الذكرى الـ 23 لرحيل الفقيد الكبير

راشد بن سعيد.. مآثر سياسية واقتصاديـة كبرى في تأسيس الاتحاد ونهضة دبي

صورة

تستدعي التجربة القيادية للمغفور له الشيخ راشد بن سعيد حاكم دبي الأسبق والشريك الفاعل في تأسيس الاتحاد - الوقوف طويلاً على مراحل نشأة هذا الإنسان بكل ملامحه وتفاصيل شخصيته، التي طبعت تاريخ المنطقة بطابعها الخاص.

فإلى جانب دوره السياسي والاقتصادي العظيم في بناء دولة الاتحاد ووضع حجر أساس تجربة اقتصادية فريدة من نوعها في العالم في إمارة دبي، على ضفاف الخليج العربي، اتسم الشيخ راشد برجاحة العقل وفراسة المخطط البارع، يعين من يريد البناء، وآمن أن الشورى مدخل للنجاح وتجنب الأخطاء، وأن العمل والأخلاق السامية وبناء الإنسان، هي القيم الأهم في تاريخ الأمم، وبأن الراعي مسؤول عن رعيته، وبأن خير الحصاد، هو ما تبنيه أيادينا، للأجيال التي تأتي بعدنا.

ويصادف اليوم السابع من أكتوبر 2013 الذكرى الثالثة والعشرون لوفاة المغفور له (بإذن الله) الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، انتقل رحمة الله عليه، إلى جوار ربه في السابع من شهر أكتوبر عام 1990 الموافق الثامن عشر من شهر ربيع الأول عام 1411هـ عن عمر يناهز 78 عاماً قضاها، رحمه الله، في خدمة أمته ووطنه ومواطنيه وبذل خلالها كل ما يملك من طاقة في شارك والده .

ولم يكن الشيخ راشد بجديد على الإدارة السياسية فقد شارك والده الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم في تسيير أمور الحكم في إمارة دبي منذ عام 1939 وانعكست خبرته السياسية على إدارته لشؤون الدولة بعد قيام الاتحاد .

ومن ثم على رئاسته لمجلس الوزراء، فحققت دبي تحت إدارته طفرة تنموية شملت إنشاء الطرق والجسور التي تربط شطري الإمارة وتوسيع خور دبي وتعزيز موقعها التجاري بإنشاء مزيد من الموانئ، فأصبحت دبي مركزاً تجارياً بين الشرق والغرب ولم ينقصها سوى أن تصبح جزءاً من كيان عربي أكبر له ثقله السياسي إقليمياً وعالمياً، شارك راشد بفاعلية في بنائه.

بني ياس

المغفور له، بإذن الله، الشيخ راشد بن سعيد بن مكتوم بن حشر بن مكتوم بن بطي بن سهيل الفلاسي، ينحدر من قبيلة بني ياس، وينتمي إلى قبيلة آل بوفلاسة. ولد عام 1912م، ونشأ في كنف والده الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم الذي اشتهر بالورع والتقوى وسمو الأخلاق وحبه الكبير لمواطنيه، وترعرع الشيخ راشد في كنف والدته المرحومة الشيخة حصة بنت المر التي كانت لها مكانة خاصة في نفوس المواطنين. وهي كما يقول أهل دبي: «إن حصة بنت المر كانت أماً ليست لراشد فحسب، بل أماً لدبي أجمعها».

ونشأ راشد في جو يسوده التقدير والاحترام المتبادل بين الحاكم والرعية.. وفي مناخ ديمقراطي فريد يقف فيه المواطن حراً طليقاً بفكره ولسانه ومنطقه أمام حاكم البلاد، معبراً عما يجول في نفسه دونما خوف أبداً. كان راشد يراقب عن كثب أسلوب والده، المغفور له الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، فاقتبس ما شاء له أن يقتبس من صور تمثل الديمقراطية كما عرفها المجتمع المحلي دونما زيف أو تلوين، تلك الديمقراطية التي كانت تنبع من منبع عربي إسلامي بدوي أصيل.

