إنجاب الأطفال أمنية مرتقبة لدى الآباء والأمهات، فمنذ اللحظة الأولى لتكوين الجنين تمطر قلوبهم فرحاً، ويخفق وجدانهم أملاً، ويمضي وقتهم في حساب الأيام والشهور لتجاوز مدة الحمل التي تعيش فيها الأمهات تفاصيل صعبة يندمج فيها الخوف على سلامة الجنين والآلام المتفرقة في أجسامهن، وفي خضم هذه الفرحة الصعبة قد تُعكّر بعض المسببات صفو هدوء الأم والأب، وتبدد أحلامهما، حيث تتداخل عوامل عديدة في تشتيت مرحلة الحمل منها الأمراض الوراثية والمؤثرات الخارجية والداخلية وأسباب أخرى يجهل الطب مسبباتها، ولعل الولادة المبكرة أحد هذه الكوابيس المرعبة التي تكلف العائلات والدولة أموالاً طائلة، وذلك لما يصاحبها من مشكلات وخطورة تعصف بالجنين والذي يحتاج إلى رعاية خاصة قد تمتد لفترة طويلة، أو قد تكلفه حياته في بعض الأحيان.
آلام متكررة
وعن ذلك قالت الدكتورة كولشان محمد اختصاصية النساء والتوليد إن الولادة المبكرة تطلق على أي ولادة تتم قبل الأسبوع السابع والثلاثين، وتقسم إلى أقسام عديدة بناء على المدة الزمنية التي تحدث فيها، إذ تظهر أعراض الولادة المبكرة على شكل آلام متكررة في الظهر والبطن، إضافة إلى إفرازات مهبلية ودموية، لذلك دائماً ينصح الحوامل عند ظهور أي آلام عرضية أو تغيرات في الجسم بزيارة الطبيب لإجراء الفحوصات والتأكد من سلامة الحمل.
وأضافت الدكتورة أن الولادة المبكرة لا يمكن التنبؤ بها طالما أن المرأة تتمتع بصحة جيدة، ولكن في بعض الحالات قد تشير بعض الدلالات إلى احتمالية حدوث الولادة المبكرة، ويمكن ذلك في حالة وجود أنواع معينة من البكتريا أو وجود شوائب في البول، حتى وإن لم يكن هناك شعور بحدوث أي التهابات، لذلك وضعت الفحوصات المختبرية كمرحلة أساسية من مراحل فحص الحمل، بحيث يمكن التنبؤ بالمعوقات التي من الممكن أن تؤثر على إتمام عملية الحمل.
عيوب خلقية
وأشارت كولشان إلى أن الولادة المبكرة تحدث بنسبة تتراوح بين 8 - 15 % من إجمالي حالات الولادة وذلك حسب الإحصاءات العالمية، وأما النساء اللواتي كانت لهن سوابق ولادات مبكرة تتضاعف نسبة حدوث ولادات مبكرة لديهن لتصل 30%، وترتفع النسب كلما تكررت الحالة، لافتة إلى أن هناك العديد من المسببات التي قد تساعد على حدوث حمل مبكر ومن أهمها التهابات المهبل ومجرى البول أو الحمل بتوأم أو أكثر، أو الإصابة بمرض السكري أو ارتفاع الضغط، بالإضافة إلى وجود عيوب خلقية في الرحم أو إجراء جراحات سابقة له أو وجود حالات إجهاض سابقة وخاصة في المراحل الأولى للحمل، وإلى جانب ذلك توجد بعض المسببات الخارجية التي قد تؤدي إلى حدوث ولادة مبكرة، ومنها تعرض الحامل للعنف الأسري أو الضغوطات النفسية أو الإرهاق وبذل جهد فوق الطاقة، أو ممارسة بعض السلوكيات الخاطئة كحمل الأوزان أو ممارسة الرياضة العنيفة.
وأضافت أن الولادة المبكرة للطفل من الممكن أن تتسبب له في مشاكل صحية وخطيرة وربما ينجم عنها وفاة الجنين إذا كانت الولادة في أشهر الحمل الأولى، وذلك لأنه غير مكتمل الأعضاء، كما أن الولادة المبكرة من الممكن أن تتسبب في مشكلات بالجهاز التنفسي، خاصة وأن الرئة من الأجهزة التي يتم اكتمال نموها في الأيام الأخيرة من الحمل، فإذا ولد الجنين مبكراً فإنه هناك نسبة كبيرة في تعرض الرئة لتشوهات أو قصور في وظائفها، بالإضافة إلى ذلك قد تؤثر الولادة المبكرة على الجهاز العصبي والجهاز الهضمي للطفل، حيث إن هناك نسبة كبيرة ممن يولدون قبيل الأسبوع السادس والثلاثين يحتاجون إلى رعاية خاصة.
