أكد خالد الكمدة، مدير عام هيئة تنمية المجتمع في دبي أن فشل التربية المنزلية والتنشئة المجتمعية وغياب الوازع الأخلاقي والديني، من أهم ما يهدد بانحراف الشباب في مرحلتي المراهقة والشباب، مشيراً إلى أن عدم اهتمام الوالدين برعاية الأبناء واطلاق الحريات بغير رقابة يسهل انصياع جيل الشباب نحو رغباتهم ووقوعهم فريسة لاستخدام وإدمان المخدرات.
وبين الكمدة لـ"البيان"، أن عدد قضايا الإدمان المسجلة شهد ارتفاعاً بنسبة 13% خلال عشرة أشهر فقط بين العامين 2012 و2013، وذلك بحسب إحصاءات شرطة دبي، وهي أرقام تثير المخاوف وتتطلب الوقوف عند الأسباب الحقيقية لذلك والتعامل مع هذا التزايد قبل أن يتحول إلى ظاهرة.
وقال: "تشير نفس الإحصاءات إلى أن عدد المواطنين الموقوفين بقضايا مخدرات خلال العام الجاري وصل إلى حوالي 550 حالة، تشكل المشاكل الأسرية وغياب الرقابة الوالدية عاملاً مشتركاً في معظمها، وقد أظهرت نتائج استطلاع للرأي أجرته هيئة تنمية المجتمع أخيراً أن 63% من المستطلعة آراؤهم ممن سبق لهم استخدام المخدرات أو مازالوا يستخدمونها، يعتبرون أن الهروب من المشاكل الأسرية هو ما دفعهم للإدمان، كما أرجع 64,8% من نفس العينة امتناعهم عن الاستفادة من العلاج وخدمات التأهيل إلى تخوفهم من اكتشاف الأهل، الأمر الذي يجعل مشكلتهم أكثر تعقيداً".
وعي الأسرة
وتابع: "يتطلب الحد من انتشار استخدام المخدرات وعلاج الحالات المتورطة، النظر في العديد من العوامل الاجتماعية والنفسية والتشريعية، ابتداء من تطوير وعي الأسرة والمجتمع حول ضرورة الحماية والرعاية الوقائية للأبناء، مروراً بأهمية تقبل المدمن وتقديم الدعم النفسي له ليتحرر من إدمانه، ووصولاً إلى ضرورة توفير خدمات صحية وتأهيلية على مستوى الدولة والمجتمع، تساعده على تخطي هذه المرحلة القاتمة من حياته وبدء صفحة جديدة، كلها عوامل متكاملة لا يمكن إغفال أي منها إذا ما أردنا فعلاً الوصول إلى مجتمع محصن من المخدرات وآثارها وعواقبها".
وشدد الكمدة، على أن التعامل مع الانحرافات السلوكية بشكل عام والمخدرات على وجه الخصوص يتطلب العمل بشكل متوازٍ على صعيد التوعية والوقاية من جهة، والعلاج والتأهيل من جهة أخرى، مبيناً أن استراتيجية عمل مركز عونك للتأهيل الاجتماعي للمدمنين التابع لهيئة تنمية المجتمع ترتكز على وضع برامج توعية وإرشاد تستهدف كافة شرائح المجتمع، وفي الوقت ذاته تحتضن المتعافين من الإدمان وتعمل على حل مشاكلهم الأسرية والنفسية والاجتماعية ليكونوا مؤهلين لبدء صفحة جديدة من حياتهم.
وقال: "يعتبر الخوف من المساءلة القانونية أحد أهم الأسباب التي تمنع المتعاطي من اللجوء للمساعدة، وتتطلب مساعدة المدمن على الخروج من هذه المحنة التأكيد على أنه سيعامل كمريض يطلب الشفاء وليس كمجرم، وتوعية أبناء المجتمع بخطورة النظرة السلبية تجاه من سبق له استخدام المخدرات والتي تعزز بشكل كبير من عزلته وتفاقم مشكلته، كما يجب أن تتسم ردة فعل الأهل بالاعتدال تجاه من يكتشف استخدامه للمخدرات وتقبل ذلك على أنه خطأ يرغب بالعودة عنه، وهو ما يساعده على بدء رحلة العلاج بثقة أكبر".
