هي عضو في 50 جهة على مستوى الدولة؛ وفي بيتها تجد 550 شهادة تكريم من جهات كثيرة داخل الدولة وخارجها، وحائزة تكريم «الأم المثالية» 10 مرات، وهي أم لسبعة أولاد وخمس بنات، تزوجت في الحادية عشرة من عمرها، وأنجبت توأماً في الثالثة عشرة.. عشرة من أبنائها متزوجون، ولديها أحفاد كثر. وهي لم تتخطَ حدود الأربعين في عمرها.. مهلاً؛ الحكاية لم تبدأ بعد، فالتفاصيل الآتية هي الأكثر تعجُّباً وإعجاباً.
إنها راية خميس محمد المحرزي، الرائدة في العمل التطوعي والديني والمجتمعي؛ راية في المنطقة الشرقية و«علم» في الإمارات، حسب ما تختزن ذاكرتها من كلمات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة، حينما تقدمت لتهديه مصحفاً شريفاً وباقة ورد أثناء زيارة سموه لمدرستها «باحثة البادية» في خورفكان قبل نحو 30 عاماً، وكما أجابها والدها حينما سألته ببراءة طفولتها لماذا سميتني راية؟!
أسرة ممتدة
تربت المحرزي في بيت والديها في خورفكان في ظل أسرة ممتدة ومتماسكة، وهناك رضعت كل معاني الوطنية حد الإشباع، وفي عمر مبكر جداً أضحت مؤهلة للتميز في الحياة بحكم ما اكتنزته في ذاتها من مُثُل التربية التي اغتنمتها من والديها؛ في الحشمة وحب الوطن والتطوع وفعل الخير، وقبل بلوغ عش الزوجية في عمر الحادية عشرة، نقلت معها طموح إكمال دراستها، وهو مطلب والديها.. في بيت زوجها يوسف بن هويدن في مدينة كلباء، وجدت البيئة ذاتها؛ ولاء وانتماء وخير وتطوع وعطاء للوطن ومن فيه؛ هي الأجواء نفسها والأرضية الصلبة الممتدة لمواصلة الطموح، في ظل الرعاية القويمة التي وجدتها من زوجها يوسف الذي كان يكبرها بخمسة وعشرين عاماً.
الزوجة الطفلة
بدافع الثقة أتاح لها زوجها كل ما أرادت، فأكملت دراستها الثانوية والجامعية، ورعت البيت والأبناء، وأطاعت الزوج وأمه وأباه ووالديها، وفي موازاة ذلك منحت للوطن وطنيتها، فأبدعت في كل اتجاه، وليس مُجزياً أن نقول إنها كانت أول امرأة متطوعة في المجلس الوطني الاتحادي وحلقة الوصل لإيصال صوت المرأة قديماً قبل أن تعرف النساء سبيلاً إليه.
لن نتعمق أكثر في تفاصيل تربوية ووطنية راسخة وأصيلة اكتسبتها المحرزي «علامة مسجلة»، وتركتها للسنوات مثالاً وقدوة، كيف لا وهي «الزوجة والأم الطفلة» والمربية، وقبل ذلك الطالبة في المدرسة والجامعة، ثم المؤدية على أكمل وجه لحقوق الزوج والأسرة، وكل ذلك أجادته دون تدخل من «الخادمة».
تأهيل الأبناء
لنتجاوز ما سلف، ونقف قليلاً عند ما يستحق الوقوف قطعاً.. حينما بلغ أبناؤها شبابهم تباعاً، حرصت المحرزي على أن يؤدوا العمرة والحج، قبل أن تزوجهم تزامناً مع استكمال دراستهم الجامعية، فأتم أبناؤها الاثنا عشر دراستهم الجامعية، وتفوقوا في حياتهم الزوجية، وتميزوا في واقعهم المهني، الفتيات في التربية والتعليم، والشباب في مواقع وطنية كثيرة، داخل الدولة وفي سفاراتها الخارجية. ليس هذا بالطبع ما نقصد من المفاجأة.
المحرزي وابن هويدن الزوج، أصرا على تزويج بناتهما الأربع بمهور رمزية وبتكاليف «وهمية»، ثم سرعان ما أعادا المهور إلى أزواج بناتهما، وتركا لهم ولزوجاتهم الحياة المستقرة، تخفيفاً عنهم ورأفة بمستقبلهم الذي يريدانه خالياً من المنغصات، وبفضل الله وحكمة الوالدين، كان ما أرادا وأكثر للبنات وأزواجهن، فالجميع كما تقول المحرزي أبناؤها.
المحرزي وبحكم ما أتاح لها زوجها من ثقة وطمأنينة ودعم واحتضان لطموحها الوطني الكبير، ظلت الزوجة المطيعة والحريصة على راحة الزوج ووالديه كما والديها، وبحكم عمل الزوج في أبوظبي انتقلت إلى هناك للإقامة معه، واجتمعت الأسرة في بيت واحد يسوده الوئام والانسجام، وكل من فيه يؤدي الواجب كما يرام.
مفاجأة البيت
الأبناء متزوجون إلا صغيرهم، والبنات متزوجات إلا واحدة، عشرة أزواج، وأم وأب، وبيت واحد، إنها المعادلة الأصعب والأكثر تعقيداً وقبولاً في آن معاً، لنوضح أكثر.. لأنها أم الجميع فقد أتاحت راية المحرزي الفرصة لأولادها وبناتها أن يعيشوا معاً رغم الزواج، هناك في منطقة «الباهية أ» بأبوظبي؛ بيت كبير من ثلاثة طوابق، فيه 26 غرفة نوم، يجمع أبناءها والأزواج والزوجات، مع الأب والأم، حالة اجتماعية فريدة احتفظت بها وحافظت عليها المحرزي في بيت العائلة الممتد منذ قديم السنوات، حتى تجلّت في يومنا هذا رغم تعقيدات العام 2013.. تجد البيت الواحد يحتضن الجميع، البنات وأزواجهن، والأولاد وزوجاتهم، ولا حياة فيه سوى المتعة والانسجام.
كيف تم هذا؟! الجواب ببساطة: بعطاء الأم، وحكمة الأب، والتشبث بماضي الإمارات الجميل.. فما أجمل أن يعود بنا الماضي، أو بالأحرى أن نعود إلى ماضينا، لأنه الأفضل. وهنا تنتهي الحكاية.
المرأة المعجزة
راية المحرزي ورغم زواجها المبكر في عمر 11 عاماً، إلا أنها أصرت على إكمال دراستها الثانوية والجامعية، فنالت شهادة في الشريعة والقانون، وكذلك فعلت مع أبنائها الاثني عشر الذين سلّحتهم بشهادات جامعية مختلفة. وهي ترى أن العلم والمعرفة إلى جانب الالتزام والحشمة، مقومات أساسية للوطنية الحقة، وللعطاء والإبداع رغم كل الظروف.
هذه «المرأة المعجزة» لم تدع باباً مجتمعياً إلا وطرقته، ولم تترك فسحة عطاء إلا وشغلتها، حتى أضحت أيقونة إماراتية تُعرف من بعيد، هي نموذج في التربية، وفي الطاعة، وفي الإخلاص، وفي الوطنية، وللمرأة المسلمة عامةً قدوة وثقة، نِعْمَ الأم هي!.