العدوى بالأمراض
كذلك يكون الأطفال المبكرون عرضة للإصابة بالعدوى بالأمراض المختلفة وخصوصاً الإصابة بالحمى الصفراء أو قد يجدون صعوبة في الرضاعة، وتذبذب في درجة حرارة الجسم التي تتأرجح بين الارتفاع والانخفاض عن المستوى الطبيعي، كما يصاحب بعض هؤلاء الأطفال حدوث نزيف بالمخ، أو يعانون من مشكلات مزمنة في الرؤية والسمع، أما الطفل الذي يولد بين الأسبوع 34 و37، وهذا الأكثر شيوعاً في الولادة المبكرة، لا يعاني من تلك المشاكل الصحية الخطيرة، لأن الأعضاء تكون في حالة نمو متكاملة تصل إلى المعدل الطبيعي بنسبة كبيرة. وأكدت أخصائية النساء والتوليد أن زيارة الأم للطبيبة عند شعورها بأي أعراض أو مشكلة تساهم في الحد من المشكلات الصحية وذلك من خلال حقن الطفل بالكورتزون لتوسعة الجهاز التنفسي لديه.
زيارة الطبيب ضرورة منذ اللحظات الأولى للحمل

أوضحت الدكتورة كولشان محمد اختصاصية النساء والتوليد أهمية زيارة المرأة الحامل إلى الطبيب منذ اللحظات الأولى لحملها، ومتابعة الحالة طيلة 40 أسبوعاً حتى يتم الحمل، لافتة إلى أن ذلك يسهم في الحد من الكثير من المخاطر التي من الممكن أن تتعرض لها المرأة الحامل خلال فترة حملها، إذ تبدأ الزيارة الأولى للتأكد من ثبات الحمل، ومن ثم المواظبة على زيارة الطبيب كل أربعة أسابيع وبصورة مستمرة في الأسابيع الأربعة الأولى، إذ توضح الزيارات أن الحمل تم داخل رحم المرأة، وتأتي الزيارة التالية للتعرف على نبض الجنين، ويلي ذلك في الأسبوع الثاني عشر أو الثالث عشر فحص بالأمواج فوق الصوتية لقياس المادة الشحمية التي توجد خلف رقبة الجنين، والتي من خلال سمكها يتضح إذا كان الجنين طبيعياً أم يعاني من مشكلة ما.
وأضافت أن الفحوصات تستمر طيلة فترة الحمل وعلى مدى لا يتجاوز أربعة أسابيع، وما بين الأسبوع 20-24 يتم إجراء فحوصات تفصيلية للجنين تشمل إجراء فحوصات القلب وتجاويفه، والفتق في الحجاز الحاجب، وفحص التشوهات الخلقية أو أي أمراض تظهر على الجنين، وتختلف الفحوصات بعد دخول الجنين أسبوعه الثامن والعشرين حتى الأسبوع السادس والثلاثين، إذ تبدأ الفحوصات بصفة دورية لا تتجاوز أسبوعين بخلاف الفترة السابقة التي تكون فيها الفحوصات كل أربعة أسابيع، وبعد دخول الحمل الأسبوع السادس والثلاثين تكون زيارة الطبيب بشكل أسبوعي وذلك لتحديد موعد تقريبي للولادة لكي تأخذ المرأة احتياطها في الوقت المتوقع.
وأشارت الدكتورة كولشان إلى أن المرأة البكر قد تزور الطبيب خلال فترة الحمل قرابة 11 زيارة بخلاف المرأة التي سبق لها الولادة والتي لا تزيد على8 زيارات، وتختلف زيارات الطبيب للنساء اللواتي لديهن سوابق ولادة مبكرة أو بعض المشكلات في الجنين أو الحمل بشكل عام.
ثوابت
خطوط حمراء تفرضها عملية الحمل

تتحمل الأم مسؤولية سلامة جنينها منذ اللحظة الأولى لتكونه، لذلك يجب عليها اتباع العديد من الأساليب والمعايير الذي تضمن حمايته من التأثيرات الخارجية والداخلية، ولعل من أبرز الممارسات التي يجب أن تضعها المرأة الحامل في حسبانها الامتناع عن تناول الأدوية والعقاقير الطبية والفيتامينات وحتى إن كان لها ضرورة وخصوصاً في الأشهر الثلاثة الأولى، إلا بعد استشارة الطبيب والتأكد من عدم حدوث أي تأثيرات أو أعراض جانبية للجنين، وفي حالة تسببها لمضاعفات وتهديدها لسلامة الجنين لا بد من البحث عن بدائل تعوض دور هذه الأدوية، إذ إن هناك العديد من النساء يقدمن على تناول بعض الأدوية لأغراض تجميلية في الجلد أو أي مكان آخر قد يُشكّل تناولها خطورة على حياة الجنين أو تتسبب في حدوث بعض التشوهات له.
