«الدخول إلى المعالم الأثرية والتاريخية في دبي، يمر عبر التراث العريق والأصيل للمجتمع في المدينة»، هكذا بادرتنا عائشة مبارك مدير إدارة متحف دبي الكامن في حي الفهيدي، وأضافت قائلة، التراث هو الذي يعكس قيم وتقاليد المجتمع، والسياح عندما يأتون إلى المدينة، يريدون أولاً معرفة هذا المجتمع وكيف كان يعيش قبل قيام النهضة التي شملت كافة جوانب الحياة في الدولة، وبعد ذلك يبحثون عن معالمه وتاريخه، ولذلك تم تقسيم متحف دبي إلى جزأين رئيسيين، الأول يعكس طقوس الحياة والعادات والتقاليد والحرف والأواني التي كان يستعملها المجتمع آنذاك في إمارة دبي، ومن ثم الولوج إلى عالم التاريخ والحضارة القديمة للمدينة، وبذلك يتعرف الزائر إلى تاريخ الإمارة كاملاً.

قسم التراث

 

وتضيف عائشة مبارك: المتحف يجسد بداية الحياة في الإمارة ويعكس تاريخها من خلال المناطق الأثرية مثل مناطق القصيص وجميرا والراس، كما يلقي الضوء على جوانب الحياة التي عاشها أهالي دبي قديماً، مثل نماذج البيوت العربية التقليدية والمساجد والأسواق ومزارع البلح وحياة البدو وسكان السواحل، ونعكس ذلك بالصور التي التقطت في مراحل مختلفة من عمر الإمارة، ووثقت لرحلات الغوص وصيد اللؤلؤ، والتجارة التي كان يعتمدها أهالي دبي قديماً، وصور لحفريات وتنقيبات سابقة يعود تاريخها إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، ويحتوي المتحف على مجسمات وخرائط وصور.

 وأدوات تقليدية مستخدمة في منطقة الخليج العربي عبر القرنين الماضيين، من ضمنها موروثات ومقتنيات تعود لأكثر من خمسة آلاف سنة، مروراً بالحضارة العربية الإسلامية، ويعتمد عرض هذا التراث والتاريخ على أحدث أساليب التكنولوجيا الحديثة، من عروض سينمائية وتلفزيونية ومؤثرات صوتية ونماذج حية، توثق للحياة البرية في الصحراء من أشكال الطيور والحيوانات ومصادر المياه، والحياة البحرية كالغوص واستعمال الأحجار البحرية كمواد مصنعة لبناء البيوت، إلى جانب أنواع من السفن التي كانت تستخدم قبل ظهور وسائل النقل الحديثة، وهناك أقسام أخرى تشتمل على الموروث الإماراتي مثل الرقصات الشعبية، والأدوات الموسيقية المصنعة محلياً، من طبول، ودفوف، ونايات، ورباب، وطنابير (جمع طنبورة).

مشاهد تراثية

وعن موقع المتحف وما يشكله للسياح الأجانب، قالت: قلعة الفهيدي أو الحصن هو موقع تاريخي راسخ بجذوره في عمق الأرض، وقد وضع المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، عام 1971 اللبنة الأولى في تأسيس متحف دبي، وفاء للأجداد الذين صنعوا بدايات الحياة في هذه الإمارة، وحينما ندخل من البوابة الخشبية الرئيسية للحصن لنتجول في أرجاء المتحف، يشاهد الزوار قاعات حافلة بالمعروضات الأثرية، وبكل ما يتصل بوشائج التراث والتاريخ.

ومن فناء الحصن نعبر إلى الجناح الشمالي الذي يحتوي على لوحات وصور تراثية، تروي تاريخ الإمارة منذ القدم، وفي أحد الأجنحة يشاهد الزائر أو السائح أنواعاً من الأسلحة القديمة المحلية وكيف كانت تصنع، بعد ذلك يتجه إلى البرج الجنوبي القديم والذي يصل إليه من نفق زود بأشرطة فيديو تبث الموروث القديم موثقاً بالكلمة والصورة، والتي ترسم متغيرات الحياة ومعطياتها المادية والمعنوية والحضارية، بدءاً من خور دبي عبوراً بالسوق وحركته، وحتى قلب المدينة.

