة الغاف، إن الغاف اسم عربي، ولكن علمياً يطلق عليها شجرة (البرسوبس)، وقد أحب الجميع من بدو وحضر هذه الشجرة، وغنوا لها وسط زرقة البحر في موسم الغوص، مرددين، و(يا محلا براد القيظ .. يحلا بظلة الغافة.. يا خوي الشتا مغثه .. يبغي لبس ولحافة)..

ويقال إن ثلاثية حياة الحل والترحال في الماضي، هي (بادية ونوق وغاف) فبسبب خصائصها وفوائدها كمصدر غذاء ودواء لكل من الإنسان والحيوان، فإن البدو يعتبرون شجرة الغاف عضواً مهماً في العائلة البدوية...

وذات مكانة رفيعة مكللة بالعز والتقدير، كما أنها المأوى الوارف، الذي يستظل بفيئه الإنسان والحيوان في شهور الصيف الحارقة، نظراً للدور الكبير، الذي تلعبه الشجرة في حياة وتاريخ الإنسان في الإمارات منذ القدم، فهي بمثابة الشجرة الصديقة لهم طول العمر، ولقد أثمرت جهود المختصين في الدولة الذين دافعوا عن شجرة الغاف إلى عودتها للواجهة، وحضورها البيئي القوي مؤخرا، والمطالبة بالتوسع في زراعتها وتحقيق الحماية لها كإنجاز بيئي ضخم وسط صحراء الإمارات....

وكان المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان المؤسس والباني هو من أكثر الذين قدروا شجرة الغاف، وحافظ على ما هو موجود من أشجارها في الطبيعة، وأصدر توجيهاته بمنع قطع أي شجرة غاف في كافة إمارات الدولة، كما أمر باستزراع غابات جديدة واسعة من الغاف، حتى وصل عددها بأبوظبي إلى أكثر من ستة ملايين شجرة تقريباً، وباتت تمثل ما نسبته 30 في المئة من أشجار الغابات، التي استصلحتها الحكومة...

وإذا كان العديد من الدول حول العالم تختار أشجاراً تحمل قيمة وطنية، واختيار تلك الأشجار مرتبط بالرموز الثقافية والإرث الوطني والبيئة والمنفعة، فإنه في الإمارات يوجد لدى الجميع قناعة بأن شجرة الغاف الإماراتية، لها ارتباطات تجعلها، تستحق أن تسمى شجرة وطنية، وتصبح شجرة الغاف الإماراتية، مثل شجرة الأرز في دولة لبنان الشقيقة.

طب الأعشاب

وتقول بدرية محمد سالم الشامسي إماراتية متخصصة في التراث، عن دور الأشجار والأعشاب في حرف الطب الشعبي: الطب الشعبي، يحتل مكانة متميزة في الموروثات والمأثورات الشعبية، التي تميز شعباً عن آخر، باعتباره الممارسة الأولى للعلاج وعلى كافة المستويات، نظراً لاحتواء هذه المهنة على ممارسات في شكل العلاج، تعتمد على معطيات البيئة المحيطة....

وهي التي لعبت دوراً كبيرا في طرق وأساليب عمليات العلاج القديمة، فدخلت الكثير من الأعشاب والنباتات في المركبات والخلطات والأدوية الشعبية، التي اعتمد عليها إنسان الإمارات في الاستشفاء من الأمراض، خاصة أن الكثير من الأعشاب والنباتات، قد جاء ذكرها في القران الكريم، وأكد أهميتها الحديث النبوي الشريف، وتعريف الطب الشعبي يعني نوعاً من العلاج المنزلي، وأصبح فيه مختصون لعلاج الإصابات والأمراض الجسمية، وتستخدمه الأغلبية العظمى من سكان المجتمع...

