شعر عبد الرزاق أن والده غير مرتاح نفسياً وصحته تتدهور بسبب كبر سنه، سأله:

بابا هل تريد ممرضة خاصة ترعاك؟

لا يا بني كل ما أتمناه أن تكون نهايتي بينكم سعيدة وأدعو الله ان لا يقطعني حتى لا أكون ثقيلاً عليكم.

لا تقل ذلك اعطاك الله طول العمر وبصحة وعافية ونرعاك برموش عيوننا.

يا بني منذ وفاة والدتك وانا كالشمعة أذوب، فهي رفيقة دربي وبنينا هذا البيت معاً ربيناكم يوماً بعد يوم حتى صرتم شباباً وصبايا، مهمتنا انتهت أسأل الله العفو والعافية والستر والموت على الإيمان وحسن الختام.

لا تشغل بالك أخي سيتابع دراسته العليا وانا أسدد كل مصاريف دراسته، وهذا بفضل الله وفضل تأسيسك لشركة العائلة، وأختي مرتاحة مع زوجها وأولادها، وكل ما أريد ان تكون انت مرتاحاً واطلب ما شئت وأنا حاضر.

مرت الأيام وأبو عبد الرزاق يستيقظ عند الفجر يتوضأ ويصلي ويقرأ القرآن وأفراد عائلة ابنه في ثبات عميق الى ان تقترب الساعة من السابعة تدب الحركة في البيت ويبدأ حفيده بالاستعداد للذهاب الى المدرسة.

قبل مغادرة الحفيد البيت يقبل يد جده ويطلب الدعاء منه، يضمه الى صدره ويقبل وجناته وهو يردد: "الله يرضى عليك ويفتح عليك ويرزقك ويبعد عنك أولاد الحرام".

سعادة أبو عبد الرزاق تكتمل يوم عطلة نهاية الأسبوع تجتمع العائلة، ابنته وأولادها وزوجها يحضرون لقضاء يوم معه، يستمع الأحفاد الى قصص جدهم يرويها عن أيام خلت، كيف كان الناس يتعاملون بثقة في التجارة وكيف كان الود صفة بين الجيران، وعن اسفاره الى دول مجاورة، ويوصيهم في النهاية بأن يتمسكوا بالأخلاق الكريمة ولا يبخلوا بالعطاء للمساكين.

تدهورت صحته ولم يعد يقوى على الحركة كما كان، وهنا بدأت زوجة ابنه تتذمر من وجوده في البيت، وذات مساء قالت لزوجها:

لماذا لا تشتري بيتاً لوالدك وتحضر له خادمة ألا تسمع سعاله طوال الليل؟ ابنك وأنا نستيقظ مرات عديدة على صوت سعاله، وهذا يسبب قلقاً كبيراً لنا.

اندهش من هذا الطلب فتح عيناه وبصوت خافت قال:

كل ما نحن فيه بفضل ابي وهو الآن بأشد الحاجة لنا، كيف تطلبين مني ان اضعه في بيت منفرد؟

أطلب منك هذا الطلب من أجل ابنك فهو يستيقظ عدة مرات في الليل، وعند الصباح لا يستيقظ باكراً للذهاب الى المدرسة وهذا يسبب له تدهوراً في صحته ودراسته..

كفى.. كفى الموضوع بسيط وعند انتهاء الدواء الذي يتناوله والدي سيتوقف عن السعال، ثم كيف تفكرين مثل هذا التفكير؟ والدي يعطي الدروس في الأخلاق إلى ابني وأنا أكون عديم الوفاء لوالدي؟

لا أقصد ذلك بل إنه يرتاح عندما يكون بمفرده ولا أحد يزعجه ولا يزعج أحداً.

مستحيل ان أترك والدي بمفرده هل جننت؟

لماذا لا يذهب الى بيت ابنته فهو والدها أيضاً؟

من قال لك إنني أسمح له بالذهاب، أنا مستعد ان أجلب له ممرضة خاصة اذا أنت تذمرت منه! النعمة التي انت وانا فيها بفضله والآن آن الأوان لأرد له الجميل. وهذه آخر مرة أسمع منك مثل هذا الكلام.

ارتفعت حدة النقاش بين الزوجين وعلا صوتها قائلة:

انت لا تدري شيئاً، والدك يحتاج الى تبديل ثيابه أكثر من مرة في اليوم، لأنه لا يضبط نفسه، ويحتاج الى الاغتسال أكثر من مرة والخادمة في البيت مشغولة في التنظيف والطبخ وكي الملابس..

غداً سأجلب له من يخدمه؟

لكن لا يوجد مكان لخادمة ثانية في البيت.

ماذا تقصدين ؟

الحل أن يسكن والدك في شقة مع الخادمة التي تجلبها له.

الحل أن تسكني أنت في شقة خاصة بك وأنا سأبقى مع والدي.

لا سأذهب إلى بيت أهلي.

توقفت المشاجرة بينهما عندما دخل ابنهما وهو يبكي. ضمته أمه وسألته:

لماذا تبكي؟

أجابها بصوت متقطع.. جدي.. جدي أسرع عبد الرزاق إلى غرفة والده فإذا به مستلقياً على الأرض، طلب الإسعاف.. لكن كان قد فارق الحياة.

ندمت زوجته على ما تكلمت به مع زوجها، وطلبت منه السماح فكان رده:

تأكدي أن ابنك لم يسمع شيئاً مما قلته لي.