حيث تراث ومظاهر الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية في الأحياء الشعبية، وفي الصحراء والواحات، تعايش مفردات الحياة البدوية المستقرة والمرتحلة، ثم يعيش الزوار جوانب من التاريخ الطبيعي، وعلاقة الأجداد بالفلك والظواهر الطبيعية، إلى جانب نماذج للسكن القديم المتمثل في العريش، وهي المساكن الصيفية لسكان البحر، المشيدة من جريد النخيل.

اهتمام عالمي

وحول الجنسيات التي تزور المتحف، قالت عائشة مبارك: المتحف يستقبل على مدار السنة، سياحاً وزواراً من مختلف دول العالم من دون استثناء، ولكن الغالبية منهم تأتي من جنوب وشرق آسيا، ففي الدول الخليجية والعربية والإسلامية ثقافات قديمة وتاريخية.

ولذلك الزوار من هذه البلدان يريدون التعرف إلى عادات وتقاليد ونمط الحياة في الدولة وخاصة في مدينة دبي هذه الإمارة التي أصبحت محل أنظار شعوب العالم بسبب ما حققته خلال السنوات القليلة الماضية، واستطاعت أن تدخل حلبة المنافسة مع الشعوب المتحضرة والمتطورة، والدليل على ذلك أن دبي نجحت نجاحاً كبيراً في احتضان إكسبو 2020 العالمي، وهذا في اعتقادي نجاح عالمي وليس محلياً أو إقليمياً، إذاً، نتوقع خلال السنوات المقبلة أن يشهد متحف دبي تزايداً في أعداد السياح والزوار، وسوف نعرّف شعوب العالم عن طبيعة الحياة في الإمارة، وكيف كان يعيش القدامى من السكان.

 المرشد السياحي

قالت عائشة مبارك مدير إدارة متحف دبي، عن المعوقات التي تواجه تطور المتحف، إنه بفضل من الله، وبرعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حفظه الله، يتطور المتحف من الأفضل إلى الأفضل في كل مراحله، منذ افتتاحه وحتى الانتهاء من المبنى الإضافي الذي تم بناؤه تحت الأرض، لكن ما تعانيه هو النقص المتمثل في أعداد المرشدين السياحين، وحالياً لا يوجد في المتحف سوى أربع مرشدات، وأتمنى أن يتضاعف هذا الرقم، حتى يتم تقديم التعريف الصحيح لتاريخ وتراث الإمارة، وهذا يتطلب أيضاً دورات فنية وتدريبية، وأتمنى أن يتحقق ذلك قريباً، خاصة وأن المتحف يستقبل زواره وهم في تزايد مستمر.

الوجهة التاريخية لدبي تجذب 1.4 مليون زائر خلال عام

 

متحف دبي أحد أبرز المعالم السياحية والثقافية في المدينة، استقطب مليون وأربعمائة ألف زائر خلال العام الماضي من المواطنين والمقيمين والسياح القادمين من كافة أنحاء العالم، ودبي كوجهة تاريخية وتراثية استثنائية تجذب نحو 85 ألف زائر شهرياً.

وقال محمد جاسم العريدي مدير إدارة المواقع التراثية والأثرية في هيئة دبي للثقافة والفنون، إن المتحف أصبح خلال أربعة عقود من الزمن معلماً سياحياً وثقافياً بارزاً في المنطقة، يجمع في أرجائه بين ملامح التاريخ العريق والتراث الأصيل للإمارة، وبأنه الوجهة المثلى للزوار الراغبين بالاطلاع على مسيرة نمو وتطور الإمارة التي أصبحت محط أنظار العالم أجمع، ويقع (متحف دبي) ضمن قلعة الفهيدي التاريخية التي بنيت نحو عام 1787 تقريباً للدفاع عن المدينة، وفي عام 1971 تم افتتاح الموقع أمام الجمهور ليكون متحفاً عاماً.

استناداً إلى الرؤى السبّاقة للمغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حيث يقدم المتحف مجموعة من المعروضات التي تعرف زواره بالجذور التاريخية الأصيلة للإمارة، وفي عام 2013، تولت هيئة دبي للثقافة والفنون (دبي للثقافة)، الهيئة المعنية بشؤون الثقافة والفنون والتراث في الإمارة، مسؤولية إدارة 15 موقعاً تاريخياً وأثرياً في دبي بما في ذلك المدرسة الأحمدية الشهيرة، وحي الشندغة التاريخي.