وتوجد في الدولة أنواع كثيرة من الأشجار والأعشاب، التي استخدمها الأجداد في علاج الكثير من الأمراض، وأغلب تلك الأشجار ُذكرت في القرآن الكريم، واكتشف الطب الحديث أن لها فوائد صحية جمة، ومن هذه الأعشاب والأشجار، السدر، والأثل، والاشخر، وأم غيلان، وأم قمطة، وبعبع التيس، والتوت (الفرصاد)، والجعدة (ليعدة)، والحلول (السنا)، الحرمل، الرمرام، الزعتر (لزعتر)، والحناء.

شجرة الحناء

تقول لطيفة راشد المطروشي أول إماراتية متخصصة في مجال التراث: إن من أنواع الأشجار التي تعود بالفائدة على المجتمع، شجرة الحـناء، وتستعمل أوراقها مادة علاجية وتجميلية، كما تستخدمه النساء على نطاق واسع، ويعتبر من مواد الزينة التجميلية في الدولة، وللحناء في الإمارات خصوصية عند المرأة الإماراتية، فهي رمز للزينة وللجمال والفرح...

كما تستخدم الحناء مادة علاجية للأمراض الجلدية، وهو مغذٍ للشعر ومانع تساقطه، كما وصفه المهتمون في العلاج بالأعشاب، كما استخدمه الغواصون علاجاً للتشققات والجفاف، التي تحدث باليدين والقدمين نتيجة للعمل الشاق في البحر...

ومن الأشجار التي لها فوائد عديدة شجرة السدر، وقد ورد ذكر (السدر) في القرآن الكريم، وقال المفسرون إن السدر هي شجرة النبق، تنتشر في العديد من المناطق الجبلية والسفوح والأسناد الصخرية والمسطحات الرسوبية على امتداد أرض الدولة، وتتغذى على مياه الأمطار، وتتصف هذه الشجرة بأنها دائمة الخضرة، شوكية متفرعة قوية، لكنها تحمل أثماراً صالحة.

 الرمان حاضر في الاهازيج والعلاجات الشعبية كتب: جميل محسن

شجرة الرمان لها حضور كبير في التراث الثقافي الإماراتي، فهي من الأشجار التي يسهل زراعتها في الطبيعة القاسية جغرافياً ومناخياً، كما هو الحال في الإمارات التي بين خليجين، الخليج العربي وخليج عمان الممتد من بحر العرب والمحيط الهندي، فالتراث الشعبي يزخر بكثير من المواضيع والإشارات والصور عن الرمان، باعتبارها شجيرة مقاومة لعوامل الطبيعة، ومتأقلمة مع شدة الحرارة وارتفاع نسبة الرطوبة...

كما أن الرمان يدخل ضمن العلاجات والأصباغ، وهو من الفواكه ذات الأهمية الكبيرة في المجتمع الإماراتي، سواء من الناحية الغذائية أو الحرفية أو المعتقدات أو الأدب الشعبي...

ويوضح الباحث عبدالعزيز المسلم مدير إدارة التراث بدائرة الإعلام والثقافة بالشارقة، أن الطفل الإماراتي يبدأ بالتعرف إلى الرمان في مراحله العمرية الأولى، منذ نعومة أظفاره، من خلال عدد من الأهازيج الشعبية، ثم يبدأ يسمع اسم الرمان في أوصاف الجمال الشخصية وزينة البيوت، وبعدها يسمع عن أهمية الرمان كغذاء ودواء وصبغ، وقشر الرمان مفيد للشعر...

حيث يتم تجفيفه وطحنه وإضافة الماء إليه، ويضاف إلى الحناء أو من دونها، ويستعمل لحاء الشجرة في الدباغة والصباغة، وبذر الرمان يلطف الجلد وذو تأثير قابض، ومبرد لبعض الحميات، كما يستعمل الرمان ضد الإسهال، والمضمضة به تعالج أمراض الحلق والتهاب اللوزتين، ويكافح أمراض المعدة والتهييج الذي يحصل فيها.

