قالت اللجنة المؤقتة لمناقشة موضوع التوطين في القطاع الحكومي والخاص في المجلس الوطني الاتحادي إن قضية التوطين ما زالت تتفاعل وبسلبيات كرست الاختلالات الهيكلية في سوق العمل بالدولة، ما أدى إلى زيادة معدلات البطالة إلى نسب غير مسبوقة تخطت أحياناً 15 % من القوى العاملة المواطنة، في وقت يشكل الوافدون ما نسبته 88 % من سكانها، ما يستلزم إعادة النظر والبحث عن مخارج جديدة لعلاج اختلالات سوق العمل، والتي ستتحول إلى أزمة حقيقية خلال الأعوام المقبلة.

موضحة أنه إذا كان عدد العاطلين عن العمل قد جاوز 30 ألف مواطن في 2012، إلا أن الداخلين الجدد لسوق العمل حتى عام 2020 سيصل إلى 150 ألف مواطن وأن إجمالي القوى العاملة بحلول 2020 سيصل إلى 405 آلاف مواطن، في حين أن العاملين حتى الآن لا يتجاوز 225 ألف مواطن.

وقالت اللجنة في الرؤية الاستراتيجية المقترحة للمجلس الوطني الاتحادي للتعامل مع قضية التوطين، والتي أعدتها اللجنة وسيناقشها المجلس في جلسته الثانية من دور الانعقاد العادي الثالث التي يعقدها الثلاثاء المقبل، إن مفهوم التوطين لا يعني قصر العمل على المواطنين والتخلص من العمالة والخبرات الأجنبية لإدراك المجلس بأن التوطين هو أحد جناحي معادلة صعبة ومركبة في خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

مشيرة إلى أن التوطين لن يتم بقرارات إدارة أو مبادرات متجزئة أو برامج عمل لا تراعي احتياجات الدولة من العمالة الأجنبية الوافدة التي لا يمكن أن نتجاهل تأثيرها الحقيقي في متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

رؤية

وقال المجلس الوطني الاتحادي، في رؤيته الاستراتيجية، إنه إدراكاً لسمات المجتمع الإماراتي فإنه يرى أن المفهوم العام للتوطين يعني ضمان فرص العمل لجميع مواطني الدولة في القطاعين العام والخاص من خلال التوظيف المباشر للمواطنين، وتحديداً هو الإحلال الوظيفي لغير المواطنين على أنه الإحلال التدريجي للعمالة المواطنة محل العمالة غير المواطنة، ضمن خطط وطنية قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، على أن تتضمن هذه الخطط الإعداد الكافي للموظف المواطن، من خلال التأهيل والتعليم والتدريب المستمر كعناصر أساسية في قرار وتنفيذ سياسة الإحلال.

وأفاد المجلس بأن التوطين يجب أن يرتكز على ثلاثة عناصر أساسية، هي توجيه مخرجات التعليم لتأمين احتياجات مؤسسات الدولة من العمالة الوطنية، وتهيئة التدريب اللازم لاكتساب الخبرات والكفاءات المهنية والاستحقاق في العمل لدى مؤسسات الدولة، ووضع فترات زمنية محددة " 5 أو 7 أو 10 سنوات" لتحقيق متطلبات التوطين.

ودعا المجلس إلى إعادة النظر في استراتيجيات عمل التوطين التي تقاس بمعيار كمي، هو عدد المواطنين العاملين في مؤسسات الدولة الحكومية والخاصة، في حين أن تجارب التوطين الدولية تؤكد على أولوية المعيار النوعي على المعيار الكمي، فالأول يهتم بالإسهام الفعال في هيكلية وإنتاجية مؤسسات الدولة.

مفهوم

وتبنى المجلس مفهوم "توطين المعرفة"، "الاقتصاد المعرفي"، باعتباره المدخل الحقيقي لتوطين المواطن في الوظيفة، وأن البداية الحقيقة لتطبيق ذلك المفهوم يتطلب مشاركة جميع الأطراف في إعداد خطط وتصورات التوطين، مشيراً إلى أنه لا يمكن أن نلقي بتبعة التوطين على وزارة العمل وحدها أو بعض مؤسسات الدولة الحكومية أو القطاع الخاص، فمثل هذا النوع من السياسات والخطط لن يفضي إلى أي علاجات مؤقتة تعتمد على معيار عدد الوظائف وليس نوعية الوظائف.

وأوضح المجلس أنه إذا ما قدرنا وفق النسب الرسمية أن وظائف القطاع الحكومي الاتحادي القابلة للتوطين لا تتعدى 2000 وظيفة سنوياً، وأن وتيرة نمو إجمالي القوى العاملة الوطنية تقدر بنحو 15 ألف وظيفة كمتوسط سنوي من "2011 2020"، ونحو 20 ألف وظيفية كمتوسط سنوي خلال الفترة من "2021 2030"، فهل يمكن لأي قرار سياسي أن يجعل القطاع الحكومي قادراً على استيعاب هذه الأعداد المتزايدة، وحتى إذا قدر للقطاع الحكومي على المدى القصير بقرارات سياسية أن يستوعب ضعف ما هو متاح حالياً 2000 وظيفة سنوياً، حسب الهيكلة الاتحادية للموارد البشرية الوطنية، فإن ذلك سيعني أن السوق الوطنية ما زالت بها 11 ألف متعطل عن العمل حتى 2020.

بديل

وأضاف المجلس في رؤيته الاستراتيجية أننا إذا ما أخذنا البديل الثاني، وهو توجيه هذه الأعداد المتعطلة عن العمل للقطاع الخاص، فإننا سنواجه ثلاث مشاكل، الأولى الفوارق الحادة بين الأجور في القطاع الحكومي عنها في القطاع الخاص، التي ترتب عليها أن المواطنين ينظرون إلى وظائف القطاع الخاص على أنها فرصة عمل مؤقتة لحين الالتحاق بالقطاع الحكومي، وهذا ما أدى إلى أنه في عام 2012 فإن نسبة الذين تقدموا باستقالاتهم من القطاع المصرفي بلغت 19 %، ومن شركات التأمين 25 %، ومن شركات الصرافة 16.7 %، ومن شركات التمويل 9.2 %.

مشيراً إلى أنه إذا كان متوسط أجر الجامعي في الحكومة الاتحادية وفي أبوظبي يبلغ نحو 17 ألفاً و500 درهم، فإن متوسط الأجر في القطاع الخاص في الإمارات الشمالية يصل إلى 4248 درهماً، وفي دبي والإمارات الشمالية 8074 درهماً، الأمر الذي يطرح تساؤلاً عن آليات ردم الفجوة بين القطاعين الحكومي والخاص، والمشكلة الثانية سياسة الاستقدام المفتوح التي تؤدي إلى إغراق السوق بالعمالة الوافدة متدنية الأجور، والثالثة عدم خضوع المناطق الحرة لخطط وسياسات التوطين في الدولة، الأمر الذي جعل القطاع الخاص لا يستوعب إلا 0.5 % من المواطنين، فعلى مدى 40 عاماً، فإن المشاركة في القطاع الخاص لم تتعد 20 ألف مواطن، ما يتطلب إعادة النظر برؤية جديدة للتوطين في القطاع الخاص.

وأشار المجلس إلى أن أولويات التركيز على تنمية الموارد البشرية يعد متطلباً حيوياً للأمن الوطني في أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، فالاستعانة بالعمالة الوافدة لسد متطلبات التنمية الاقتصادية، ينبغي أن يكون في إطار الإجراء المؤقت لحين توفر الموارد البشرية الوطنية المؤهلة لأن تحل بصورة تدريجية محل العمالة الوافدة.

نمو

وأوضح المجلس أن النمو المطرد في أعداد العمال الوافدة وسيطرتها على 82 % من العمليات الفنية والنوعية في مختلف قطاعات الدولة، يتطلب الاتفاق على ثمة محددات معينة وفق أسس منهجية وعلمية متكاملة، تكون غايتها المحافظة المستمرة على توظيف كامل للقوى العاملة الوطنية، ورفع نسب مشاركة العمالة الوطنية في قوة العمل والارتقاء بإنتاجية المواطنين كفاءة وتأهيلاً وإعداداً والسيطرة على المعدلات المتزايدة للبطالة في المدى القصير ووضع برامج وخطط للقضاء على البطالة في الفترات المتوسطة والطويلة الأجل.

وأكد المجلس أن السير نحو تحقيق هذه المحددات يتطلب بداية أن نركز على أن التوطين لن يتم حله من خلال تشريعات أو قرارات إدارية فحسب، لأن ذلك لا يوفر حلاً منهجياً لمشكلة التوطين، بل إنه قد يؤدي إلى ردود فعل سلبية على معطيات التنمية الاقتصادية في البلاد.

 

محددات

قال المجلس الوطني الاتحادي إن طبيعة محددات توظيف القوى العاملة الوطنية يجب أن تكون نابعة من خصائص التركيبة السكانية الاتحادية والمحلية، ومن ثم، يرى المجلس أن محدداته للرؤية الاستراتيجية للتعامل مع قضية التوطين هي أحد عشر محدداً، منها إنشاء مجلس أعلى للتوطين، وتبني مفهوم التمكين الوظيفي للمواطن، والتأمين ضد التعطل، وتبني مفهوم إنتاجية المواطن، بديلاً لمفهوم توظيف المواطن، وإطلاق برنامج حكومي لدعم الأجور في القطاع الخاص وإشكاليات سوق العمل.