الحفاظ على تراث الشعوب، هو الإطار التاريخي الذي تنطلق منه حضارة أي شعب، ومن هذا المنطلق يأتي الحفاظ على التراث بشكل عام، والتراث الشعبي بشكل خاص، باعتباره يمثل مدخلاً لرصد الحياة الشعبية في الدولة، وخاصة في منطقة حتا، التي تم زيارتها لرصد الحياة الاجتماعية فيها والعادات والتقاليد، وطقوس عرفت بها المنطقة منذ مئات السنين، بعضها ما زال قائماً في أوساط الأهالي، وبعضه اندثر بسبب تغيير نمط الحياة، فقد طغت عادات حديثة على حياة معظم الأهالي، لكن ما يلفت النظر تلك الطقوس التي تمارس في صيد سمك الصد، مع العلم أن منطقة حتا جبلية ولا يوجد فيها بحر، ولكن كيف يتم صيد سمك الصد؟ وأين يعيش هذا النوع من الأسماك؟ حكاية تبدو غريبة ولكنها من تقاليد مجتمع حتا.

 

اصطياد الصد

في لقاء مع بخيت محمد أحمد المقبالي الباحث في التراث، تحدث عن عادات وتقاليد المنطقة، وطقوس صيد السمك فقال: من الأشياء التي لم تكتب كثيراً عن سمك الصد والذي يتواجد فقط في حتا، أنه سمك يعيش في مياه الوديان العذبة، حجمه صغير، وله طرق خاصة في الاصطياد والطبخ، كما انه يصطاد في النهار نظراً لصغره، وتتم عملية اصطياده عن طريق استعمال أدوات محلية، مثل (الياروف) وهو شبك صغير مدعم بعصاتين في الأطراف، وفي جهة الخلف يوضع حزام من الرصاص، إلى جانب (لميلة) .

وهي عبارة عن سلة صغيرة يوضع فيها السمك المصطاد من قبل صيادين مهرة، لكن كيف يجمع الصيد في مكان واحد حتى يستطيع الصياد أن يصطاد أكبر مجموعة منه، هناك طريقة، يرمى من خلالها الصياد نباتاً يسمى (العيطمان) في مياه الوادي وهذه المادة أشبه بالمادة المخدرة، حيث ينام السمك في مكانه فيسهل على الصياد اصطياده بكل راحة، أما طريقة إعداد وطبخ سمك الصد، فيتم عن طريق (المضباه)، حيث يجمع الصياد ومرافقوه حجارة مسطحة من الوادي بحدود 30 إلى 40 حجرة بحجم راحة اليد، ثم توقد النار بحطب من أشجار السمر، ويرمى معها قليل من نبات (الشوع) .

 

وذلك لإضفاء رائحة زكية على السمك والعجينة، ثم تترك النار إلى أن تتحول إلى جمر، وبعد ذلك ترمى الحجارة المسطحة في قالب متساوٍ وسط الجمر، في حين يكون الآخرين قد أتموا تجهيز العجينة المكونة من طين وملح ووضع سمك الصد في داخل العجينة، وعندما تصبح الحجارة جاهرة يوضع النصف منها بشكل متراص، ومثلها في العجينة، وتترك هكذا لمدة ساعة واحدة، وبعد ذلك تؤكل مع الليمون، والبعض يقوم بنفس العملية فقط مع أقراص من الخبز، ومثل هذه الطقوس كادت أن تنثر لولا أن بعضاً من أهالي المنطقة حرص على إبقائها، فكلما امتلأت الوديان بمياه الأمطار كلما تواجد فيه سمك الصد.

البرقع والعصا

ويقول عن العادات والتقاليد التي تكاد تندثر في المنطقة: ما كان يسمى بـ (الخطار)، بمعنى استقبال الضيوف والأغراب عند أهالي المنطقة، حيث كان الأهالي يتنافسون ويتسابقون على إكرام الضيف، إلى درجة انه كان ما بين كل بيت وبيت في المنطقة ضيف أو أكثر، لكن مع مرور السنين اندثرت مثل هذه العادات بسبب تطور نمط الحياة، كذلك اختفت من وجوه النساء (البراقع) والذي هو من تقاليد المرأة الإماراتية، ولا يلبسه اليوم إلا نساء كبيرات في السن أو عندما توجد المناسبات الوطنية وأثناء استعراض التراث الإماراتي، الفتيات اليوم أصبحن غير راغبات بلبس (البرقع) مع انه من عادات وتقاليد الأمهات والجدات، كذلك العصا والتي هي رمز الرجولة وكان آباؤنا يستعملونها في ماضي الزمان، هذه أيضاً اختفت من حياتنا.

ومن العادات التي لم تندثر، مسألة (التنور) ومن عادة أهالي المنطقة أن يقوم كل رب أسرة في عيد الأضحى بوضع تنور خاص به، وهذه العادة تجرى منذ عشرات السنين، ويسمى لدى أهل المنطقة بـ (الحيور) ويعمل بلحم الماعز ويسمى (الفاطر)، وله طريقة غريبة في إعداده، حيث يعد ويجهز ويدفن تحت الأرض، بعد تجهيز الجمر الذي عادة ما يكون من حطب الأشجار والنباتات، ولا يفتح إلا في اليوم الثاني، وهناك عادات وتقاليد أيضاً ما زالت موجودة في المنطقة، ويحافظ عليها الأهالي حتى اليوم.

جمعية للحفاظ على التراث الشعبي

 

تعتبر جمعية حتا للثقافة والفنون والتراث، من أهم الجمعيات في الدولة التي تعمل في مجال التراث الشعبي والحفاظ عليه، ومنذ تأسيسها في أواسط التسعينيات من القرن الماضي وحتى اليوم، وهي تعمل على حفظ التراث الإنساني، والذي يمثل تاريخ المنطقة وفنونها وتقاليد وعادات أبنائها التي ما زالت راسخة حتى اليوم.

وبداية تأسيسها كان في شكل فرق شعبية للرقصات والفنون التراثية ومجالس الشعر، ثم جاءت المرحلة التالية في التأسيس والإشهار، لتنطلق بعد ذلك في إرساء وغرس مفاهيم التراث والفنون والموروث الشعبي، التي تعتبر حتا من أغنى المناطق في الإمارة التي يوجد فيها الكثير من الموروثات الشعبية والتي مازالت قائمة حتى اليوم، واستطاعت أن تنفذ الكثير من الفعاليات والأنشطة الناجحة، وأنجزت أيضاً الأهداف التي أقيمت من أجلها ومنها نشر الوعي التراثي في المنطقة والضواحي المحيطة بها، وربط الأجيال ببعضها من خلال الحفاظ على العادات والتقاليد وإحياء الفنون الشعبية والتراثية، وتنشيطها على مستوى منطقة حتا من خلال لجان شكلت لهذا الغرض، ويمكن القول إن الجمعية أصبحت اليوم كياناً قائماً بمؤسسته المنظمة والتي تمثل معلماً تراثياً ليس فقط على مستوى حتا وإنما على مستوى إمارة دبي.

ومن أنشطتها الأخيرة، فعاليات احتفالات اليوم الوطني الـ 42، وقدمت برنامجاً متكاملاً شمل فقرات متنوعة من تراث المنطقة، وعروضاً لفرق الفنون الشعبية، ومسابقات لليولة، كما تسهم الجمعية في المعارض التراثية التي تقام في الدولة، ويعتبر دور الجمعية في المنطقة من أهم وأبرز الأدوار، حيث يوجد التنسيق الكامل مع المدارس والمؤسسات الحكومية والأهلية، وجميعهم يشاركون في الحفاظ على تراث المنطقة الأصيل والثري، كما تقيم في المناسبات قرية للتراث يعرض فيها نماذج من الموروث الشعبي والأدوات التي كان يستعملها الإنسان في الماضي البعيد.

 

بطاقة

 

 

بخيت محمد أحمد المقبالي متزوج ولديه أربعة أبناء خالد وموزة وريم وعلي، اهتم بالشعر وأحب التراث وعمره تسع سنوات، وكتب الكثير من القصائد الشعبية والشلات، إلى جانب تأسيسه جمعية حتا للثقافة والفنون والتراث، كما تعلم من أبيه مهنة الزراعة، ولديه مزرعة صغيرة، بالقرب من منزله، له أخوة وأخوات معظمهم يسكنون في حي واحد، غرس والده فيه وفي إخوته، حب الأرض والحفاظ عليها، والولاء للشيوخ والوطن، يساهم في إحياء تراث الدولة في معظم المعارض التي تقام خلال العام، وهو اليوم أحد الباحثين في التراث، ويمثل الدولة على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي، له اهتمامات بالتراث الشعبي الإماراتي، وخاصة تراث منطقة حتا، ويحافظ على هذا التراث من خلال الجمعية التي أسسها وجعلها منارة للموروث الشعبي في المنطقة.