قد لا نتخيل مقدار الضرر، الذي يطالنا جراء السهر وعدم الانتظام في النوم، لكن الحقيقة الطبية، كما يبدو «مرة»، إذ تؤكد الدراسات والأبحاث الطبية خطورة السهر وتداعياته المستمرة، لعل أبرزها تقليص حجم المسافة بين الإنسان والشيخوخة، والترحيب بها قبل موعدها، ناهيك عن الأضرار النفسية والصحية والاجتماعية الأخرى، التي لا حصر لها، وفي المجمل تتحالف أضرار السهر جميعها كي تسهم في عملية الهدم بجسم الإنسان أكثر من البناء.
الإيقاع الحيوي
ثمة ساعة بيولوجية في جسم الإنسان وظيفتها ضبط الإيقاع الحيوي، وترتبط الساعة البيولوجية، كما أوضح الدكتور أسامة اللالا، أخصائي برامج صحية وتغذية بمواعيد الصلوات الخمس، وتنظيم ساعات النوم، حسب ما ذكر الله سبحانه وتعالى في آياته، ومنها على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى في سورة النبأ «وجعلنا الليل لباساً والنهار معاشاً»، مؤكداً اللالا أنه كلما زاد السهر ليلاً بعد الساعة 12، اقترب الإنسان من الشيخوخة سريعاً، فضلاً عن فرصة الإصابة بأمراض، ينتج عنها أحياناً سرطانات، لأن النوم على حد تعبيره، يساعد على البناء في جسم الإنسان، بينما يساعد السهر على عملية الهدم.
وأردف قائلاً: ثمة هرمون مسؤول عن تنظيم الإيقاع الحيوي في جسم الإنسان، يطلق عليه «الميلاتونين»، ويتميز هذا الهرمون بأنه لا يعمل إلا ليلاً، ويعمل الهرمون بكفاءة أعلى بعد صلاة المغرب، وعندما يقل الضوء، ومن المعروف أن هرمون «الميلاتونين» ذو تأثيرات إيجابية باعتباره مضاداً للسرطان والشيخوخة، بل يسهم في رفع نسبة الخصوبة وتقوية الجهاز المناعي، وثمة الكثير من الأحاديث الشريفة والآيات الكريمة التي تدعم حقيقة النهي عن السهر والنوم باكراً، قبل أن يتوصل الأطباء إلى اكتشاف أضرار السهر وفوائد النوم المبكر، لافتاً إلى أن الجسم إلى جانب العقل يبلغان ذروة طاقتهما في الصباح الباكر.
القلق والتوتر
علاوة على هرمون «الميلاتونين»، الذي يفرزه الجسم في العتمة ليلاً والمسؤول عن وظائف ومهام عدة، أكد اللالا إنه ثمة هرمونات أخرى، تحتاج إلى العتمة والنوم مبكراً في المساء كي يستطيع الجسم إفرازها مثل الهرمون المسؤول عن القلق والتوتر والاكتئاب، الذي يضعف أداءه السهر، ناهيك عن زيادة فرص الإصابة بأمراض القلب والشرايين وارتفاع ضغط الدم نتيجة تراجع الإفرازات في النهار، مبيناً أن الإضاءة الناتجة عن أجهزة الهاتف المحمول وشاشات الكمبيوتر، تؤثر سلباً في حركة ظهور الهرمونات من الجسم وبالتالي تهدد صحة وسلامة الجسم بشكل عام، مشدداً على ضرورة النوم بلا أنوار وإبقاء الغرفة معتمة عند الخلود إلى النوم مساءً.
لم يحصر اللالا فوائد النوم المبكر على ما ذكر في السابق فقط، وإنما أكد أن فوائده غير محصورة تتخطى ذلك، إذ يسهم النوم المبكر ليلاً على رفع إنتاجية الفرد وتطوير قدراته الإبداعية، التي تؤثر حتماً في السعادة والثقة بالنفس، موضحاً أن ساعات النوم محددة من 6 إلى 8 ساعات ليلاً، وأفضل ساعات المذاكرة للطلبة بعد صلاتي الفجر والعصر.
ارتباط مباشر
عرج اللالا في حديثه إلى العلاقة الوثيقة، التي تربط بين مواعيد تناول الطعام ومواعيد النوم، علاوة على ارتباط مباشر آخر بمواعيد الصلوات الخمس، ما يؤكد أن الإنسان يعيش وفق منظومة من الحياة، تتطلب منه تناول وجبة الإفطار بعد صلاة الفجر في الساعة الأولى من الاستيقاظ، لاسيما أن الإنسان عندما يستيقظ يكون معدل السكر في دمه منخفضاً، مشيراً إلى أنه حري بنا تناول التمر في الصباح لرفع السكر وبالتالي يرفع من نسبة «الأيض»، أو ما يسمى «الاستقلاب» وهو عبارة عن عملية التمثيل الغذائي، تحدث للحصول على الطاقة وبناء الأنسجة، ولعل دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته وحضه على تناول التمر، كانت في محلها الصحيح، إذ يتوافق ذلك مع احتياج جسم الإنسان للسكر.
القيلولة «شاحنة الطاقة»
وصف الدكتور أسامة اللالا القيلولة بأنها «شاحنة» لطاقة الإنسان، إذ تمد الجسم مرة أخرى بعد ساعات النوم ليلاً بالمزيد من النشاط، شرط أن تكون بين الظهر والعصر، كذلك هناك شروط أخرى حددها بألا تزيد القيلولة على 30 دقيقة، وأثبتت الدراسات أن الإنسان إذا نهض من النوم في الصباح باكراً وأخذ قيلولة ظهراً، سيتحسن لديه النوم في المساء، مشيراً إلى أن القرآن والسنة سبقوا هذه الأبحاث، ليتحقق بذلك اكتشاف آخر في رصيد الإعجاز الطبي للقرآن والسنة.

