للنخلة أسرار لا يدركها إلا من ترعرع بجانبها، وتفيأ ظلالها، فهي شجرة استثنائية اعتنت بالإنسان قديماً، فسدت رمقه بثمارها، وآوته بسعفها وظلالها، ونثرت له الدفء بكربها، فلم تبخل عليه حين ما كانت الحياة تشح بمواردها، بل كانت له خير معين، وفي المقابل لولا عناية الإنسان والرفاهية التي قدمها لهذه النخلة لما كان عطاؤها مشهوداً، فجودتها يصنعها الإنسان من خلال فهمه لطبيعتها وتلبية احتياجاتها، وما يميز النخلة أنها لا تنكر إحسان الإنسان لها، وبقدر عنايته وحرصه يأتي كرمها..
في خضم هذا العطاء المتبادل كان لا بد من الوقوف خلف أسرار هذه العلاقة، خصوصاً وأن هذه الأيام تشهد بداية ثمار النخيل «الطلع» وعملية تلقحيها أو ما يسمى محلياً «بالتنبيت» وذلك من خلال زيارتنا للدكتور خليفة بن دلموك في مزرعته التي مزج فيها بين أنواع عديدة من النخيل وأجرى فيها العديد من الدراسات والأبحاث والتجارب.

جودة الثمر
وفي بداية حديثه قال بن دلموك إن بشائر النخيل في الدولة تشق طريقها للظهور عادة في الأيام الأخيرة من شهر ديسمبر وبداية يناير، وتظهر الثمار « العذوق» في أصناف معينة عرفت بأسبقيتها في الثمار مثل «النغال» ويأتي بعدها تباعاً الأصناف الأخرى، وهو ما يضع المزارعين في حالة استنفار، ويفرض عليهم مسؤولية البحث عن حبوب اللقاح «النبات» من ذكر النخلة « الفحل» الذي يحرص البعض على زراعته ليريح نفسه من عناء البحث عن الأصناف الجيدة في الأسواق.

وأضاف أن البحث عن النبات مسألة يقع على عاتقها جودة الثمر في نهاية الموسم، فاختيار الأصناف الجيدة يتطلب خبرة ودراية، إذ يقسم النبات إلى ثلاثة أنواع، وهي الحار والمتوسط والبارد، ولكل منها معيار محدد في عملية التلقيح، لافتاً إلى أن أفضل أنواع «الفحول» التي تنبت من نواة ولكن بشرط أن لا يتم اقتلاعها ونقلها إلى مكان آخر، بل تركها في مكانها والاستفادة من أبنائها «الفسائل» التي تشابه الأب في سماتها حتى بعد نقلها.
وأوضح أنه إذا كان المزارع يمتلك «فحول» في مزرعته لا بد أن يكون حذراً عند قطع «النبات» الناضج، وأن يختاره بعنايه، وذلك من خلال الضغط على « النبات» باليد، فإذا خرجت منه أصوات تشبه إلى حد ما الفرقعة الخفيفة فإنه يكون جاهزاً للقطع وتنيبت النخيل، وإذا كان غير ذلك لا بد من الانتظار عليه بضعة أيام بشرط أن لا تتجاوز المدة الافتراضية، وإلا أصبح النبات عديم الفائدة خصوصاً إذا خرج النبات من الغلاف الذي يحيط به فإنه يتسبب في تفتح البراعم وخروج المادة البيضاء منه التي تتطلبها النخلة لكي يصبح ثمرها جيداً، أما الطريقة الأخرى هي متابعة «عذوق النبات» فإذا بدأت إلى الميلان فإن ذلك يعني نضجها، منوهاً إلى أهمية الحفاظ على النبات بعد قطعه، من خلال تجنب رميه أو اصطدامه بشيء ما حتى لا يفقد البودرة التي يحتوي عليها.

تساقط الحبات
أما في حالة شراء «النبات» من الأسواق أوضح بن دلموك أن هناك عدة معايير لا بد أن يستند عليها الشخص للحصول على «نبات» ذي فائدة يأتي في مقدمتها أن يكون عمر «النبات» بعد قطعه لم يتجاوز 12 ساعة، فإذ مضى عليه أكثر من ذلك قد تكون الرطوبة وانقطاع الماء عنه سببين في سقوط حباته، ويمكن التأكد من خلال إحداث فتحة في غلاف النبات وتوجيهها باتجاه الأرض فإذا شوهد تساقط الحبات فذلك يعني أن النبات عديم الفائدة، أو يمكن التحقق من ذلك من خلال مشاهدة مكان القطع فإذا مال لونه إلى البني الداكن فإن ذلك يعني أنه مضى وقت طويل عليه بعد قطعه، مشيراً إلى ان بعض التجار قد يتلاعبون في بعض الأحيان في هذا الجانب، إذ يقومون بقطع نهاية الأطراف باستمرار، لتوحي لمن يشاهدها بأنه لم يمض وقت طويل عليها، لذلك في هذا الحال يجب التحقق بالاستعانة بالطريقة السابقة.
تشوهات الحجم
وأشار إلى أن تنبيت النخلة هي الخطوة الأهم في الموسم، فإذا كانت كمية النبات التي يتلقها «العذق» ناقصة سوف يصعب « عقاد» الثمر أي يحدث به بعض التشوهات في الحجم، أما في حال تجاوز الكمية عن الاحتياج المطلوب فإنه أيضاً يتسبب في حرق الثمر وتساقطه قبيل بلوغه، لافتاً إلى أن تنبيت النخلة هو العامل الأهم الذي يتحكم في جودة الثمر.
وأوضح أن كمية النبات التي يتطلبها كل نوع من النخيل تختلف من مكان لآخر، ويرجع ذلك إلى اختلاف حرارة الطقس والحرارة الباطنية للأرض وملوحة المياه التي تؤثر على لذة التمر ولونه، مشيراً إلى أنه كلما انخفضت نسبة الملوحة قلت كمية النبات التي تحتاجها النخلة، حيث تتطلب بعضها 10 «عطلان» في مكان ما، بينما الصنف ذاته في مكان آخر يتطلب ثلاثين« عطيل»، وهذا يعتمد على خبرة المزارع والإلمام بجميع التفاصيل. نصيحة لشراء اللقاح
عند شراء (النبات) يجب التأكد من كمية البودر التي يتضمنها، ويكون من خلال شق غلاف النبات وتحريكه على اليد فإذا سقطت منه حبات البودر المشابهة لدقيق القمح فهو جيد، وإذا كان بخلاف ذلك لا ينصح بشرائه، إضافة إلى ذلك لا بد من التأكد من نضج النبات من خلال الضغط عليه باليد والاستماع إلى أصوات الفرقعات كما هو في الطريقة السابقة. إن أفضل أنواع النبات هي التي تتسم بكبر حجمها وصغر حبوبها وكثافة بودرها، فكلما كانت الحبوب أصغر أصبحت النتائج أفضل.
التلقيح الصناعي لـ«تنبيت» النخيل

اوضح الدكتور خليفة بن دلموك أنه في حال عدم معرفة الكمية المناسبة لتنبيت النخيل يفضل استخدام التلقيح الصناعي، الذي تقوم مراكز البحوث الزراعية بتوزيعه، ويعتمد على تقنية رش اللقاح بعد ربط قمة «العذق»، ما يؤدي في نهاية الموسم في الحصول على ثمر ذات جودة جيدة، وأما في حال صعوبة الصعود إلى النخل بسبب طول ارتفاعها فإن الطريق الأنسب لتنبيتها هي الحفر عن جذور النخلة في كل الاتجاهات، ووضع النبات في كيس وسكب كمية من الماء عليه، ثم يوضع أسفل هذه الجذور لتمتص من هذا الخليط، منوهاً إلى أن الطريقة المثالية هي وضع النبات من الأسفل إلى الأعلى بحيث تكون فتحات حبات النبات في الأعلى، وأن الوقت المناسب لتنبيتها بعد تفتح «العذق» من 12-48 ساعة.
تخفيف «العذوق»
أشار بن دلموك إلى أن الأكياس جاءت في فترة متأخرة، وأن السبب في استخدامها وجود أصناف جديدة لا ينضج ثمرها إلا بوضع الأكياس، إضافة إلى حماية الثمر أثناء حدوث الأمطار في مواسم النبات، فالنخلة إذا مضى على تنبيتها أكثر من 12 ساعة فإنها لن تتضرر حتى لو غسلت مياه الأمطار «عذوقها»، وإلى جانب ذلك يتم الاستفادة من هذه الأكياس في مواجهة قلة «النبات»، إذ انه بالإمكان تقليل كمية النبات لكل عذق وتغطيته بعد ذلك بالأكياس لمدة لا تزيد على أسبوع حتى لا تستطيع العوامل الخارجية من نثر بودرها خارج العذق.

أخطاء شائعة
ولفت إلى أن هناك العديد من الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض ملاك النخيل، ومنها عدم التخفيف عن النخلة بقص «عذوقها» والتي تصل في بعض الأحيان إلى ثلاثين «عذقا»، وهو ما يؤثر على حجم حبات الرطب والتمر، فكلما كانت الأعداد كبيرة قل حجم حباتها، لذلك ينصح دائما بالتخلص من الأعداد الزائدة بقطعها، وترك ما يقارب 7 عذوق في النخلة الواحدة، وهذا مهم جداً للأصناف المشهورة، إضافة إلى ذلك يفضل قطع ثلاثة سنتميترات من الجزء العلوي من كل عذق وذلك لكون أحجام الثمر سوف تكون صغيرة الحجم ومن الأولى تخفيفها عن النخلة، والحرص على إزالة ثلاثة «عطلان» من لب العذق لوضع «النبات» وإيجاد مساحة للتهوية وحماية الثمر من التعفن نتيجة تكدسه فوق بعضه.
وأوضح أن التخفيف من كمية الأعذاق يكون في مرحلة التنبيت او «تحدير العذوق» إي إنزالها على «الخوص» عند كبر حجمها حتى تظهر بصورة جميلة وتسهل الحصول على الرطب وحماية العذق من الكسر، ويرافق عملية التحدير ـ إنزال العذوق ـ «الشراطة» النخل أي تخليصها من السعف الجاف.
