يرتاد عدد من الأشخاص المحاكم بصفة يومية حتى بات الأمر اعتيادياً بالنسبة لهم، وهوساً لدى البعض من دون أن يكونوا أطرافاً في القضايا المعروضة، ما جعل المحكمة تبدو أشبه بمركز تجاري أو مكان للتسوق لقضاء بعض الوقت في قاعات الجلسات لتكون متنفساً لهم، وتمضيته برفع الدعاوى والخصومات، ومقابلة القضاة والموظفين وكذلك المتعاملين ومتابعة أخبارهم، لدرجة أن بعضهم أصبحوا خبراء في القانون، عبر معرفتهم في العقوبات التي يمكن أن يصدرها قاض ما، وما إذا كانت أحكامه مشددة أم مخففة لمعرفتهم المسبقة بطبيعة أحكامهم.

وفي بعض الأحيان يتطفلون لمساعدة بعض المراجعين عبر توجيههم قاضياً معيناً أو محامياً ما، أو أنهم يوضحون طبيعة التهم والعقوبة المقررة عليها، كما يعمدون جاهدين إلى التوسط، بهدف تخفيفها أو تقديم الاستشارات التقنية أو قد يتخذون صفة الشهود أو المصلح الاجتماعي. وفي أغلب الأحيان يكونوا رواد هذه الفئة من أصحاب السوابق ومفتعلي المشكلات، إلى جانب زبائن المحاكم، الذين تكون لديهم قضايا على مواسم أو أوقات معينة.

لا يؤثرون

في لقاء مع القاضي أحمد سعيد عبيد النقبي رئيس محكمة خور فكان الابتدائية، أشار إلى اختلاف أنواع وأصناف المترددين على المحاكم حالياً بحسب تعدد وتنوع حاجاتهم، منهم أصحاب القضايا المختلفة سواء مدعين أو مدعى عليهم وأيضا ًالوكلاء والأوصياء والأشخاص الشهود، وكذلك المتهمون المفرج عنهم، والمجني عليهم والمحامون كذلك، مبيناً أن أغلب هؤلاء من الذين يطلبون في أغلب الأحوال إنصافهم أو تأكيد حقوقهم أو الدفاع عن أنفسهم، ما يتوجب عليهم مراعاة أوقات ونظم ولوائح المحاكم، وعدم إثارة أي نوع من الفوضى أو التطاول على العاملين، ما يسبب استياء وسخط بقية المتواجدين والمراجعين، وبالمقابل يحصلون على ما يطلبون بكل سلاسة ومرونة.

وأوضح النقبي أن هناك نوعية، التي نشاهدها بالأفلام والمسلسلات، ومن خلال خبرته في محاكم الإمارات تكاد تكون معدومة، وهي نوعية من الناس سواء كانوا ذكوراً أم إناثاً يكون لديهم حب المعرفة والفضول في جلسات المحاكمات وبالذات التي تعقد بالقاعات في الجلسات العلنية. فيشاهد القاضي أو رئيس الدائرة أشخاصاً من خلال انعقاد الجلسة، فهم لا يؤثرون في سير التقاضي، وإنما فقط يزاحمون المتقاضين على المقاعد في القاعات، حيث تعالج هذه المسألة من خلال المناوب أو رئيس الجلسة، الذي يحدد النظام.

ضيوف ثقال

القاضي محمد عبد الله الزرعوني في محكمة خور فكان الاتحادية الابتدائية قال: الناس في ما يعشقون مذاهب، هكذا تقول الحكمة المعروفة، وربما من أغرب أنواع العشق وأكثرها تكلفة، وبالأخص على الصعيد النفسي والاجتماعي والأسري، الذي يحمله عدد من الناس للذهاب إلى المحاكم أو كما يطلق عليهم، " عشاق أو مهووسو المحاكم ". ويصل هذا الحد من الهوس إلى ترددهم عليها يومياً أو بشكل شبه مستمر كأنه مكان مقدس، رغم أنه لا يمكن منعهم من ذلك كونه حقاً مشروعاً لهم.

مشيرا إلى أن هؤلاء الناس يعتبرون ضيوفاً ثقالاً كونهم لا يفارقونها من سيل الدعاوى التي تختلف بأنواعها، حيث لا ينفكون من مراجعتها أو أقسام الشرطة " ذاهبون و عائدون" بداع أو من دونه أو سواء كانوا متهمين أو متقدمين بشكوى، حيث ينقلب الأمر في أكثر الأحيان ليصبح المتقدم بالشكوى هو نفسه متهماً جراء هذا الأمر، كما يزاحمون الناس أشغالهم ويتسببون في الإزعاج والتعطيل بعض الأحيان، وتمر بهم السنوات ويقضون سنوات طويلة من حياتهم، وهم يلجأون إلى العدالة في أبسط القضايا التي يفترض أن تحل صلحاً بين الزوجين أو أفراد الأسرة الواحدة أو المصلح الأسري، لافتاً- من وجهة نظره - إلى أهمية أن يتم تحرير سجل لمثل هذه الفئة،توضح حجم القضايا المرفوعة ضدهم أو التي تقدموا بها ضد آخرين، حتى يأخذ في الاعتبار أثناء النظر في دعاويهم أو قضاياهم.

إدمان الشخص على المحاكم.. مرض  نفسي

 

 

قالت فاطمة السجواني استشارية نفسية: إن الطبيعة البشرية بها خصائص ومكونات وتختلف من شخص لآخر، ومنها على سبيل المثال إدمان شخص على شيء معين بسبب أو من دون سبب، وهذا بالطبع يرجع إلى عوامل عدة، منها ما هو بدافع جذب الانتباه وادعاء العلم وحب الظهور وتضخيم الذات. موضحة أن كل شخص يرتبط في أمر معين أي يعتاده ويصبح به مهووساً، حيث تجد من يقضي ساعات طوال في المقاهي أو السوق قصد الحصول على الراحة، فقد يصاب باضطراب نفساني وتصبح حالته بمثابة مرض نفسي، لا يمكن أن يتخلص منه إلا بتردده على مكانه المحبب. لذا نجد منهم الأشخاص المدمنين على زيارة المحاكم الذين يرون راحتهم داخل قاعاتها ومتابعة القضايا المختلفة من جنح وجنايات باختلاف دوافعهم وخصوصاً إذا ما كانوا من المتقاضين. مشيرة إلى أنواع من الإدمان أو التعلق الاجتماعي الذي يصل إلى حد الهوس كـ "الهوس على التسوق وكرة القدم والنظافة".

وأضافت إن الأشخاص المدمنين على زيارة المحاكم غالباً ما يكونون ذوي شخصية مندفعة ومستثارة تميل لجذب الانتباه والإحساس بالزهو على الآخرين بتعريفهم بما لديها من خبرة ومعرفة. حيث تعتبر أن المهووسين على متابعة أو ممارسة قضايا معينة غالباً ما يدمنون التردد على قاعات الجلسات بدافع لفت الانتباه وقضاء وقت الفراغ وبالأخص لأصحاب السوابق والتسلية أو يجدونها فرصة للترويح عن النفس، لكي تصبح المحاكم متنفساً لهم ويكسبون منها خبرة في التقاضي.

وفي هذا الإطار، بينت إلى أنهم غالباً ما يبتلون بهذا المرض حينما يخسرون ملفاتهم المعروضة على القضاء، أو بعدما يكونوا قد تعرضوا لتجربة فاشلة في قضية لهم أو يكون لهم تجارب قاسية، أو بعدما يكونوا قد تابعوا ملفات لعائلاتهم أو أصدقائهم، لذا تجدهم يبحثون عن أي قضية أو ملف بين أيديهم أو يفتعلون أي موقف ليعودوا إلى المحكمة. ما يعد من وجهة نظر السجواني باحثين عن تعويض ما ينقصهم من العبر والتجارب في الحياة، فتجدهم لا شعورياً يفتعلون المشكلات ويتطفلون على قضايا الآخرين ويتدخلون فيما لا يعينهم في مشكلاتهم، إضافة إلى مناقشتهم وطرحهم الآراء وتقديمهم الاستشارات، إلى جانب أنهم يستمتعون بتصريحات المتقاضين في شأن القضايا المعروضة.

 

«رادارات» ترصد كل حركة في المحاكم 

 

أشارت المحامية والمستشارة القانونية مروة العواني: إلى أن هؤلاء الأشخاص وإن كان عددهم قليل أشبه بـ "جهاز رادار" مثبت في دهاليز المحكمة يراقبون كل صغيرة وكبيرة عن القضاة والمحامين والموظفين في الجهات القضائية والمراجعين كذلك، بدءاً بأوقات دخولهم وخروجهم من المحكمة، وما يحبون وما يكرهون، وأصدقائهم المفضلين من القضاة وأفراد السلك القضائي على وجه العموم. منوهة إلى أنهم أصبحوا في حقيقة الأمر يرتبطون ارتباطاً وثيقاً بحياة المحاكم وكل ما فيها من إجراءات وقرارات ولا يبالون بأي شيء عدا تخصيص أوقات للتردد على قاعاتها وأقسامها، من أجل فقط رفع دعاوى قضايا قد تكون ضعيفة البنية القضائية أو ربما قد تطول سنوات ما بين سندان الإدانة ومطرقة الإثبات. إلى جانب أنهم أصبحوا مهووسين بالاطلاع على مشكلات الناس وهمومهم داخل أروقتها، ودفعهم هذا الهوس إلى ترك أشغالهم التي تعتبر أهم مما يفعلونه الآن.

السمسرة

ويرى عدد من الموظفين في محاكم الشرقية: أن المترددين على المحاكم والذين يشاهدونهم بشكل متكرر أصبحت لهم خبرة بعدد من الأسرار المرتبطة بالقضاء والمحاماة، وأصبحوا ملمين بجميع مشكلات المواطنين والمقيمين كذلك، وأصبحوا على دراية بمعطيات خطيرة حول أسرار المجتمع من خلال القضايا والنزاعات التي تنظر فيها. بل أصبح منهم من يمارس مهنة السمسرة داخل المحاكم بحكم ارتباطه اليومي بالقضايا المعروضة على الغرف واحتكاكه بالمتقاضين. إلا أنهم غالباً ما يصطدمون بوقائع تكون غير منتظرة في حياتهم.

مواقف طريفة

ومن المواقف الطريفة والغريبة، وجود شخص يخصص جزءاً من وقته يومياً من أجل أن يرفع دعوى كيدية على طليقته لسبب أو دونه رغم ارتفاع رسوم تقديم دعوى أو رفع قضية، والتي تأتي في اليوم الثاني بعد إعلامها بالدعوى لتفتعل دعوى جديدة ضده، ويتقاذفان الشتائم والإهانات فيما بينهما أمام الناس بشكل شبه مستمر ومتكرر حتى باتا معروفين لدى الجميع الذين يتركونهما يتقاتلان دون تدخل حتى يرحلان، والحال منذ أكثر من ثلاث سنوات رغم طلاقهما.

وجبته بيده

كما أن هناك شخصاً يحضر دائماً معه وجبته الغذائية ويأخذ موقعاً معيناً في ساحة المحكمة، ويبقى جالساً مستمتعاً في وقته وبعدها يأخذ في المرور على كل الغرف ويبدأ بالسلام على جميع الحضور والمتواجدين، ويحضر الجلسات ومن ثم يغادرها في موعد الدوام الرسمي كحال الموظفين، دون أن يعرف أحد السبب في قيامه بذلك أو طبيعة وظيفته.

بالإضافة إلى تناوب أفراد أسرة واحدة على رفع دعاوى كيدية رغم ما يتم فيما بينهم من صلح. إلا أن اليوم الثاني يشاهدون في المحكمة إثر إحالة قضية ضد فرد آخر، وهكذا دواليك دون أن تحل مشكلاتهم التـي تتراكم يوماً بعد آخر وتكبر خلافاتهم التي يكون القضاء فيها الطرف الأكبر وسط تزاحم القضايا وبالأخص في وجود قضايا أكثر أهمية.