ومما لاشك فيه أن الشيخ سعيد، والشيخة حصة بنت المر، كانا المؤثرين في حياة راشد.. فهما اللذان أحاطاه بالرعاية والعناية الأبوية.. وتلقى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم دراسته الأولى في الكتاتيب في ذلك العصر الذي كانت تفتقر فيه المنطقة إلى وجود المدارس النموذجية.. وتعلم سموه من علوم الفقه واللغة العربية التي كانت توفرها تلك المدارس في ذلك الحين.

أول الطلبة

ومع بداية الدراسة النظامية بمدرسة الأحمدية التي أسست في أوائل القرن الماضي ببر ديرة، كان الشيخ راشد من أوائل الطلبة المنتظمين في فصولها، وكان الشيخ راشد أصغر تلاميذ المدرسة،.

حيث نهل العلم من خيرة المعلمين الذين كانت تستوعبهم تلك المدرسة، فتفقه في العلوم الدينية إلى جانب علوم اللغة العربية والتاريخ والحساب والجغرافيا في وقت مبكر من عمره. ومنذ طفولته اتصف المغفور له بصفة الرجل المكتمل مختلفاً في تلك الصفة اختلافاً كبيراً عن رفاقه وزملائه.. فقد كان أسلوبه في الحياة ينم عن فكر ناضج سابق لعصره.. ولم يكن محباً للعب أو اللهو كغيره من الأطفال، بل كان في شبابه شاباً مثابراً وجاداً وباحثاً عن كل ما يرفع الهامات ويسمو بالهمم، نحو الفضائل وسمو الغايات.

وإلى جانب تفوقه في الدراسة أولى اهتماماً خاصاً بالصيد والصيد بالصقور «ومنذ سن مبكرة كان الشيخ راشد هدافاً ماهراً بالبندقية. وإذا كان لوالدته دور كبير في تنشئته فقد كان لهواية صيد الصقور دور كبير في مصاحبته لوالده الشيخ سعيد إذ شُغفا بها معاً مما وطّد علاقته بوالده».

وامتدت به رحلات الصيد التي كان يقوم بها «مرتين في العام عادة» إلى خارج الإمارات، إذ وصل ومرافقوه في رحلاته تلك إلى إيران وباكستان، وفي تلك الفترة لم يكن قد تقلد مهام الحكم بعد، فكان ينعم بشيء من الحرية في رحلات الصيد، وكانت الغزلان وطيور الطيهوج والأرانب والحبارى من طرائده المفضلة.

ومنذ شبابه كان الشيخ راشد حريصاً كل الحرص على أن يكون لدبي شأن خاص ومكانة خاصة وأسلوب مميز لا مثيل له في الاستعداد لمستقبل بدأ يلوح في الأفق.. ويؤكد من عاصر الفقيد الكبير من رفاق الصبا، أنه كان يلتهب حماساً ويتدفق نشاطاً من أجل أن يخلق من الصحراء مدينة حديثة تباهي في جمالها مدن العالم المعاصر.

وانطلق الشيخ راشد منذ صباه الباكر نحو التشييد والبناء، وكان لابد له أن يحدث ثورة عمرانية لم تشهدها البلاد من قبل، ولكن كل ذلك يحتاج إلى عطاء لا ينضب وجهد لا يعرف الكلل أو الملل، والشيخ راشد حباه الله سبحانه وتعالى هذه الميزة التي جعلت منه قائداً بارزاً منذ طفولته.

في عام 1924 كان الشيخ راشد بلغ الثانية عشرة من عمره، وأصبح ذا شخصية قوية ذات تأثير فعال أضفت على مظهره الهيبة والوقار وتواضعاً فرض على الآخرين تقديره واحترامه وكان يعرف (بالشاب الجاد) لما اتسم به من الجدية والصراحة.