وموقع الصفوح الأثري، وبيت الشيخ جمعة وعبيد بن ثاني، ومتحف دبي في حي الفهيدي التاريخي، وقرية حتّا التراثية، وقرية الغوص، ودار التراث، مواقع جميرا الأثرية 1 و2 و3، ومجلس غرفة أم الشيف، ومتحف نايف، وموقع صاروخ الحديد الأثري، وبيت الشيخ سعيد آل مكتوم، وتعمل (دبي للثقافة) حالياً على إدارة وتشغيل هذه المواقع، بما في ذلك العديد من الوجهات السياحية البارزة في المدينة.

علامة فارقة

حصن الفهيدي قلب دبي التاريخي

 

يمثل حصن الفهيدي في مركز المدينة التاريخية في بر دبي، علامة فارقة في تاريخ هذه الإمارة، فهو من جانب حصن تاريخي وحضاري، ويوصف بأنه قلب دبي الذي يمثل تاريخ حضارة المدينة قديماً، وأصبح اليوم أحد المعالم البارزة التي يتوافد إليها عشرات الآلاف من المواطنين والمقيمين والوافدين، وهو أقدم مبنى في دبي، وكان مسكناً للحاكم حتى سنة 1896، ويمثل الحصن فترة مهمة في تاريخ الإمارة، حيث يعد مركز الحكم والإدارة في فترات سابقة.

فضلاً عن تنوع استخدامه في الفترات الزمنية المختلفة، ويعد الحصن طرازاً معمارياً متميزاً، باشتماله على العديد من العناصر المعمارية المختلفة وخاصة في تشكيلة الأبراج، ويتكون الحصن من طابق واحد وفي وسطه حوش متسع، تحيط بجوانبه قاعات طويلة ضيقة، كما يتميز بأبراجه الدفاعية التي تتنوع أشكالها، فالبرج الأول يقع في الجهة الجنوبية الغربية دائري الشكل ويرتفع 12 متراً، ويعود تاريخ إنشائه إلى عام 1799م، أما البرج الثاني فهو برج دائري أيضاً وتم إنشاؤه في فترة لاحقة ويرتفع 10 أمتار ويقع في الركن الشمالي الشرقي، أما البرج المستطيل الشكل والذي يرتفع 15 متراً فيحتل الركن الشمالي الغربي.

ويوجد درج مفتوح يؤدي إلى السطح وإلى أعلى القاعات، وفي منتصف الحوش يوجد بئر (طوي) كان يستخدم لتلبية حاجات القاطنين وخاصة أثناء الحروب، وللحصن مدخل في الجهة الشرقية عليه باب خشبي ضخم ومتميز للغاية، وبدأ ترميمه في عام 1992م وانتهى العمل به في عام 1995م وأصبح بالنسبة لدبي معلماً تراثياً للإمارة، واستخدم كمتحف وطني منذ عام 1971م، واليوم يجسد تاريخ مدينة دبي وخورها الشهير.

 

من خلال العروض التي تعكس تطور الحياة والعمران في دبي الحديثة، إلى جانب الأسواق التقليدية الشهيرة، ونمط حياة البادية وسكانها من البدو بملابسهم المحلية، والحلي، والفرش الذي استخدم في الماضي، وكذلك مجالس القهوة، والحياة البرية، والبحر الذي يمثل جزءاً أساسياً من تاريخ المدينة، والقلعة أصبحت اليوم تمثل لأبناء دبي وأبناء دولة الإمارات بشكل عام تراثاً وتاريخاً عريقاً، إلى جانب أقسام عدة، تجسد من خلال المجسمات مدينة دبي القديمة، وقاعات البر، والصحراء، والبادية ليلاً، وقاعة البحر، والفلك والظواهر الطبيعية، والآثار والمستكشفات الأثرية، وقلعة الفهيدي تعتبر من أهم القلاع في الإمارة.

وهي من المعالم التاريخية لتلك العهود القديمة، والعديد من القلاع المنتشرة في مختلف مناطق الدولة، تم ترميهما وجعلها مزاراً للسياح، كما تم تحويل بعضها إلى متاحف تعكس مراحل الحياة ونمط المعيشة والعادات والتقاليد، التي كانت سائدة في العهود الماضية، كما أقيمت العديد من القرى التراثية لتجسد ماض الآباء والأجداد وتروي قصصهم في الحياة القديمة، في ظل انعدام المتطلبات الرئيسية لهم ولأبنائهم في ذلك الزمان، إلى جانب القرية التراثية وقرية الغوص اللتين أنشئتا في المنطقة السكنية القديمة (الشندغة)، وأصبحتا مزاراً للعديد من الجنسيات المختلفة.