أهازيج

وفي مراحل الإبداع في الأدب الشعبي يستعرض الشاعر أو الراوي الإماراتي، الرمان ضمن صياغاته الإبداعية الأدبية، كأهزوجة: (خطف علي بن راشد.. على ابكرات سمان.. قومن واطالعنه.. بنات هل عيمان.. ساير يبا المنامه.. بيزرعون الشأن.. الشان في نخلنا.. نحلنا هيسه هيسه نخلنا ظيلمان.. فيها عروق الحنا.. ومشربكه برمان.. خلالتها بربيه.. وشمروخها بثمان).

وهناك أهزوجة أخرى: (ياريتني اطويره.. واطير ويا الدخان.. واحل برأس الخيمه.. وآشوف من غرقان.. غرقان بو كنينه.. ولد محمد سلطان.. يدورون منينه.. بيزرعون الشأن.. نحلنا هيسه هيسه.. نخلنا ظيلمان.. فيها عروق الحنا.. ومشربكه برمان).

والرمان أثبت عبر التاريخ أنه علاج، فالغشاء الداخلي في يدبغ البطن مثل دبغ الجلود، والقشر الخارجي ييبس ويغلى بالماء ويشرب لطرد الديدان والغازات والمغص، كذلك ييبس ويطحن ويستخدم وقت الحاجة للعلاجات المختلفة، كذلك يقال في وصف جمال المرأة، يأتي ذكر الرمان كناية عن كثير من الأوصاف، وهي أوصاف تعنى بالجمال والنقاء، ويشبه أيضاً بالأسنان من حيث تكامل الشكل والتسلسل، وفي التراث الإماراتي هناك لغز أطلقه القدامى:

(طاس غرنطاس، في البحر غطاس، من الداخل لولو، ومن الخارج نحاس)، ورد ذكر الرمان في القرآن الكريم في سورة الرحمن، بقوله تعالى: (فيها فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، والأجزاء المستعملة في الرمان، الثمرة، القشر، البذور.

اللون الأخضر يغطي أراضي الإمارات

 من الاهتمامات الكبرى التي أولاها اهتمامه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، نشر ثقافة زراعة الأشجار على كافة المستويات، في المنزل والمزرعة والاحياء والطرقات، حتى كادت الارض تمتلئ اخضرارا من كافة أنواع الاشجار بما فيها النخلة التي اخذت مساحات واسعة من الارض، وما يؤكد ذلك هي المقولة الحكيمة التي قالها ( أعطوني زراعة.. أعطكم حضارة)..

وهي بحق تترجم أهمية الزراعة وتحديدا الشجرة في حياة الانسان، فالزراعة استقرار والاستقرار أمان، وكم من حضارات قامت على الزراعة، فالزراعة لا نستفيد من محصولها من الفاكهة والخضروات فقط....

وانما تضفي على المكان جمالا ساحرا يأسر القلوب والمشاعر، وشتان بين صحراء جرداء وجنان خضراء، لذا كان الكثيرون يرون أن دولة الإمارات، نظرا لموقعها الجغرافي ومناخها الحار لن تكون مكانا ناجحا للزراعة، ويعتقدون أنه لا مستقبل للزراعة في ظل قسوة الصحراء وشح الإمكانيات...

ولكن كان لابد من العزيمة، وهي العزيمة التي تجسدت في عقل المغفور له الشيخ زايد، وقد نجحت الإمارات في قهر الصعاب، واصبحت اراضيها مكسوة بأشجار خضراء يعجز المرء عن وصفها، بل هي بسط خضراء، تتناثر عليها ألوان زاهية، لوحات فنية رائعة، حدائق تنتشر في كل مكان، هذه هي الزراعة وهذه هي الشجرة التي اصبحت رمزا للإنسان في الامارات...

ولكن ذلك لا يعني ان الامارات لم تكن ابدا ارضا خضراء منذ قديم الزمان، بل ظهرت الزراعة مبكرا في بعض المناطق مثل رأس الخيمة، والفجيرة، والعين، ومصفوت، وحتا، وبعض الواحات مثل واحة ليوا، وهي اليوم وبفضل من الله وحكمة المغفور له بإذن تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، تنعم بهذا الاخضرار الذي عم كل مساحة من ارض الإمارات.