أنعشت التواصل واسترجعت شريط الذكريات

أجهزة «الحداثة» تجدد الزمن الجميل

صورة

ألا ليت «الزمن الجميل»، يعود يوماً، حيث الترابط والتواصل سمةالمجتمع وسلوك الجميع، كان ذلك قبل عقدين على الأقل، وكانت الحسرة على تلك الأيام في أشدها حتى سنوات قليلة ماضية، وبالفعل كان الكثيرون في معزل عن الآخرين.

لسان حال الواقع يقول «اللهم أسألك نفسي»، فالجار لا يعرف جيرانه، ونادراً ما يتذكر صديقٌ صديقه، وقليلاً ما يتواصل شخص مع آخر، إلا في مناسبات رسمية محددة.. تلك كانت سنوات «الجفاء الاجتماعي» إن صح التعبير. انتهت منذ سنة أو اثنتين، أو بالأحرى انتقلت ملامحها إلى فضاء مفتوح أكثر إيجابية، هكذا يبدو المشهد.

الفضل هنا يعود إلى وسائل التواصل والتقنيات الحديثة والهواتف المحمولة الذكية، والبرامج الإلكترونية المتطورة، التي لا تستثني أحداً في الإمارات وحتى في دول المنطقة، إلا ما ندر.. إنه عصر الذكاء وسهولة التواصل، والصفحات المكشوفة، والخصوصيات «العامة»، فيه التواصل لا ينقطع، والمعلومة طازجة، والأسماء تتعارف، وقدامى الأصدقاء يعودون إلى مائدة الحضور بكبسة زر.

تجديد العلاقات

ذلك ما يؤكده مشعل محمد المرزوقي، الذي أضاف: إن عصر التقنية والذكاء الإلكتروني، استعاد ملامح اجتماعية كثيرة جميلة ومحفزة، فاليوم صار بإمكان أي شخص أن يجدد علاقاته مع أسماء مرت في حياته بسهولة ويسر، يجده حاضراً حتماً في «تويتر» أو «فيسبوك» أو «انستغرام» أو في سواها من البرامج التي تطول ولا تتوقف عند حد من الذكاء والسهولة، وتساءل المرزوقي: ماذا سيكون بعد 10 سنوات؟! وكيف ستصبح حياتنا في ظل ما ننعم به من تقنيات وأدوات تعيد التواصل مع الآخرين بأقل جهد ممكن، بالتأكيد ستكون الأجواء أكثر إيجابية، وإن شابها بعض السلبيات.

وأوضح أن وسائل التقنية المتعددة أتاحت فرص التواصل مع شرائح واسعة من المجتمع، ومن دون كلفة مادية كبيرة، فأصبح البعيد قريباً، وصارت الحياة أكثر متعة بفعل حالة التواصل الاجتماعية التي نحياها في ظل البرامج التقنية والمواقع الاجتماعية الكثيرة، وهناك نماذج كثيرة من المجتمع وحتى الحكومة والقيادة، استفادت واستغلت بإيجابية ملموسة هذه الملامح الذكية، واختصرت بها الكثير من الوقت والجهد.

وقال خالد بالهول: إن التقنيات التي بحوزتنا جعلتنا على اطلاع بتفاصيل شخصية كثيرة من خلال إلقاء نظرة فقط على تحديثات الآخرين عبر الموبايل، وتلك سمة أتت على الخصوصية نسبياً، فبرامج التواصل المختلفة تقدم تفاصيل دقيقة عن الأشخاص مثل الوقت والاتصال والمكان وأي حركة يقوم بها، وهذه الميزة ربما تسهل على الزوجات مهمة مراقبة الأزواج وكشف ما إن كانوا يكذبون عليهن، وهناك نماذج من الزوجات تستغل فرص المراقبة السهلة لحركات زوجها عبر الموبايل وتحديثاته ومن خلال الـ «لايكات» في (تويتر أو فيسبوك أو انستغرام) وما تبقى.

وأشار بالهول إلى أن المشكلة الوحيدة في التقنيات والبرامج ومواقع التواصل، تكمن في «الإزعاج الاجتماعي» إن صح التعبير، وذلك مرهون بطول قائمة المضافين ونوعية الأصدقاء، وهنا الشخص مطالب بالرد على رسائل أو مكالمات الآخرين لأنه مكشوف أمامهم بتحديثاته، هذه سلبية شخصية، لكنها إيجابية في التواصل، والحقيقة المؤكدة أن هذه الطفرة في وسائل التقنية الذكية أحدثت الفارق في التواصل مع الآخرين، إذ لا أحد اليوم في دولة الإمارات لا يمتلك جهازاً ذكياً لا يأخذه إلى الانترنت بكبسة زر.