إضافة إلى ذلك لا بد أن تحرص المرأة الحامل على تناول الطعام الغذائي المتوازن الذي يؤمن الاحتياجات الأساسية للجسم في فترة الحمل، والابتعاد عن الأطعمة التي تتسبب في تهيج البشرة أو تحدث أي مضاعفات بعد تناولها خصوصاً التي ترتبط بتاريخ مرضي كالحساسية أو الربو، كذلك الابتعاد عن المأكولات المكشوفة والمعلبة والأطعمة غير المطهية جيداً، والحرص على غسل الخضروات والفواكه للتخلص من المبيدات الحشرية والشوائب العالقة فيها.
ثبات الحمل
وإلى جانب ذلك فالمرأة الحامل مطالبة بالتخلي عن بعض الرياضات التي كانت تمارسها قبيل فترة الحمل وخصوصاً العنيفة منها، لأنها ربما تتسبب في إسقاط الجنين أو حدوث أضرار له، كما يجب تجنب السفر لساعات طويلة، نظراً لإسهامه في زعزعة ثبات الحمل من خلال تركز الضغط على العمود الفقري ومنطقة البطن، وتبرز حاجة الالتزام بذلك بصورة كبيرة في أشهر الحمل الأولى والأخيرة، وليست الرياضة وحدها عائقاً أمام المرأة الحامل بل أنه من الضروري أن تتوقف المرأة عن ممارسة الأعمال المنزلية الشاقة، وتكليف المهمة لشخص آخر، وذلك لأن فرط الحركة وحمل المواد الثقيلة يهدد إتمام عملية الحمل، لذا تتمثل صحة الأم بصحة المولود.
ولا يقتصر الأمر على ذلك فالامتناع عن التدخين والمواد التي تحتوي على الكافيين مثل الشاي والقهوة والمشروبات الغازية مطلب آخر، وذلك لما تتركه هذه المواد من سموم ومضار في الجسم، كما أن الإشعاعات المختلفة من مهددات نجاح عملية الحمل لذلك دائماً ما ينصح المرأة الحامل بالابتعاد عن مصادر هذه الإشعاعات ولكن لا يعني ذلك رفض متابعة الحمل عن طريقة الأشعة التلفزيونية والتي توفر أعلى المعايير لسلامة الجنين وحمايته، إذ إنها مطلب والتعرض لها لا خطورة فيه بخلاف السائد لدى بعض النساء اللواتي يمتنعن عن القيام بها خوفاً على سلامة حملهم. ولا بد من اتباع الإرشادات الطبية كي تكون الولادة سليمة والطفل صحيح الجسم معافى من الأمراض أو التشوهات.
نصائح
زيارة الطبيب لمتابعة حالة الحمل

متابعة الطبيب والالتزام بالزيارات المحددة يسهمان في تخفيف مشاكل الحمل، وذلك لإمكانية تلافي العديد من الأمراض التي من الممكن حدوثها خلال فترة الحمل، والتأكد من سلامة الجنين.
راحة نفسية وبدنية
مرحلة الحمل تتطلب الراحة النفسية والبدنية والابتعاد عن مزاولة الرياضة الثقيلة خصوصاً في الفترة الأولى من الحمل، والتركيز على المشي في الأيام الأخيرة، وذلك لتأثيره في الحالة النفسية للحامل. ويمكن لأي شخص من العائلة أن يساعد الحامل في إنهاء الأعمال المنزلية المطلوبة.
تناول الخضروات والفواكه الطازجة

الابتعاد عن تناول الأطعمة الملوثة والمكشوفة وذلك لتأثيرها الفوري على الحالة الصحية للأم التي تنقل العدوى للجنين وتحدث به تشوهات أو أمراض أخرى خصوصاً ارتفاع درجة حرارة الجسم، بالإضافة إلى الابتعاد عن أماكن الإشعاعات والمناطق التي تكثر فيها الملوثات وعوادم المركبات، والإكثار من تناول الخضروات الطازجة والفاكهة بعد التأكد من غسلها جيداً.

