بين صخب الاحتفال والأغاني الحماسية التي ألهبت مشاعر الجمهور، وقف طفل في الخامسة من عمره يبكي، في القرية الفلسطينية احدى القرى المتواجدة في القرية العالمية بدبي، إلا أن بكاء الطفل المرير، لم يكن تأثرا بكلمات الأغاني التي أوقدت في أذهان الحاضرين الذكريات المؤلمة، لوطن لا تزال أرضه تغتصب، ويموت أطفاله وأبرياؤه كل يوم.
حالة الطفل الهستيرية أوقفتني على الفور من اندماجي في المشهد الغارق في التفاصيل، ووقفت محاولا الحديث معه دون جدوى منه لمعرفة سبب بكائه، فيما وبدون مبالغة، كانت دموعه تمتد من خديه الى كتفي قميصه في مشهد مؤلم، وحين أدركت وسط تلك الأحداث المتداخلة أنه وحيد ومن دون أهله، عرفت سر بكائه.
دقائق متواصلة وأنا أحاول الحديث مع الطفل علّي أفهم منه أين أضاع أمه، فيما تجمهر الجميع حوله وهو يصيح مناديا أمه، والجميع ينظر بعين الحيرة، وفيما أمسكته من يده لأخذه الى غرفة الأمن، بادرني أحد الموجودين بقوله "السوار، السوار في يده" ، ومن جديد اعتلت الحيرة وجهي فأدرك هو أني لم أفهم، فكشف كم الطفل وبانت على ذراعه أسورة بلاستيكية تحمل اسمه واسم ذويه ورقم هاتفهم.
دون أدنى تفكير اتصلنا بالرقم لترد الأم بذات الهلع الذي أصاب ابنها، ولم تكن بعيدة أبدا عن المكان، الا أنهما كانا يبحثان كلاهما عن الآخر في زاوية مختلفة في الزحام نفسه، فوصلت خلال دقيقتين الى حيث نقف واخذت طفلها بين ذراعيها وانطلقت لا تريد مشاهدة شيء بعدما سيطر الخوف عليهما وحرمهما متعة اللحظة.
انتهى الموقف على خير لا شك، لكن وربما لأني لم أدخل القرية بصحبة أي طفل من قبل، لم اكن اعرف حكاية السوار البلاستيكي، الا أن الأمر استوقفني وأثار اعجابي بالفعل رغم بساطة الفكرة، وعمق مضمونها في الوقت ذاته.
وبالتواصل مع ادارة القرية العالمية، أفادت بأن الأمر ليس بالجديد بل يتم اتباعه منذ سنوات عدة نظرا لكبر مساحة القرية، واحتمال ضياع الأطفال وسط الزحام، على الرغم من حرص أهاليهم، الا أنهم غالبا ما يلفتهم مشهد، أو مهرج، أو بائع بالونات، أو آخر يبيع الحلوى، وفي لحظات يبتعد فيها عن أهله، وتبدأ الحكاية، لذلك يتم توزيع تلك الأساور المجانية عند كل نقاط الدخول في القرية، لتحمل اسم الطفل ورقم هاتف للتواصل مع ذويه في حال ضياعه.
وعلمنا من القرية أنه يتم توزيع ما يقارب 10 آلاف اسورة تعريفية على الأطفال يوميا، ومنذ افتتاح القرية في اكتوبر الماضي الى الآن، تم توزيع ما يقارب 450 ألف اسورة تعريفية، اضافة الى قيام القرية بتجهيز ما يقارب 900 ألف اسورة تقريبا في كل موسم، وتتم زيادة العدد عند الضرورة، بالإضافة الى توفير غرفة خاصة لخدمة "الأمين" التابعة للقيادة العامة لشرطة دبي، للاعتناء بالأطفال التائهين لحين وصول أهاليهم.
بساطة الفكرة لا تعني عدم عمقها وأهميتها، بل تدعو الجميع الى الانتباه لنقاط توزيع تلك الأساور التعريفية عند الدخول، ليتمكنوا من قضاء وقت ممتع بعيدا عن التوتر، بالإضافة الى امكانية تعميم الفكرة على مختلف الأماكن الترفيهية الكبرى.