حدود الجغرافيا

محمد جيتاوي أكد أنه استفاد كثيراً من البرامج والمواقع الاجتماعية التي أصبحت الشغل الشاغل للكبار والصغار في الإمارات وفي معظم دول العالم، والتي ساعدته على استعادة أسماء وأصدقاء له، وإنعاش ملامح التواصل معهم بعد أن تقطعت بهم السبل بحكم ظروف العمل والغربة والسفر، مشيراً إلى أنه يمتلك حسابات على «فيسبوك وتويتر وإنستغرام»، ناهيك عن برامج الاتصال بالفيديو عبر الموبايلات الذكية، ومن خلالها يتواصل محمد مع عشرات الأصدقاء في بلده الأم وفي دول أخرى حول العالم، فتمر الساعات وكأنهم معاً.

هذا أصبح واقعاً، بعد أن بات جيتاوي شبه متيقن خلال سنوات قريبة ماضية، في استحالة التواصل مع أناس شغلتهم ظروف الحياة وفصلت بينهم حدود الجغرافيا.

أما عفراء الماجد فقد أوضحت أن التقنيات الذكية ووسائل التواصل الكثيرة المتاحة للجميع هذه الأيام، جعلت حياتنا أكثر انكشافاً على الآخرين، وتغلغلت نسبياً في الخصوصيات، لكنها تركت إيجابيات كثيرة، منها سهولة التواصل والاتصال مع شريحة واسعة من المجتمع والأهل والأصدقاء، وبأقل الإمكانات، لافتة إلى أننا في عصر متطور كل يوم، وهو يختلف في تفاصيله كافة، ومن الصعب على أي كان أن ينعزل بعيداً عن هذه الوسائل والأدوات التقنية الذكية، ولكن الأهم في ذلك أن نعرف كيف نستخدمها، ولماذا، حتى نظل في مأمن نسبي من عبث الآخرين.

 

متاهات جديدة

رغم الإيجابيات الكبيرة التي حققتها وسائل التواصل الحديثة، والبرامج الذكية الكثيرة، خاصة في مجال التواصل واستعادة شيء من العلاقات الاجتماعية، وإن كانت بصورة غير تقليدية، إلا أن هذا الانفتاح ترك في طرف مقابل بعض الفضول السلبي والتعدي على الخصوصية، من خلال زخم الرسائل والاتصالات، فأغلب هذه المواقع والرامج تتيح للمشتركين فيها معرفة تفاصيل الآخرين اليومية، من لحظة فتح الجهاز والدخول على الشبكة والقيام بفعل ما، وقراءة الرسائل، أو حتى رؤية الاتصال الوارد، وبالتالي صارت حياتنا أكثير انكشافاً للآخرين، وصار لزاماً على الصديق أن يستجيب، وإلا دخلنا في متاهات جديدة، كالزعل والعتاب والمقاطعة. تلك بعض الملامح السلبية التي أجمع عليها المستطلعون.

 

 

محتويات الأجهزة الذكية عرضة للعبث

 

 

حذّر مختصون في تكنولوجيا المعلومات، المتعاملين مع الموبايلات الذكية لاسيما في أنظمة «أندرويد»، و«آي فون» بمسمى «آي كلاود»، من أن هذه الأجهزة وبمجرد تشغيلها لتحميل البرامج، تجدها تطلب منك: (هل تريد الاحتفاظ بنسخة إضافية؟) لكافة المعلومات والصور المتوفرة على جهازك.

وهذه النسخة كما توضح رشا أحمد الخبيرة في الشؤون التقنية، تُحفظ على «سيرفر غوغل» العالمي، وهي عرضة للاختراق والاطلاع عليها من أشخاص عابثين، مؤكدة أن الأشخاص العاديين لا يدركون خطورة هذه المسألة، وبمجرد رؤية إشعار هذه الخدمة من الأجهزة الذكية تجدهم يوافقون على الطلب، بنية ألا يفقدوا بياناتهم وصورهم وأرقامهم في حال التلف أو حدوث أي طارئ، ولكن المسألة محكومة بأخطار أخرى.

وفي موازاة ذلك أكدت التقارير العالمية الحديثة، أن عدد الهجمات التي تستهدف الهواتف الذكية المنتشرة في العالم، بلغ أعلى مستوياته. ونمت البرامج الخبيثة في الأجهزة الذكية بمعدل 614% خلال الفترة من 2012 إلى 2013، بزيادة 155% بالمقارنة مع العام الماضي.