في عام 1932 اقتنى الشيخ راشد أول سيارة له بعد أن كان يركب حصانه (الصقلاوي) الذي كانت تربطه به علاقة حميمة.

في التاسع والعشرين من مارس عام 1939 شهدت دبي احتفالاً بزفاف الشيخ راشد بن سعيد إلى الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان.

وتجلت براعة الشيخ راشد في إدارة الأزمات في موقفه الثابت إزاء الفوضى التي ظهرت مع انتشار السلب والنهب إبان الحصار الاقتصادي الذي فرضه البريطانيون على إيران التي كانت تساند دول المحور في الحرب، ففرض البريطانيون على دبي حظراً على استيراد وتصدير المواد الغذائية.

فما كان من الشيخ راشد إلا أن سعى لتوفير المواد الغذائية لرعاياه بأسعار تتلاءم مع المستوى الاقتصادي من أصحاب البقالات، وأدخل نظام البطاقات التموينية التي سمحت للمواطن بالحصول على الحصة الشهرية من المواد الغذائية.

وبكل ما تحمل كلمة قائد من معان، برز الشيخ راشد كقائد شاب منذ عهد شبابه الباكر، واستطاع بكل مقدرة أن يكسب من حوله الرجال كسباً قائماً على الكفاءة التي بدأت تظهر بوضوح على هذا القائد الشاب، والتي لمسها رفاقه فيه عن جدارة واستحقاق.

واكتسب الشيخ راشد من التجارب في بداية شبابه الشيء الكثير، وعلمته الأيام والسنون ما شاء لها أن تعلمه، فاتسعت درايته، ولمعت حنكته السياسية، وظهرت جدارته للعيان مبشرة بقدوم قائد فذ وسياسي محنك يشار إليه بالبنان.

القرارات المهمة

وكان الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم قريباً من القرارات المهمة التي اتخذت من حين لآخر لإدارة شؤون البلاد في تلك الحقبة التاريخية، وكان في أحيان كثيرة الرجل المؤثر تأثيراً مناسباً وحكيماً فيما يصادفه من حالات تتطلب علاجاً خاصاً. وعلى هذا المنوال بدأت مسيرة هذا القائد، منوال الجد والحزم والعزم والمثابرة والتصميم وفرض الهيمنة الشرعية في ربوع البلاد، فكانت بحق بداية موفقة تكللت بالنجاح في جميع مراحل انطلاقتها.

وحضّرت العناية الإلهية الشيخ راشد ومنذ سنوات طفولته الأولى لتحمل مهام وأعباء إدارة إمارة دبي، لذلك لم يكن يحتاج إلى الكثير من الزمن ليظهر مواهبه القيادية النادرة والاستثنائية .

وهي المواهب التي لم ينتظر زمناً طويلاً حتى تكتمل معالمها وملامحها، وتقدم أخيراً صورة إمارة دبي، هذه الإمارة وبفضل الفكر المتوهج والطموح والمتجدد للشيخ راشد صارت تكبر مع مطلع كل شمس، لتتحول وفي ظرف قياسي إلى دانة الدنيا والى إحدى معجزات التاريخ الإنساني الحديث وإحدى أكبر إنجازات القرن الماضي.

وسيظل الشيخ راشد إحدى العلامات الفارقة في التاريخ العربي القيادي الحديث تماماً مثلما سيظل اسماً يتعالى في تاريخ دولة الإمارات، وعلوه يصنع من نور، ذلك لأن رحلة دبي باتجاه التطور والازدهار ترتبط بعلاقة روحية خالصة مع كل حبة رمل على أرض الإمارة.

باني دبي

واتبع الشيخ راشد خلال فترة حكمه منهجاً دقيقاً منظماً لمتابعة الأعمال والمشاريع ضمن جدول يومي، كان يقوم بجولتين في مدينة دبي يومياً يتابع فيهما المشاريع.

وكان من عادته ألا يكتفي باستطلاع سريع، بل كان يتابع أدق التفاصيل لأي مشروع قيد التنفيذ في دبي. كان يتابع كل شيء بنفسه خطوة خطوة، ووفرت له جولاته تلك فرصة الالتقاء بعامة الناس عن قرب.

«وبعد عودته من جولاته اليومية كان يمضي كثيراً من الوقت في أعماله الرسمية من خلال مجلسه الذي يتيح الفرصة للناس للالتقاء به، حيث يشاركهم قضاياهم ويصغي لمطالبهم». واهتم الشيخ راشد، رحمه الله، بهذا المجلس بالغ الاهتمام، وحظي بإعجاب الجميع لما تحلى به من حلم وصبر، إذ كان يصغي لكل رأي أو مظلمة. ضامناً للجميع أفضل الحلول للقضايا والمشكلات وموفراً المساعدة لكل فرد.

كان المجلس يضم أشخاصاً من جنسيات متعددة وفر لهم قاعدة للحوار البناء. وضم فيمن ضم رجالاً يعتد برأيهم. وكانت تتم في المجلس دراسة المشاريع دراسة وافية والنظر إليها وإلى مراحل تطورها، ما يؤدي إلى تفهمها التام من قبل أعضاء المجلس. وواصل الشيخ راشد، رحمه الله، البناء بكل إرادة وعزم مؤمناً إيماناً مطلقاً بكل ما يفعل وبأن حلمه الذي رفده بكل ما يملك من عزيمة لم يكن ضرباً من المستحيل.

وفي العاشر من سبتمبر من عام 1958 توفي الشيخ سعيد بن مكتوم حاكم دبي، وتولى الشيخ راشد مقاليد الحكم في الرابع من أكتوبر عام 1958، بعد أن استمر في ولايته للعهد لمدة عشرين عاماً، وانصرف الحاكم الجديد لإدارة شؤون إمارته بذات الهمة والعزم ونفاذ البصيرة الذي عرف عنه.

مدينة رائدة

وما إن انقضت شهور قليلة من تسلمه زمام الأمور حتى أدرك الشيخ راشد، رحمه الله، أنه يتوفر في مدينة دبي الإمكانيات والاستعداد الطبيعي ما يجعلها مدينة رائدة.

ولتحقيق نظرته الثاقبة كان عليه إنجاز الكثير من المشاريع الطموحة، وفي عهد الشيخ راشد كانت دبي بدأت ترسيخ مشاريع البنية التحتية واعتماد الخطط المحكمة للتطوير لتواكب التزايد المتواصل في عدد السكان.

وكان من الجلي أنه يجب إيجاد خدمات أساسية وتطوير الخدمات المتوفرة لتصل إلى مستوى الخدمات الجديدة، وبكل الحالات لم يركن الشيخ راشد إلى مجاراة مقتضيات الواقع، بل كان دائماً يتطلع إلى الأمام ويعمل من أجل المستقبل.

مشاريع عملاقة

وبدأت في عام 1959 عملية تجهيز الخور للملاحة عن طريق تجريفه وسحب الطمي منه، وذلك لأنه في الخمسينات تراكم الطمي في مياه الخور بشكل متسارع، ما أدى إلى انخفاض كبير في حركة الملاحة فيه، وكان على السفن انتظار المد حتى تتمكن من دخول الخور وبقيت بعض قوارب الصيد تعبر الخور بين فترة وأخرى.

وبعد أن تم الوصول إلى العمق المطلوب حتى تم رصف جانبي الخور بالصخور والتربة الرسوبية ليرتفع مستوى جانبي الخور عن مستوى المياه. وسمح للتجار فيما بعد باستثمار الأراضي الجديدة على جانبي الخور للاستفادة من عوائد الاستثمار في تسديد تكاليف المشروع،.

وبحلول نهاية عام 1960 تم إنجاز مشروع خور دبي، وبدأت بعد ذلك خطوط الملاحة تتوافد إلى دبي معتمدة خور دبي كميناء رئيسي، وتسببت هذه الحركة المتزايدة في الخور في زيادة الطلب على الخدمات. واستجابة للحاجة الملّحة تم البدء مباشرة بالعمل على إيجاد أرصفة بحرية ومستودعات وتوسيع الخدمات الخاصة بتحميل وتفريغ السفن، كما تم توسيع وتطوير مرافق الخدمات الأخرى بالميناء.

وفي ذات الفترة أصدر المغفور له مرسوماً بتأسيس شركة الكهرباء، وأمر ببدء العمل الفوري في إنشاء مطار دبي، ولعل إصرار الشيخ راشد على تأسيس شركة الكهرباء في وقت مبكر من اعتلائه سدة الحكم كان نابعاً من إيمانه بضرورة توفير الخدمات الأساسية لسكان دبي الذين بلغ تعدادهم حينذاك حوالي ثلاثين ألف نسمة.

وكان معظم الناس في المدينة يملكون مولدات خاصة بهم. وبالفعل تم إنشاء شركة الكهرباء العامة في عام 1959 وحصلت دبي على أول إمداد كهربائي في عام 1961.

ومن بين أهم منشآت البنية التحتية والخدمات الأساسية التي عمل الشيخ راشد على إقامتها مشروع توفير مياه الشرب لدبي، وقد بدأت الخطوة الأولى في هذا المشروع بإبرام حكومة دبي اتفاقية مع قطر في عام 1959 قامت بموجبها هذا الأخيرة بالتمويل وتزويد دبي بعدد من الخبراء للإشراف على مشروع للتنقيب عن المياه.

وبدأت الشركة القطرية المشرفة على المشروع أعمال المسح الجيولوجي للتأكد من جدوى بئر منطقة العوير وكفايتها لسد احتياجات دبي من المياه، وتبين في النهاية أنها قادرة على إرواء ظمأ دبي، وفي غضون أشهر قليلة من ظهور النتائج الإيجابية للمسح الجيولوجي تم مد الأنابيب الأسمنتية على جناح السرعة، في سبيل تحقيق الخير والرخاء والاستقرار للوطن والمواطن.

محمد بن راشد: كان والدي ذا رؤية واضحة للمستقبل

"لا أعرف فيما إذا كنت قائداً جيداً أم لا، لكن ما أعرفه أنني الآن في مركـــز قيادي، وعنــــدي رؤية واضحة للمســــتقبل، تمتد قدماً إلى 20 أو 30 عاماً، لقد اكتـــسبت هذه الرؤية مـــن والدي المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، الذي يعتبر بحــق في مقام الوالد لدبي. لقد أطلق المشاريع، ووقف عليها شخصياً، كان يستيقظ باكراً قاصداً مواقع المشاريع ليشرف عليها شخصياً، وأنا أسير على خطاه، أبقى على اطلاع على كل شيء، أذهب للمواقع وأراقب، أقرأ الوجوه، أتخذ القرارات المناسبة، أنطلق بخطى سريعة لتطبيق هذه القرارات بحماس وعزيمة عاليين".

طموح زايد امتزج بفكر راشد فجاء الاتحاد

 اليوم يقف أبناء الإمارات فخورين ومتباهين ومعتزين كلما عايشوا واستفادوا من الإنجازات التي حققها فقيد البلاد الراحل الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم راعي المسيرة والبناء.

وكان الشيخ راشد رجلاً سياسياً قديراً استطاع أن يخــلق علاقات أخوية وثيقة بينه وبين حكام العرب والعالم في كل الظروف وفي جميع الأزمنة، كان اتحاد الإمارات لبنة من لبنات أفكاره العظام التي امتزجت بطموحات أخيه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله.

وحظيت فكرة تأسيس اتحاد قوي ومستقر بين الإمارات بترحيب كبير من الدول العربية التي رحبت أيما ترحيب بالفكرة واعتبرتها نواة للوحدة العربية الكبرى، وحدث في ذلك الوقت تطور مهم، إذ أعلنت بريطانيا قرارها النهائي بالانسحاب من الخليج في 14 فبراير 1971.

وتوالت اجتماعات المجلس الأعلى بعد ذلك بصورة مستمرة حتى إذا جاء العاشر من يوليو عام 1971 عقد مجلس إمارات الساحل المتصالحة اجتماعاً وجه فيه الشيخ راشد نداءً للحكام من أجل المضي قدماً على طريق الاتحاد.

وفي الــثامن عشر من يوليو أي بعد مرور ثمانيـــة أيام وقع كل من حكام أبوظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين والفجيرة على البيان الرسمي القاضــي بتأسيس دولة الإمارات المتحــدة بعدما اختارت كل من البحــرين وقطر إقامة دولتيهما المستقـلتين وصادق حكام الإمارات على الدستور المؤقت الذي حدد ملامح الاتــحاد، وبموجب الدستور المؤقت تشكل المجــلس الأعلى للاتحاد وهو أعلى سلطة في البلاد والسلطات التشريعية والتنفيذية.

واتفــقت رؤية الشيخ راشد مع رؤية إخوانه حكام الإمارات على أنه لابد من قيام الاتحــاد بين الإمارات التي تجمعها سمـات مشتركة تمثلت في وحدة التاريخ والجــغرافيا والثقافة والعــادات والتقاليد والملامح السياسية، فكان الإعلان رسمياً عن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في الـثـاني من ديسمبر 1971.

الاتحاد

في ذلك اليوم أعلن الشيخ راشد بحضور إخوانه حكام الإمارات عن قيام الاتحاد برئاســة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد نائباً له، وذلك في قصر الضــيافة بالجميرا ووجه سموه كلمة عقب الاجتماع الذي تمخض عنه إعلان ولادة دولــة الإمارات ألقاها نيابة عنه سمو الشيخ حمدان بن راشد قال فيها «باسم دبي، وباسم شعب دبي نحييكم أطيب تحية، وبنفس تفيض بالبشر وتملؤها السعادة، نرحب بكم في بلدكم بين أهلكم وذويكم.

أيها الإخوان.. لقد تم التوقيع على الاتفاقيات بإنهاء العلاقات التعاقدية الخاصة بين كل إمارة من إماراتنا والحكومة البريطانية، فتم بذلك استقلال إماراتنا وسيادتها على أراضيها.

وما مضت ساعات قليلة على ذلك، حتى التقينا في هذا الاجتماع التاريخي لتحقيق ما تلاقت عليه إرادتنا وإرادة شعب إماراتنا: لإعلان قيام الإمارات العربية المتحدة دولة مستقلة ذات سيادة، تستهدف توفير الحياة الفضلى والاستقرار لشعبها، وتحمي حقوق وحريات مواطنيها، وتسعى لتحقيق التعاون الوثيق فيما بين إماراتها لصالحها المشترك من أجل ازدهارها وتقدمها في كافة المجالات، وتتطلع للانضمام لجامعة الدول العربية،

وهيئة الأمم المتحدة، ومسايرة الركب العربي في مسيرته نحو أهدافه السياسية، ونصرة القضايا والمصالح العربية والإسلامية، وتوثيق أواصر الصداقة والتعاون مع جميع الدول والشعوب الصديقة على أساس مبادئ ميثاق الأمم والاتفاقيات الدولية، وفي هذه اللحظات التي يرقب فيها شعب إماراتنا المفدى والعالم بأسره، ما سيصدر عن هذا الاجتماع من المقررات، أبتهل إلى الله سبحانه وتعالى أن يهدينا سواء السبيل، وأن يوفقنا لتحقيق ما اجتمعنا من أجله».

وفي فبراير 1972 لحقت إمارة رأس الخيمة بركب الوحدة ليصبح عدد الإمارات المنضوية في الاتحاد سبع إمارات.

يد بيد

وشارك الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في قيادة دولة الإمارات العربية المتحدة مع أخيه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مساهماً بشكل فعال في بناء الدولة وتدعيم الاتحاد ثم عاملاً يداً بيد مع إخوانه حكام الإمارات على دفع عجلة التقدم والتنمية وتحقيق الرخاء للمواطنين، تاركاً وراءه سجلاً من الأعمال والإنجازات التي حازت احترام العالم لقائد تفانى في خدمة وطنه وتحقيق حلم الاتحاد.

وأعلن سموه عقب تشكيل الحكومة في الأول من يوليو عام 1979 الخطوط العريضة للسياسة التي تنتهجها الحكومة فقال: «إنني إذ أقدر ضخامة المسؤولية أرى لزاماً علي أمام أهلي وبلدي أن أكون واضحاً بما أنادي به وبما أعتقد أنه كفيل بتحقيق الأهداف التي من أجلها تقبلت حمل الأمانة.

إنني والوزراء لا نعد بتحقيق المعجزات ولكننا سنبذل أقصى ما نستطيع للسير باتحادنا قدماً في شتى الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية وهذا يتطلب أول ما يتطلب مشاركة المواطنين كل في اختصاصه وميدان عمله في تحمل المسؤولية وأداء الواجب فالمسؤولية بيننا مشتركة جميعاً ولا مجال للتهرب منها».

كان الشيخ راشد حريصاً على مصالح الإمارات وقضايا أمته العربية والإسلامية إيماناً منه بعدالة قضاياها، فقد عارض بقوة احتلال إيران لجزر الإمارات العربية المتحدة الثلاث أبوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، وقدم مذكرات عدة للمسؤولين الإيرانيين وأصدر بيانات بانتظام بهدف إبقاء هذه القضية حية في أجهزة الإعلام والمحافل الدولية ولدى الجماهير.

على المستوى الشخصي كان الشيخ راشد داعماً للعديد من المشروعات بتقديمه المساعدات المالية لبناء المستشفيات والمساكن في الضفة الغربية وقطاع غزة وإفريقيا وآسيا ودونما ضوضاء أو دعاية.

ولما اندلعت الحرب بين العراق وإيران عام 1980 بذل كل من الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء جهوداً مضنية لوضع حد لتلك الحرب وإحلال السلام بين الجارتين المسلمتين، وحرصت الإمارات على البقاء على الحياد.

 حل مشكلة الاسكان

وضع المغفور له الشيخ راشد مسألة حل مشكلة الإسكان ضمن أولوياته، فقام بإنشاء دائرة الأراضي والأملاك في عام 1960 وأسند رئاستها لأكبر أنجاله وهو الشيخ مكتوم بن راشد..

ومن البديهي أن يصبح الإسكان في غمرة المشاريع الكثيرة التي بدأ العمل بها في دبي هاجساً يؤرق الشيخ راشد، خاصة وأنه يدرك ضرورة استقدام عمالة وافدة للمساهمة في تطوير المدينة في المستقبل، وحينما بدأ الطلب يزيد على السكن ارتفعت الإيجارات في المدينة إلى الضعف، ومن ثم لم يعد لدى كثير من الوافدين القدرة على تحمل تكلفة الإيجار العالية.

ولحل مشكلة ارتفاع الإيجارات في دبي أجمع مخططو البناء على اختيار مناطق القصيص والصفية والكرامة لتشييد مساكن فيها، وقرر الشيخ راشد إعطاء الأولوية لبناء مساكن مخفضة الإيجار، وكان يتابع سير العمل في هذه المشاريع بنفسه.

 الهاتف والمصارف

 في عام 1960 أمر الشيخ راشد بإنشاء شركة التليفون والبرق واللاسلكي جنباً إلى جنب مع شركة كهرباء دبي، وكان يمارس إشرافاً دقيقاً على شركة التليفون باعتباره رئيساً لمجلس إدارتها.

وفي خطوة تدل على حسن تدبيره وعقليته الاقتصادية أصدر الشيخ راشد في عام 1963 مرسوماً بتأسيس أول بنك وطني، هو بنك دبي الوطني المحدود، برأسمال قدره مليون جنيه إسترليني بعد أن كانت التعاملات المالية والمصرفية حكراً على المصارف الأجنبية. فقد كانت دبي قبل مجيء المصارف الأجنبية إليها تفتقر إلى وجود مؤسسة مالية من هذا القبيل.

وكان التجار يحتفظون بأموالهم في صناديق حديدية. وكان الشيخ راشد مدركاً لذلك الواقع وموقناً بأن وجود نظام مصرفي حديث سيعزز صورة دبي كمركز تجاري في المنطقة، فسعى لجذب مصرف ذي سمعة جيدة ونجح في ذلك حيث استطاع في 5 يناير 1954 إبرام اتفاقية مع (امبريال بنك أوف إيران) الذي عرف فيما بعد باسم (البنك البريطاني للشرق الأوسط). واشترط الشيخ راشد أن يدرج في الاتفاقية بند يلزم البنك البريطاني بتوظيف مواطني دبي.

وجاء مشروع جسر آل مكتوم مكملاً للقاعدة الرئيسية للبنية التحتية لمدينة دبي الحديثة، إذ إنه بعد افتتاحه في شهر مايو 1963 ربط بر دبي مع ديرة مباشرة مجنباً السكان عناء الالتفاف حول رأس الخور.

 سباق لفعل الخير

شغل الشيخ راشد موضوع إيجاد صيغة للتعاون بين دول الخليج العربية، حيث طرقه دائماً مع الحكام في المنطقة، وكان قال: (أهمية كبيرة تدعونا إلى النظر في تأمين الاستقرار لا على المستوى المحلي فحسب بل على المستوى الإقليمي، وأنا أود أن أرى دولة الإمارات العربية المتحدة جزءاً من منظمة خليجية عربية وربما على غرار السوق الأوروبية المشتركة).

كان الشيخ راشد سباقاً لفعل الخير ومن بين المشروعات التي رعاها وكان فخوراً بها إنشاء جناح للطوارئ ومجمع لغرف العمليات في مستشفى مدينة بوالبور الباكستانية في البنجاب، كما قام بدعم مشاريع بناء عشرات المساجد والمدارس في أنحاء باكستان وبناء دار للأيتام، ومجمع بوالبور الطبي.

كما استجاب، رحمه الله، للمناشدات الدولية من وكالات الإغاثة عندما أجبرت الحرب في أفغانستان عام 1982 مئات الآلاف من المدنيين الأفغان على هجر ديارهم والنزوح إلى مناطق أخرى، وأمر الشيخ راشد حكومته بالتصرف فتحركت الطائرات محملة بأطنان من الأغذية والبطانيات والخيام والملابس الشتوية لإغاثة أولئك اللاجئين.

وفي يوليو 1985 عندما كانت المجاعة تقضي على ملايين البشر في إفريقيا تحرك الشيخ راشد فأمر بتقديم المعونات العاجلة للقارة السمراء، ومنحت حكومة دبي مليون جنيه إسترليني لمشروع خط الحياة الذي كان يديره نجم الموسيقى العالمي بوب غلدوف.

 رحل الشيخ راشد فقيد البلاد الكبير عنا ولم يتحدث يوماً عن إنجازاته على الإطلاق.. رحل المغفور له (بإذن الله) وبقيت ذكراه خالدة..

خليفة بن زايد آل نهيان

 «نتابع باهتمام كبير أنباء القتال الذي يخوضه إخوان لنا على الجبهتين المصرية والسورية في سبيل تحرير أرضنا المحتلة وكرامة أمتنا وعزتها، ودولة الإمارات تضع كل طاقاتها ومواردها في خدمة هذه المعركة»

 «التقينا في هذا اليوم التاريخي الثاني من ديسمبر 1971م لتحقيق ما تلاقت عليه إرادتنا وإرادة شعب إماراتنا لإعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة دولة مستقلة ذات سيادة».

من أقوال الشيخ راشد

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات