تكريم المتميزين والنهوض بهم نهج تتبعه الدولة لشحذ همم أبنائها وتطوير قدراتهم وإمكانياتهم لتولي زمام الأمور في مختلف المجالات، لذلك لم تدخر جهداً في تبني طاقات الشباب الطموحين ليصبحوا أكثر فاعلية في المجتمع، حيث مدتهم بالأساليب وهيأت لهم الوسائل والأدوات لتغرس في نفوسهم قيم الإبداع والتميز المتواصل، ومن أبرز الوسائل التي خصصتها الدولة لتعزيز قيم المواطنة وأساليبها مؤسسة "وطني" الإمارات التي انطلقت منذ سنوات قليلة وأصبحت بعطائها وجهودها شمعة تضيء المجتمع، وتزيد من ترابطه وتقوي نواته من خلال المبادرات والمشاريع التي تطلقها، ولعل مشروع "داعية وطني" واحدٌ من مئات الأفكار والمبادرات التي أطلقتها المؤسسة، بهدف إعداد أئمة ودعاة وخطباء مؤهلين من أبناء الوطن، حيث عملت المؤسسة على تقديم الدورات التدريبية والبرامج الأساسية التي تحتاجها هذه الفئة ليكونوا أكثر فاعلية وتأثيراً في المجتمع.
دورات تدريبية
منذ انطلاق مشروع "داعية وطني" قدمت المؤسسة العديد من الدورات التدريبية والمحاضرات لتأهيل هذه الفئة، واستكمالاً لبرامج المشروع حرصت مؤسسة "وطني" على ابتعاث أعضاء البرنامج إلى الأراضي المقدسة لتأدية مناسك الحج، ولزيادة الانسجام فيما بينهم وتبادل الأفكار، وإتاحة الفرصة للقاء العلماء والاستماع لدروسهم والفتاوى حول بعض المسائل الفقهية.
وعن ذلك قال مصطفى عبدالعال المستشار الثقافي والديني لمؤسسة "وطني" إن الهدف من البعثة تكريم هذه الفئة التي قدمت جهوداً ملموسة خلال الفترة الماضية، واستكمالاً للدورة التدريبية التي بدأها ضمن مشروع "داعية وطني"، حيث تعد هذه الزيارة تدريبا ميدانيا لقيادة الحملات وغرس الأساليب وطرق التعامل التي يجب أن يتحلى بها الداعية، وتحقيق ما يخدم الغاية من الحج، وكيفية أن يكون هذا الداعية قائدا روحيا يسهم في تسهيل المهمة على مرافقيه عند أداء مناسك الحج، وتعامله مع الضغوطات التي يتعرضون لها أثناء حدوث حالات الطوارئ نتيجة الازدحام الشديد وتوافد جنسيات من مختلف دول العالم، إضافة إلى تطوير قدراتهم المعرفية والدينية حول مختلف القضايا ليكون مرجعا يجيب عن تساؤلات الناس ويوضح لهم بعض المسائل الفقهية.
مشاهدة الدلائل
انطلقت البعثة من مطار دبي وحطت أول رحالها في المدينة المنورة، حيث بدأت برنامجها بعد يوم من الوصول، واستهلت برنامجها بزيارة المنشآت الدينية التي تضمها المدينة المنورة، حيث زار أعضاؤها أكثر من 250 موقعا أثريا يعود تاريخها إلى عصر الرسول عليه السلام والصحابة، وتسنى لأعضاء البعثة الوقوف على هذه المزارات ومشاهدة الدلائل التي نصت عليها من القرآن والسنة، ومنها أماكن المعجزات كمعجزة نبع الماء بين أصابع الرسول عليه الصلاة والسلام، وبستان طلحة، إضافة إلى أماكن أثرية مرتبطة بالسيرة ومنها السوق الحرة بالمدينة المنورة، وبيت أبو أيوب الأنصاري وأبو طلحة وعثمان بن عفان، وأماكن الغزوات والاستراتيجيات العسكرية كمعالم غزوتي أُحد وبدر، وإلى جانب ذلك قدمت العديد من المحاضرات النظرية التي تطرقت لبداية هجرة النبي عليه الصلاة والسلام، من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، والطرق التي سلكها صلوات الله عليه، والتغيرات التي طرأت على المدينة منذ وصوله، إضافة إلى الأماكن التي أقام فيها، وتفصيل بعض المناسبات التي نزلت فيها الآيات القرآنية والوقوف على أماكنها.