وشددت رشا أحمد على ضرورة تطبيق الإجراءات الوقائية المعتمدة بالنسبة لمستخدمي الهواتف الذكية، مثل استخدام كلمات المرور وحفظ نسخ احتياطية للملفات الموجودة في أجهزتهم، مع أهمية وجود برامج حماية وتطبيقات غير مقلدة، على الهواتف الذكية الموصولة مع الإنترنت.

وقالت إن بعض الأشخاص يعبثون بخصوصياتهم دون أن يدركوا السلبيات والأخطار التي تتربص بهم، مثل إضافة أسماء أو أصدقاء غير معروفين إلى قوائم المحادثة عبر الموبايل أو جهاز الحاسب الآلي، أو تحميل برامج من الإنترنت دون التأكد من سلامتها، أو الولوج إلى مواقع غير موثوقة عبر الموبايل تحديداً، ومثل هذه الممارسات قد تقود إلى تسهيل مهمة اختراق الجهاز من قبل "الهاكرز" وسرقة البيانات أو المحتويات، أو إلى تعطيل عمل الجهاز بحكم الفيروسات المنتشرة بكثافة في الفضاء المفتوح.

 

 

 

الحفاظ على اللُحمة الاجتماعية

 

بكل سهولة وجدارة، تمكنت برامج الموبايلات الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي الكثيرة، من إعادة اللحمة الاجتماعية بين الناس على حد تعبير الناشطة المجتمعية والتطوعية بدرية محمد مطر، مضيفة: إن هذه التقنيات وجدت لتسهل على الناس حياتهم ولتقدم خدمات عملية تختصر الكثير من الوقت والجهد وحتى المال، وكثيرون سواء كانوا أشخاصاً عاديين أو أصحاب مصالح وأفكار تجارية، أو قادة ومسؤولين، استفادوا فعلياً من هذه الإمكانات التقنية، وحققوا مكاسب مادية واجتماعية وسياسية أيضاً.

منصة ثرية

وشخصياً أوضحت بدرية مطر أنها تتابع تفاصيل كثيرة من الحياة اليومية للمجتمع الإماراتي عبر «تويتر» وسواه من المواقع، وتجد فيها منصة حقيقية للتفاعل وإثراء المعرفة لدى الآخرين، فهي ذات فائدة كبيرة ولا بد من النظر إليها من هذه الزاوية، مشيرة إلى قدرة هذه المواقع على فعل الأثر الإيجابي في المجتمع، وتأكيد ملامح التواصل الإيجابي والمحمود بين شرائح المجتمع المختلفة، رغم توفر أرضية زلقة إلى عالم السلبية والخطورة المتمثل في أشخاص أو مواقع غير مقبولة، خاصة بالنسبة للصغار والمراهقين، الذين يدخلون إلى عالم شاسع بكبسة زر وفي غفلة عين، وهنا وجبت الرقابة بمعنى الكلمة.

100 %

أما أحمد لطفي أستاذ تكنولوجيا المعلومات، فأضاف: إننا جزء من هذا العالم الحديث، وبالتالي نحن عرضة لبرامج عملية وسهلة الاستخدام، والوسائل الذكية تلك متداولة بين أيدي شرائح المجتمع كافة بنسبة ربما تصل إلى 100%، وقد تركت حالة من التفاعل والتواصل الإيجابي على أكثر من صعيد، واحدة من هذه الفوائد يجنيها المجتمع التربوي الذي بات بمعلميه وطلبته على الأقل، يعيش حالة من التعليم المتواصل خارج أسوار المدرسة، والتجارب المعبرة عن ذلك المشهد موجودة في بعض مدارسنا، رغم حداثة الطفرة التقنية الذكية.

الرأس والشيطان

وأشار لطفي إلى أن النسبة الأكبر التي تتعلق بهذه المسميات التقنية، سواء كانت أجهزة ذكية أو مواقع تواصل أو برامج تقنية متطورة، هي من الطلبة والمراهقين بشكل عام، الذين يقضون ساعات طويلة في هذا المضمار، لأنه كما يقال: «الطالب رأسه فاضي»، مضيفاً: إنه من الواجب أخذ المراهقين إلى جوانب تطبيقية عملية مجدية لشغل أوقاتهم المهدورة في حضرة التقنيات، لأنه قيل أيضاً وتلك حقيقة مؤكدة: «مَنْ لا يعرف يتجه إلى الشيطان».

وجدير بنا ألا نترك أبناءنا بلا إنجاز وهم على هذا النحو من التعلق والتميز والإدمان على وسائل التكنولوجيا وأجهزة التقنية المتطورة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات