على قدر الحلم تكون فرحة الفوز ربما كان حلم محمد رفيق متواضعاً لدى البعض، وليس علامة فارقة لدى آخرين لأنهم يعيشون أصلا منذ زمن طويل في ثنايا هذا الحلم غير منتبهين لجوانبه الأخاذة، لأن قانون العادة يجعل من مكتسبات الحاضر اليومية مسلمات بعيدة عن الشعور بالامتنان وتقدير الميزات التي يتمتع بها المرء.
غير أن هناك أناساً على وجه البسيطة يعتبرون حاجات العيش الأساسية حلما بعيد المنال تتطلب أعمارا مضافة الى أعمارهم للوصول الى مشارفها، ما يجعل حاضرهم سلسلة من الأحلام المستعصية والأماني الموغلة في البعد.
محمد رفيق ذو الأربع والعشرين ربيعا من هؤلاء، لكنه يتميز بنقاء السريرة على خلاف نواميس الطبيعة التي تخلف في نفس المحروم جشعا أو خشونة المعاملة في خضم التزاخم واللهاث وراء لقمة العيش.
يعمل محمد منذ خمس سنوات في وزارة التربية والتعليم، ومنذ كان في موطنه الهندي، حمل حلما كان يراه بعيداً.. حلم الوصول الى أرض الإمارات التي لطالما سمع عنها من بني جلدته ولطالما رأى صورا مذهلة عن بلد ينهض من رمال الصحراء في ما يشبه المعجزة الحضارية، فيحجز مكانا مضيئاً على الخريطة الأرضية.
رافقه الحلم طويلا وسعى جاهداً لتلمس طرق ترجمته الى واقع ملموس، من دون ان يلامس قلبه اليأس، وبقي قابضاً على حلمه حتى أتت الفرصة حين تزوجت شقيقته من شاب حالفه الحظ بالعثور على فرصة عمل في وزارة التربية والتعليم.
حين سافر زوج شقيقته الى الامارات، لم يحمله محمد أي مطلب سوى مساعدته في تحقيق حلمه بالقدوم الى أرض الفرص والوعد بالرخاء والازدهار وقهر البؤس وشظف العيش.
كان زوج شقيقته وفياً بالفعل، ولم ينس نسيبه، حيت تمكن من تأمين فرصة عمل له لدى احد الكفلاء في الدولة، فكانت فرحته لا تقاس، وعاش فترة انتظار قصيرة كانت الاطول في عمره من حيث كمية الآمال التي يختزنها ووهج اغراء لقاء أرض الاحلام وحجز مكان له في مساحات الصور المذهلة التي كانت ذاكرته تختزنها بإعجاب وتوق.
وصل أخيراً الى أرض الدولة والتحق بعمله بكل حماس وأمانة، لكن بقي من حلمه القليل: العمل في مؤسسة رسمية، اذ لطالما سمع عن التقاليد الحضارية والمعاملة الانسانية التي تسود علاقات العمل في هذه المؤسسات، فضلا عن ميزة الاستقرار والثبات على قاعدة: اجتهد وأد عملك على اكمل وجه تكن آمنا وتفوز بالثمار.
مرة أخرى ابتسم الحظ لمحمد رفيق ووجد نفسه منذ خمس سنوات يعمل موظف مكتب في وزارة التربية والتعليم، وبالذات في ادارة العلاقات العامة والاعلام، التي أخرجته من الظل الى دائرة الضوء.
كل من يتعامل مع محمد يرى فيه مثالا للإخلاص والمثابرة والاجتهاد.. والأهم النزاهة، والمحافظة على أسرار العمل، ولا سيما انه يحمل بين يديه دوما ملفات مليئة بخصوصيات العمل وأسراره المهمة، وهي بذلك في منأى عن أي تسرب أو اتلاف أو ضياع.
محمد رفيق ينغمس دوما في تفاصيل العمل التي بدورها تعلي من قيمة دور مثل هؤلاء في مجتمعنا.
