(تجديد الدماء) جملة تتردد على ألسنة المعنيين والمتفائلين بضرورة التغيير، والتجديد المقصود هنا هو غالباً يختص بالمؤسسات الخدمية، التي تضم أشخاصاً أمضوا سنوات طويلة يؤدون العمل نفسه، وإنهم (شاخوا) في هذه المهنة، وللمفردة دلالة ذات وجهين، ففي الوقت الذي يصبح التغيير ضرورة ملحة، فإن التجديد لن يتحقق إلا بإنهاء خدمات هؤلاء، وبالتالي أصبح تقديرهم وشكرهم بالتنحي مطلباً منطقياً، إلا إن الوجه الآخر للمفردة أن هؤلاء - وخاصة أصحاب مهن معينة - أصبحوا بعد كل سنوات العطاء تلك أساتذة ومعلمين وأصحاب خبرة لا تتوفر في أعرق وأحدث المراجع والكتب، ومنهم الأطباء على سبيل المثال.

وإن كانت المهن في بعض المؤسسات تستحق تغيير كوادرها، ، وتجديد دمائها بضم عناصر شابة إليها تمتلك من المهارات والأدوات التي تواكب العصر ويشترطها الأداء لمتطلبات متجددة ومستجدة بشكل يومي ومتسارع، فهي من جهة ثانية مرتبطة بضرورة بديهية أهم وهي توفير فرص عمل للخريجين والمواطنين الباحثين عن عمل فهم ذوو أولوية في الحصول على فرص العمل.

إلا إن في الحياة بعض مهن ذات ملكات خاصة جداً، وتخلق امتيازاتها ذاتياً، وتصقل أصحابها بمهارات مميزة، كلما طال بقاؤهم فيها، وتعتبر من المهن القليلة من حيث اختصاصييها الكفوئين، ومنها مهنة الطب، أي الأطباء، وأصحاب الأدب والصحافة، أي الكتّاب.

فالكاتب كما يتعارف لا يتقاعد، فهو كلما زادت سنوات عمله وخبرته أصبح موسوعة معلوماتية، وامتلك قاعدة علاقات واسعة وهما أهم عنصرين لهذه المهنة، وأما الطبيب فأهمية الحفاظ على وجوده تتزايد مع تقدم سنوات خبرته، لكونه "الفدائي" الأول كما عرَّفته المصطلحات التاريخية والحضارية، لأنه يواجه الأمراض والأوبئة على مدى حياته العملية وبشكل يومي، حتى تتشكل مهاراته وتتحقق احترافيته.

وعليه فإن مثل هؤلاء وخاصة الأطباء الحقيقيين والكتاب الشرفاء الملتزمين، لا ينبغي الاستغناء عن خدماتهم بحجة بلوغهم (الستين) أو سن التقاعد، وإنما هم خبرات مكتنزة بالمهارات وممتلئة بالعطاء، فإن ضاقت بهم ميادين العمل الصحي والصحافي، فلا شك أن قاعات الجامعات تحتاجهم بشدة، أساتذة وخبراء ومستشارين.