ربط الأحداث
وعن أهمية اختيار الأئمة والدعاة لأداء مناسك الحج وزيارتهم للآثار النبوية قال الدكتور أحمد عبدالعزيز الحداد كبير المفتين، مدير دائرة الإفتاء في دائرة الشؤون الإسلامية بدبي، إن تأهيل الدعاة بالتعرف إلى السيرة النبوية والوقوف على بعض من آثارها، وخصوصا المدينة المنورة التي شهدت أحداثا كثيرة وغزوات عديدة للدفاع عن المدينة وتأديب المشركين فيها، تساعد على ترسيخ المعلومات من خلال ربط الأحداث بمسبباتها، والمناسبات التي نزلت وقيلت فيها، سواء كانت من القرآن الكريم أو السنة النبوية الشريفة، لتسهل على الداعية أن يفهم مناسبة نزول بعض الآيات القرآنية، واستيعابه للأحداث كاملة من روايات موثقة وبناء على دراسات عميقة.
وأضاف الحداد أن السيرة النبوية لا تعرف إلا بتتبع آثارها وما جرى فيها من أحداث كبيرة، فالأحداث موثقة في الكتب والمصادر، ولكن التعرف إليها من جانب تطبيقي عامل مهم، لا بد من انتهاجه، لأن ذلك يستفيد به الداعية وطالب العلم بأمرين أساسيين في مقدمتها أنه يسهل فهم سبب نزول بعض الآيات القرآنية، والتي يعسر فهمها عند التلاوة والتمعن في شرحها، وترسخ المعلومات بصورة من الصعب أن تنسى، إضافة إلى أن تتبع الآثار النبوية من أفعال السلف الصالح الذين كانوا يقفون على الآثار، ويقيسون بالذراع ويبحثون في القرآن والسنة ليوثقوا هذه الآثار توثيقا صحيحا يسهل على من يأتي بعدهم الرجوع لها، لكون ذلك يزيد من حجة المسلم ويعمق إيمانه، فالسيرة النبوية جزء من السنة، فمن لا يعرف السيرة لا يعرف الأفعال والصفات النبوية، ولن يتمكن من استنباط الأحكام والنظر في المسائل الدينية ويفقه الناس بها. خلاصة الدراسات
لم يقتصر البرنامج على زيارة المنشآت، بل كانت هناك محاضرات نظرية بصورة يومية قدمها بعض المختصين من مركز بحوث المدينة المنورة، والذين قدموا خلاصة الدراسات التي عكفوا عليها خلال تتبعهم للآثار النبوية، إضافة إلى ذلك حرص أعضاء البعثة على المواظبة على الدروس التي قدمها علماء المسجد النبوي، والاستفادة من المسائل والأحكام الفقهية، وبعد اختتام الدورة التدريبية في المدينة المنورة توجه أعضاء البعثة إلى مكة المكرمة لأداء مناسك الحج، وطيلة أيام الرحلة كانت هناك المحاضرات والنقاشات وتبادل المعلومات حول المسائل الدينية والفقهية.
مشاعر صادقة لهجت بها الألسن
في نهاية رحلة أداء فريضة الحج فاضت المشاعر وتسابقت المفردات بالثناء والدعاء لقادة الإمارات ومؤسسة "وطني" الإمارات التي أتاحت للأعضاء شرف زيارة الأراضي المقدسة والخدمات الجليلة المقدمة لتسهيل حجهم، حيث افتتح أعضاء البعثة حديثهم بالدعاء لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد رئيس الدولة، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وإخوانهما أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات، حفظهم الله، حيث قال محمد الطنيجي إن الرحلة كانت مفعمة بالأجواء الإيمانية والروحانيات، لا سيما أن برنامج الرحلة كان تتبعا للسنة النبوية وتطبيقا لها، وكانت الاستفادة التي تحققت في هذه الرحلة غنية بفوائدها، حيث حظي فيها الدعاة والأئمة بفرصة التعارف بالعلماء ومناقشتهم في العديد من المحاور والمسائل الفقهية والدينية، وتبادل التجارب والخبرات مع بعضهم البعض، إضافة إلى التعرف على الأحكام والآراء في المذاهب المختلفة.
أما سليم الجنيبي فأكد أن اختياره ليكون ضمن بعثة "وطني" للحج هذا العام غمره بالسعادة، وكان هذا الاختيار فرصة للقاء العلماء والاستماع للفتاوى والدروس الفقهية التي يجب على الداعية أن يلم بها، لافتاً إلى أن التسهيلات التي حظي بها أفراد البعثة والخدمات المميزة في السكن والمأكل والراحة أعطت الداعية مجالاً أوسع للتفرغ إلى تطوير معلوماته الدينية والفقهية حول كثير من المسائل.
وأيده في ذلك عبدالله الكمالي الذي قال إنه لم يكن يتخيل أنه سوف يحصل على أجوبة استفساراته وإثراء لمعارفه في مدة قصيرة كالتي حصل عليها في هذه الرحلة، حيث أتيح له التعرف على قيام الدولة الإسلامية والوقوف على مكان انطلاقها، ومعايشة خياله لكثير من الأحداث الهامة التي عاشتها الدولة الإسلامية في بداية نشأتها بصورة سهلة ساعدت في ترسيخ المعلومات في قلبه وعقله.




