اليوم؛ وبعد أن تداخلت المتغيرات وتزاحمت الاجتهادات في ثنايا «سوادها»، بات الجميع يردد حقيقة غالبة، وهي أن «العباية» خرجت نسبياً عن سياقها الإماراتي التقليدي بذات القيمة الاجتماعية والمكانة المحتشمة والزي الساتر، حينما طالتها يد الحداثة، وبطشت بها محدثات العصر. تلك هي الملامح التي وُجدت وعرفت بها العباءة قديماً.. وللإنصاف لا تزال هذه السمات متشحة بتفاصيل العباءات المتوارثة جيلاً بعد جيل في مناطق كثيرة من الدولة، وكأنها وسام فخر.

«العباية» بالتعبير الشعبي الواسع، أو العباءة بالعربية الفصيحة، لا تعدو عن كونها قطعة قماش، كانت ولا تزال مثار تداول، بالنظر إلى القيمة الاجتماعية والمادية والنفسية التي تحدثها في المحيط الاجتماعي، وكأنها «فأر تجارب» تخضع كل فترة إلى تغيير في الشكل والمضمون.. من عباءة الرأس المحتشمة، إلى الفراشة، فالملونة، ثم ذات القطع المختلفة (التول، ولينين، ودانتيل)، حتى جاءت «أم الحزام»، وبعدها عباءات الكريستال والقطع اللامعة.

حقائق وشواهد

اليوم أيضاً، بحسب شهادات نساء يرتدينها، تجد عباءات بقيمة تتجاوز خمسة آلاف درهم، وتسمع عن سيدة تشتري 10 عباءات في مناسبة العيد فقط، وتعرف أيضاً أن العباءة تعدت حدود الصين وأوروبا في القيمة والشكل والتصنيع، وأهم من ذلك كله، تدرك بفخر أن نساء الإمارات، بصورة شبه مطلقة، يرتدين بكل ثقة، عباءات موقعة بتصاميم إماراتيات، يجدنها منشورة على صفحات «انستغرام».. ولسان حال الجميع يؤكد (وداعاً عبايات أبوهيل وعباية مول وسواها). وفي السطور التالية نتعرف على المزيد.

خلود الصوالحة أوضحت أن العباءة كانت ولا تزال رمزاً تفخر به المرأة العربية المسلمة أينما تواجدت. ورغم تعدد المسميات يبقى الوصف ذاته وهو غطاء يستر الجسد، ولأن دوام الحال من المحال، لم تسلم العباءة من التغيير، وهي التي تغنى الشعراء بسوادها ووصفت المرأة من خلالها بأجمل الأوصاف، وعبر السنوات ظلت العباءة تحجز متسعاً من دولاب كل سيدة في منطقة الخليج خاصة.

سوق مشتعل

وأشارت إلى أن العباءة تغيرت وتبدلت في صورها وأصبحت تتماشى مع آخر صيحات الموضة فخرجت عن وقارها. ولأن لكل مقام مقالاً أصبح لكل طبقة من المجتمع علامة تجارية ترضيها، إذ يصل سعر بعضها إلى أكثر من خمسة آلاف درهم، وهو ما يعادل معاش موظف بسيط، لافتة إلى أن عباءات (d.a.s) لا تزال الأكثر شهرة، خاصة بعد عرضها في محلات «هارودز» في لندن، ولا يختلف اثنان على جودة خاماتها وأناقتها.

وأضافت خلود: هذه الأيام أصبح سوق التنافس مشتعلاً إماراتياً، إذ تتنافس عشرات بل مئات المصممات الإماراتيات «انستجرامياً» للحصول على أكبر عدد من المتابعات والمعجبات ببصماتهن التجميلية للعباءة، وكثيرات اليوم يطمحن من خلال هذه البداية الإلكترونية إلى إيجاد «بوتيك» يجمع علاماتها التجارية. ولم يعد (أبو هيل وعباية مول) وسواهما من الأسواق، يسترعي انتباه الشابات لحرصهن على التفرد والتميز بالتصميم واللبس، ما يؤكد أن للمرأة الخليجية ذوقاً رفيع المستوى وحساً عالياً في التصميم، من خلال قدرتهن على إدراج آخر خطوط الموضة في تصميم العباءة.

