لقد بات عالمنا المعاصر يشهد العديد من التغيرات المتسارعة التي يمكن للمرء ملاحظتها بوضوح من حولنا، وعلى الرغم من تلك التغيرات، إلا أن تطوّر وسرعة تغيّر قطاع الاتصال باتت تفوق الجميع.

ولعل السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هو كيفية مواكبة الحكومات لهذا الركب بأسلوب يعزز من آلية التواصل ما بين صناع القرار والمواطنين، وهو السؤال الذي يتم الإجابة عنه بشكل واف ٍخلال جلسات ومناقشات الدورة الثالثة من فعاليات "المنتدى الدولي للاتصال الحكومي"، باجتماع نخبة من أفضل الإعلاميين والخبراء ورواد الفكر في دولة الإمارات والمنطقة، ومناقشة العديد من أبرز القضايا المتعلقة بالاتصال المؤسسي وأفضل الممارسات الدولية في قطاع الاتصال.

وبالحديث عن معاني وأهمية الوسائل المستخدمة من قبل المعنيين بشؤون الاتصال والتفاعل مع المواطنين والمستهلكين، فيمكنني التطرق للنقاط التالية، أولاً، لقد انتهى فعلياً عصر الاتصال المركزي، بحيث لم يعد في استطاعتنا التحكم في طريقة عرض ما نقول أو نفعل أمام الجمهور. وإدراك هذا الأمر هو المفتاح الرئيس للوصول لمفهوم الاتصال الاستراتيجي الناجح والفعّال.

ثانياً، أصبح المواطنون في كافة دول المنطقة يستشعرون قدراتهم الكامنة، وأصبحوا أكثر تساؤلاً وأقل اهتماماً، وعليه فيجب أن تتحلى ممارسات الاتصال الحكومي بالقدرة على اكتساب الثقة والسمعة الطيبة والحافظ عليهما.

ثالثاً، يوجد عدد كبير من الأصوات والمتلقين، فيتوجب على الحكومات العمل بجد أكبر والسعي للخروج بمحتوى أفضل لتجد أذناً صاغية. ولضمان أفضل فعالية، يجب استثمار قطاع الاتصال الحكومي لتحقيق هذا الهدف.

رابعاً، تُعد السرعة في الاتصال من العناصر المهمة والحيوية لتحقيق الأثر الفعّال في الرأي العام محلياً وعالمياً، ويجب أن تكون الحكومات على اطلاع مستمر وفوري على كل ما يقال عنها، وإدراك أهمية التواصل بسرعة ووضوح.

خامساً، يجب الحرص المستمر من ثبات وتناسق الرسائل الإعلامية الموجهة.

سادساً وأخيراً، يجب أن تكون الرسالة المقدمة حقيقية في محتواها، فلا طائل من إنفاق الأموال للحصول على أفضل الأنظمة أو الشراكات المكلفة إذا لم يكون هناك تواصل شفاف وواضح بين ما يقال إعلامياً وبين ما يحدث على أرض الواقع فعلياً. ويجب أن نُشيد هنا بالجهود المميزة التي بذلتها دولة الإمارات لتحسين صورتها على مستوى العالم، لأنها جمعت ما بين بذل الجهود الحثيثة لتعزيز مكانة اقتصادها التنافسي، وبناء بنية تحتية رائدة على الصعيد العالمي.

وهنا دعوني أعود بالذاكرة حين كنت أتولى مهام رئيس الاتصال والاستراتيجية لرئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، حيث كنت متواجداً خلال تلك المكالمة الهاتفية التي دارت بين الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون وبلير في ذروة فضيحة "مونيكا لوينسكي"، حيث تم نشر تقارير إعلامية واسعة حول تلك الفضيحة في ذلك اليوم، ومع ذلك فقد تركز الحديث بين الطرفين بشكل تام حول موضوع ايرلندا الشمالية وروسيا.

وبعد سنوات من هذه الحادثة، أتيحت لي فرصة سؤال كلينتون حول قدرته الكبيرة على التركيز على عمله عندما تم الكشف عن علاقته السرية وكانت إجابته بأنه كان يهدف إلى أمر بسيط، وهو "تخطي هذه الأزمة"، حيث قال لي إن استراتيجيته اعتمدت على الاستيقاظ يومياً والتركيز على انجاز الأمور التي لا يستطيع إلا الرئيس تنفيذها، فالنهج الذي اتبعته يتمثل في التأكد من معرفة الشعب أن هذا ما يقوم به فعلاً.

وهنا يتضح لنا أن تحديد الهدف الواضح، واتباع الاستراتيجية والنهج المناسبين، هما من أهم المبادئ للتواصل ولتطبيق الاستراتيجيات.

 

 

* مدير الاتصال والاستراتيجية لرئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير