فنان تشكيلي برز بسرعة على الساحة الفنية، وسرعان ما نشرت الصحف المحلية خبراً عن افتتاح معرض فني خاص له، وترقب عشاق الرسم هذا المعرض ليشاهدوا باكورة إنتاجه الفني.

أصدقاء الفنان طلبوا زيارة مرسمه عسى أن يبدوا بعض الملاحظات عن أعماله لكنه رفض بحجة أن اللوحات ستكون مفاجأة سارة لهم، ولا يريد كشف أعماله قبل الافتتاح الرسمي لمعرضه.

أرسلت الدعوات إلى الصحف وباقي وسائل الإعلام لتغطية الحدث الفني خاصة وأن مسؤولاً كبيراً سوف يفتتح المعرض.

كان الفنان مشغولاً جداً باختيار بدلته وربطة عنقه وحذائه ليكون مظهره الخارجي يتناسب مع الحدث، وكلما اقترب موعد افتتاح المعرض زاد شوق الأصدقاء لمشاهدة الأعمال الفنية التي سيفاجئ بها الوسط الفني.

باقات الورود وصلت إلى الصالة بأسماء الأصدقاء والمقربين من الفنان وجهزت إدارة الصالة بياناً صحافياً لتوزيعه على مندوبي وسائل الإعلام مدحت فيه الفنان، وأعطته مرتبة عالية في الفن التشكيلي وجعلته من الفنانين المتميزين، والمرموقين، وأن الساحة الفنية قد شهدت ولادة فنان تشكيلي ليس كباقي الفنانين.

عند الساعة السادسة مساءً احتشد الجمهور والمدعوون في الصالة، وصل المسؤول الكبير إلى المكان وبدأت عدسات المصورين تلتقط صوراً للحظة قص الشريط، وقد بدا الفنان في قمة سعادته وهو يتجول مع المسؤول شارحاً له اللوحات ذات الأحجام الكبيرة والمرسومة بالألوان الزيتية.

في ركن الصالة وضع دفتر كبير وقلم حبر أسود ليسجل الزوار انطباعاتهم حول الأعمال المعروضة.

استهل المسؤول الكتابة بمدح وثناء على الجهد المبذول في إعداد هذه اللوحات، وتمنى للفنان مستقبلاً رائعاً في هذا الميدان.

وتوالت الكتابات من الحضور، وأصدقاء الفنان، كل يكتب كلمات المديح والإطراء، على ما أبدعته أنامل الفنان.

أحد الصحافيين توقف أمام لوحة ترك الفنان فيها مساحة كبيرة باللون الأبيض، نادى الفنان وسأله عن معنى هذا الفراغ في اللوحة؟

نظر الفنان إليه وقال:

تركت هذه المساحة عن قصد لأترك للمتأمل حرية التفكير والتفسير، وهذه لا يفهمها سوى الناقد الفني.

وهل يجوز ترك المشاهد في متاهة لا معنى لها؟

هذا فن ويمكن للنقاد أن يكتبوا ما يشاؤون عن الأعمال المعروضة.

لكن الصحافي كان قد شاهد هذه اللوحة من قبل ولم يتذكر أين كانت منشورةّ وفي أي مجلة، لقد خانته ذاكرته. لذا توجه إلى أحد النقاد المرموقين وسأله:

هل شاهدت هذه الأعمال من قبل، أو شبيه لها؟

اتركني عدة أيام لأعود إلى أرشيفي وبعدها أجيبك.

في اليوم التالي نشرت الصحف أعمال الفنان وما قال عنه الزوار والانطباعات التي كتبها المسؤول عنه.

بعد مرور عدة أيام اتصل الناقد الفني بالصحافي وقال له:

ذاكرتك لم تخونك هذه اللوحات لفنان أجنبي ومنشورة أيضاً وعندي المجلة.

أرجوك احضرها لي كي أنشر مقالاً عن سرقة الأعمال الفنية وأنشر صور اللوحة الأصلية واللوحة التي رسمها الفنان ولم يكملها.

في مطلع الأسبوع كانت فضيحة الفنان وغشه في نقل أعمال فنان آخر منشورة في صفحة كاملة مع الصورة الأصلية للوحة وصورة اللوحة الناقصة التي ترك الفنان قسماً منهل باللون الأبيض.

اتصل الفنان بالصحافي معاتباً ومتسائلاً:

لماذا فعلت هذه الفضيحة لي؟

عندما سألتك عن المساحة البيضاء في لوحتك، كانت إجابتك أنك تركتها لحرية التفكير والتفسير من قبل المشاهد، لكن الحقيقة أنها لم يعد لديك متسع من الوقت لإكمالها لجعلها كما هي في لوحة الفنان الأجنبي، أليس كذلك؟

لا، إنها توارد خواطر ليس إلا. وأنا أعرف كيف أدافع عن نفسي.

إذا أردت أن تدافع عن نفسك سأدعوك لندوة خاصة عن السرقات الفنية.

ولماذا الندوة؟

حتى تكتمل الفضيحة ويشارك فيها متخصصون وناقدون لتفنيد أعمالك، وسأحضر باقي صور اللوحات المعروضة التي نقلتها عن الفنان الأجنبي.

أرجوك ألا تنظم هذه الندوة، وأعدك ألا أكرر خطأي ثانية.

اتصل المسؤول الكبير بالفنان بعد أن قرأ ما كتبته الصحيفة عنه

وقال: سوّد الله وجهك، فعلتك هذه تنم عن سارق حقيقي وليس فناناً تشكيلياً.