مصممة لكل عائلة

وأكدت فاطمة الحمادي أن فتيات الإمارات اليوم يتصدرن المشهد في تصميم العباءات، لدرجة أصبح في كل عائلة مصممة، وهناك معلمات في المدارس يمتهن هذه الحرفة في بيوتهن، والجميع كما تؤكد الحمادي يحرصن على عرض أفكارهن وتصاميمهن من خلال وسائل التواصل الحديثة، خاصة في «انستغرام»، مع التأكيد أن العباءة أصبحت محط أنظار الجميع في التفرد والتميز، من عمر 12 عاماً وحتى الخمسينات، ومن كافة الجنسيات، والسيدات العربيات رفعن سقف المنافسة في هذا الحقل، والجميع ينفق آلاف الدراهم شهرياً من أجل عباءة مميزة، وبالمناسبة فإن متوسط تكلفة العباءة الواحدة المصممة إماراتياً لا يزيد على 300 درهم، لكن توقيع المصممة واسمها يجعلها تباع بألف درهم وأكثر.

سيدات الأربعين

حوراء حسن أضافت أن سيدات الأربعين يحرصن على التميز أكثر من فتيات العشرين، فالمهم أن تظهر كل امرأة بموديل جديد وفكرة مبتكرة وشكل مميز، حتى أصبحت المناسبات لدينا وكأنها عروض أزياء، مع التأكيد أن سعر العباءة يرتفع أكثر إذا كانت لمناسبة زواج أو أعياد أو سواها، وفي المجمل تجد المرأة ضالتها في عباءات من تصميم إماراتي الشكل، ولكن التنفيذ غالباً يكون لخياط آسيوي، أما الفارق فيكون من نصيب صاحبة «اللوغو» والرسم، وهناك مصممات حوّلن بيوتهن إلى معارض لعباءات من كافة الأشكال والألوان..

 واختتمت حوراء: مهما كانت العباءة، فهي لن تمنح صاحبتها ثقة صعود الدرج الكهربائي دون خوف نسوي معهود، وغالبية النساء يكرهن صعود الدرج الكهربائي خوفاً على العباءة، لأن الدرج كما تقول «عدو العباية» الأول، وكثيرة هي المواقف المحرجة التي راحت ضحيتها عباءات فخمة.

وقالت إيمان نجار إنها تقدر العباءة وتهتم بتفاصيلها الأنيقة، مؤكدة أنها لم تعهد في السابق ارتداءها، لكنها اليوم لا تخرج إلا بالعباءة، لأنها كما تقول أكثر أناقة وأفضل ستراً، موضحة أن التطور الحاصل في العباءات أضاف لها قيمة جمالية أخرى، وأصبحت العباءة محط أنظار سيدات كثيرات على امتداد العالم العربي، وهي في النهاية زي إماراتي وخليجي وعربي بامتياز، والفضل في انتشارها يرجع أولاً وأخيراً إلى الحشمة التي توفرها.

«هاي كواليتي»

أوضحت منال خالد أن الفتيات هذه الأيام يبحثن بإصرار وقناعة، عن مصممات إماراتيات، ونماذج نسوية مبدعة في الرسم والتخطيط، ويا حبذا من لديها دار أزياء، بعيداً عن قناعات السنوات الماضية في الشراء من أسواق شعبية معروفة، وهناك أمهات امتهن التصميم والابتكار بأفكار عصرية، ومنتجاتهن «هاي كوالتي»، وفي المتوسط فإن أسعار العباءات المصممة بأيد إماراتية تتراوح بين 500 و3000 درهم، وقليلا ما يزيد، مشيرة إلى عباءات أخرى ذات خامات مميزة، لا تزال تحظى بثقة السيدات، وهي المزودة بفصوص «سوارافيسكي» اللامعة التي تشبه الكريستال، وتلك متوفرة في بعض المحال المتخصصة في المولات.

 للعباءة لمسة تراثية وقيمة دينية

اعتبرت بدرية محمد مطر الناشطة في المجال التطوعي والإنساني، أن للعباءة قيمة تاريخية ودينية وعادة متوارثة منذ القدم، ورغم سعادتها بالإنجاز الذي حققته المواطنات في تصميم العباءات، إلا أنها تأمل بأن تستعيد المصممات شيئاً من العادات والتقاليد الواجبة في العباءة الساترة.

وأشارت إلى أن حريم الماضي عُرفن بارتداء كل زينتهن من اللباس وإخفائها أسفل (العبايات)، وبقيت العباءة مجرد ثوب تقليدي وعلامة حشمة وستر، وفي المكان المناسب تخلع النسوة عباءاتهن، وتبقى الأناقة حاضرة في ما يرتدينه من زينة.