وأشار الكمدة إلى أن قانون مكافحة المواد المخدرة والمؤثرات العقلية الاتحادي رقم 14 لسنة 1995 ينص في مادته 42 على جواز إيداع الجاني احدى وحدات علاج الإدمان، وفي مادته 43 على أنه لا تقام دعوى جزائية على من تقدم للعلاج من تلقاء نفسه.
مسؤولية الأسرة والمؤسسات
وأضاف: "تجاهل المشكلة، أو التغافل عنها ليس في صالح المجتمع، وعلى الرغم من أن الأرقام حالياً لا تعتبر كبيرة ولا يمكن تصنيف المشكلة كظاهرة، لا سيما في مجتمع منفتح يضم عديد الثقافات والجنسيات، إلا أننا ندرك جيداً أن واقع الأرقام أكبر مما نعلم، وإذا لم يتم التأسيس بشكل جيد، علميا ومنهجيا لعلاج هذه الحالات والتعامل معها، فإن ذلك لن يؤدي فقط إلى تفاقم مشكلة المتعاطين بل وإلى انتشار أكبر في مشاكل الإدمان".
وتابع: "كل شاب وشابة عرضة للانحراف إذا ما توافرت العوامل المشجعة لذلك، ويتمتع الأبناء اليوم بحرية أكبر، فبين أسر تضغط على أبنائها بشكل كبير يدفعهم إلى اللجوء إلى عوالم افتراضية وأصدقاء سوء، وأسر أخرى تبالغ في تدليل أبنائها بحيث تترك لهم الحبل على الغارب بدون أي رقابة، يبقى الأبناء فريسة سهلة للانحراف، وهي مسؤولية الأسرة بشكل أساسي ومعها في ذلك المجتمع، وعليه فإنه يجب علينا كمجتمع وكمؤسسات مسؤولة عن تنمية المجتمع تحمل النتائج إذا لم نقم بدورنا في التوعية والتثقيف من جهة وفي احتواء الحالات التي تتعرض للانحراف وتأهيلها من جهة أخرى".
علاج طبي آمن
ويعتبر العلاج الطبي للمدمنين، لاسيما في حالة وجود أعراض انسحابية حادة، أحد التحديات التي يجب معالجتها، بحسب الكمدة، حيث يوجد في دبي مركز وحيد لذلك هو قسم إزالة السموم في مستشفى الأمل وسعته 14 سريرا.
وقال الدكتور حسين مسيح، خبير قطاع الرعاية الاجتماعية في هيئة تنمية المجتمع، ومدير مركز عونك بالإنابة: "في الوقت الذي تظهر فيه إحصاءات شرطة دبي بأن عدد حالات العنف التي استقبلها قسم الطوارئ في مستشفى راشد خلال النصف الأول من العام 2012، والتي تعود لأعراض إدمان، وصل إلى 158 حالة، فإن توفير مركز متخصص لاستقبال المدمنين، يتعامل معهم كمرضى، ويقدم لهم العلاج بشكل آمن دون تعريضهم لأي مساءلة قانونية وبقدرة استيعابية مناسبة، أمر هام جداً وضرورة حتمية لاسيما في ظل وجود آلاف المدمنين غير المسجلين يرتادون عيادات خاصة ولا يحصلون على علاج حقيقي".
»عونك« للتأهيل
كانت هيئة تنمية المجتمع بدبي، قد أطلقت خلال العام الجاري، مركز "عونك" للتأهيل الاجتماعي للمتعافين من الإدمان والمعرضين لخطر الإدمان، بهدف تقديم خدمات الرعاية اللاحقة للفئات المعرضة للخطر من جراء تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية، وذلك في إطار سعيها لمساعدة هذه الفئة على التخلص من المخدرات ومنع تطور التعاطي لديهم.
بالإضافة إلى نشر ثقافة الوعي بين الجمهور حول مخاطر الإدمان، ورفع مستوى الوعي لدى فئة الشباب حول مخاطر المخدرات والمؤثرات العقلية، ودعم أسر هؤلاء الأفراد من خلال برامج الدمج والرعاية الاجتماعية.
ويتخصص المركز في تقديم الرعاية اللاحقة للمتعافين من الإدمان، ممن مروا بمرحلة سحب السموم من الجسم ومرحلة التأهيل الأولية، ويقوم المركز بتوجيه المدمنين الراغبين بوقف التعاطي للجهات العلاجية والتأهيلية في المستشفيات.