وتطرقت مطر إلى مشكلة أخرى في «العبايات» تتعلق بالمحال المختصة بخياطتها وتفصيلها، والتي في غالبها تخضع لإدارة رجالية مطلقة، وفي أجواء بعيدة نسبياً عن الرقابة التي تؤمن للمرأة الثقة والحشمة في اختيار ما يناسبها.

واقترحت بدرية على المصممات المواطنات، أن يبادرن في تصاميم مختلفة تناسب المواقف الحياتية والمهنية، مثلاً أن تكون هناك عباءات لطالبات الجامعات وفق اشتراطات موحدة، وأخرى للأعراس والمناسبات، مع التأكيد على مفهوم الحشمة في كل هذه الأصناف، لأن العباءة فكرة متوارثة مجتمعياً وهي مرآة تعكس عادات وتقاليد سامية.

 

التصاميم الحديثة تلفت الأنظار

التربوية فتحية الزرعوني، أوضحت أن كثيراً من عباءات هذه الأيام أصبحت مجرد أشكال تتنافس للفت الأنظار، وقد خرجت عن قيمتها المجتمعية، وتجاوزت مفهوم الستر والحشمة، مشيرة إلى وجود أشكال مضحكة حقاً لعباءات كثيرة، منها الفاضحة وأخرى ملونة ومزركشة، وهذه لا تصلح لأن تسمى عباءة، لأن المسمى أسمى بكثير بفعل القيمة والتاريخ والمكانة المتوارثة.

وأكدت أنها تعرف سيدات ينفقن ما قيمته 10 آلاف درهم شهرياً لشراء العباءات من ماركات محددة، وتوجد سيدات تشتري أسبوعياً 5 عباءات، وفي العيد مثلاً هناك امرأة اشترت 10 عباءات ترتدي واحدة كل يوم وفي كل زيارة، وهناك من تدفع 3 أو 5 آلاف درهم لتفصيل واحدة في مناسبة معينة، مثل حفلات الزواج أو الأعياد، والعباءة العادية للمرأة العادية صارت بحدود ألف درهم تقريباً، وهي قيمة مبالغ فيها كثيراً.

توقيع و«لوغو»

وأشارت الزرعوني إلى أن القيمة المبالغ فيها لعباءات اليوم، ترجع إلى الفكر التنافسي في التصميم، وفي هذا الإطار فقد تفوقت الأيدي الإماراتية في إنجاز الأفكار والتصاميم المختلفة للعباءات، وبالتالي الظفر بنصيب أوفر من الزبائن، وزيادة نسبة المبيعات، وتحقيق الكسب المادي الذي يفوق التصور لدى البعض، كل ذلك بفعل توقيع و«لوغو» المصممة على طرف العباءة، وهو ما يعني الثقة والطمأنينة للولوج إلى مجتمع السيدات بعباءة رفيعة المستوى، مع الإشارة إلى أن الرؤية والتصميم إماراتيان، لكن التفصيل آسيوي بالطبع.

خياط آسيوي

استكمالاً للفكرة، وجدنا آسيوياً يعمل في مجال التفصيل، ويدعى سفير، وهو صاحب محل للعباءات في الشارقة، الذي أضاف أن العباءات المصنوعة مسبقاً لم تعد ذات قيمة بالنسبة للمرأة الخليجية أو العربية، وحتى الآسيوية، فمعايير السوق اختلفت كثيراً، وقد برزت أفكار جديدة وتصاميم كثيرة لسيدات إماراتيات امتهن هذه الحرفة في البيوت أو من خلال محيطهن الاجتماعي، وأصبح دور المحال المتوفرة في السوق هو الخياطة وحسب، مع الإشارة إلى أن نوع القماش المستخدم في العباءة هو واحد ووحيد في معظم محال الخياطة، وقماش «ندى» هو الأكثر مبيعاً.

أكثر من ذلك، كشف سفير عن نهج ذكي تتبعه بعض النساء العربيات هذه الأيام، اللواتي يأتين بصورة لعباءة راقية، إما من دور العرض العالمية أو الماركات العالمية، أو من مواقع الإنترنت، أو ربما من العباءات المتوفرة صورها على «انستغرام» المصممات الإماراتيات، وهؤلاء السيدات يطلبن منا خياطة عباءات لهن وفقاً للشكل المصور تماماً، وجل ما يدفعنه لا يتجاوز المئتين أو ثلاثمائة درهم فقط، وتلك حكاية أخرى من قاموس العباءات الذي لا تنتهي فصوله.