اعتاد أصدقاء أحمد علي، أن يرافقوه في السيارة من إحدى الإمارات إلى مكان العمل في أبوظبي، وأن يعودوا معه غالباً، وظلوا على هذا المنوال لشهور وربما أعوام، لكن أحمد في الآونة الأخيرة، بدأ يتملص من اصطحاب رفاقه معه، وفي كل يوم يتذرع بحجة أو بحدوث طارئ ما ليعود من دونهم، حتى شقيقه الذي يعمل معه في أبوظبي لم يسلم من مراوغاته، وفي الحقيقة فإن سر أحمد بدا مكشوفاً للجميع، فهو قد ارتبط أخيراً بفتاة «خطيبة»، وفي الطريق يريد أن يتحدث معها عبر الهاتف إلى أن يصل البيت، ومن حقه الخصوصية في «بيته الصغير».
موقف أحمد من أصدقائه ورغم سلبيته، لم يكن مرفوضاً بالحد الذي أضحى فيه قصة أو بالأحرى نكتة يتداولها الأصدقاء. وفي صورة أعم فالمشهد على الطرقات يعج بالقصص والمواقف الحياتية، المنغلقة بين أربعة أبواب، والمتحركة فوق أربع عجلات..
وفي النهاية تظل السيارة كياناً خاصاً أو جزءاً من يوم كل شخص اعتاد العيش في الإمارات.
مشاهد يومية
في السيارات وسط الازدحام أو على الشوارع السريعة، تجد كل المشاهد الإنسانية الممكنة بين ألواح من الحديد؛ أبٌ ينتظر فرجة الازدحام لبلوغ ضحكات أبنائه، وزوج يستمع لمقترحات زوجته مرغماً بحكم جيرة الكراسي، وثالث يتابع حالة مريض يخصه هاتفياً والقلق يعتريه، وآخر يفكر بالعمل أو يعمل عبر «موبايله الذكي»، وامرأة تناقش أدق تفاصيل نهار وليل صديقاتها، وهناك من إحدى عينيه على الشارع والأخرى على الموبايل، ومن يتحدث طوال الطريق، ومن يجد في السيارة بيتاً مثالياً يجمع العائلة في رحلات قصيرة أو طويلة.. سيارة حزينة وأخرى تضحك، ومركبة مسرعة وثانية محشورة بين رفيقاتها، ولكلٍ حكاياته اليومية التي تحفظها الذاكرة للسنوات.
لمة الأسرة
حسين المناعي أكد أن السيارة وجدت للتسهيل على الإنسان، ويجب أن تظل أداة إيجابية، وأن العبث أمام المقود أمر مرفوض، لأن الكثيرين هذه الأيام يشغلون وقتهم داخل السيارة مع الموبايلات الذكية، متناسين أن الخطر قد يصيبهم أو ربما يؤذون غيرهم في لحظات. لذلك يتعين على الشخص أن يعطي وقتاً للسيارة، تماماً كما يحفظ الوقت للعمل أو التواصل مع الآخرين.
وأوضح أنه يحب في سيارته «لمة الأسرة» في المسافات الطويلة، ففي الإجازات القصيرة، يحرص على اصطحاب أسرته لزيارة مناطق متباعدة داخل الدولة، وفي الأثناء تحفظ السيارة لهم الحوار والنقاش في أمور حياتية مهمة، بعيداً عن إدمان الهواتف التي أمست الشغل الشاغل للكثيرين، موضحاً أن السيارة أمست لدى كثيرين وكأنها «المجلس العصري»، فالوقت يحرم الناس من التواصل والتحاور وتبادل القصص والأخبار، وفي ساعات قليلة تؤمن السيارة فرصة اللقاء على الأقل لأفراد الأسرة الواحدة، وبالتالي التواصل الإيجابي والفعال مع الزوجة والأبناء، وفي السيارة لا يوجد ما يشغل عن التواصل المباشر.
تحفظ الطريق
أما ناصر محمد، فيجد في السيارة مجرد وسيلة تقوده إلى العمل دونما إحساس بالمكان والزمان، وأضاف: كثيراً ما أجد نفسي أمام مكان عملي دون أن أشعر بالطريق التي سلكتها، وكأن السيارة أمست قطعة مني، تؤدي مهام وظيفية لا إرادية، فهي تحفظ الطريق عن ظهر قلب، وتوصلني إلى مكان عملي بكل سهولة، لذا فهي قريبة مني دائماً، كيف لا وأنا أمضي معها كل يوم أكثر من ساعتين ذهاباً وإياباً إلى عملي، وأنا أعمل في الفترتين صباحاً ومساءً.
وأفاد خالد درويش أن سيارته تظل مجرد وسيلة يتنقل بها إلى حيث يريد، فوجودها في الحياة اليومية أمر في غاية الأهمية، ومن خلالها يستطيع أن يخرج مع أسرته من حالة الروتين التي يعيشها طوال الأسبوع.
الصورة النمطية
محمد المزروعي اعتبر أن السيارة «ساترة أموره» على حد تعبيره، وهي عين الشخص التي يرى فيها الدنيا، وأكثر من ذلك فالسيارة تعكس مظهر الإنسان ومكانته الاجتماعية، وهي تلخص الصورة النمطية التي تتشكل عن الشخص بمجرد نظرة، فلو كانت السيارة مثلاً حديثة ونظيفة وفخمة فهي تعرّف عن واقع صاحبها الاجتماعي المرموق، تماماً كما يعكس بيت الشخص الواقع النفسي والاجتماعي عند صاحبه. وعند الشباب فإن للسيارة مكانة مضاعفة، لكونها أصبحت أداة الاستدلال الأولى على واقع الشاب وهيبته.
وأضاف المزروعي أنه يمضي مع سيارته أكثر من 10 ساعات يومياً، يتنقل من خلالها إلى العمل والبيت والأصدقاء، ويقضي بها حاجاته وضروراته، ففي معظم الوقت يجد نفسه يقود السيارة ويسير بها إلى حيث يريد، لذلك فهو يوصي بأن يحافظ الشخص خلال قيادته للسيارة على تعامل يليق بالبشر، فلا يغضب ولا يؤذي غيره في الطريق، لأنه بذلك يفعل كما يفعل من يؤذي جيرانه في البيت، فالسيارة أصبحت بيتنا الثاني بامتياز، لذا وجب على كل من يقود سيارة أن يحافظ على بيته، والأهم أن يحترم من هم في بيوت حوله.
قفص حديدي
في السيارة لا يهدأ هاتف علاء عودة ولا يصمت لسانه، بحكم أن عمله يتطلب منه الإيفاء بمهام متعددة، فهو يتنقل طوال اليوم في شوارع دبي والشارقة لإنجاز أعماله الخاصة، فتجده يمضي معظم الوقت في السيارة وهو مضطر لإتمام كثير من الأعمال عبر هاتفه الذكي، من اتصال ومراسلات ونحو ذلك.
وفي الإجازات، يجد علاء في السيارة متنفساً للخلاص من الأجواء العملية المرهقة كما يقول، التي يعيشها طوال أيام الأسبوع، إذ يحرص على اصطحاب أفراد أسرته إلى أماكن ترفيهية أو في زيارات عائلية إلى إمارات أخرى، وفي الطريق تظل السيارة خير وسيلة تجمع الأسرة في هيئة من المتعة والفرح والتواصل الإيجابي، ولا تمر الساعات دون نقاشات عائلية مع الزوجة والأبناء، تهم البيت عموماً وتؤتي في المجمل ثماراً إيجابية داخل القفص الحديدي.
الخصوصية في السيارة مكفولة بالإجماع
كيف تقضي وقتك خلال تنقلاتك في السيارة؟ سؤال طرحه مدونون عبر الإنترنت، واضعين للإجابة عنه جملة من الخيارات: (في ذكر الله. في الاستماع إلى مادة صوتية. في التفكير «هواجس». في تلاوة ما تحفظ من القرآن.
في إجراء مكالمات عبر الموبايل. جميع ما تقدم)، أجاب غالبية المستطلعين «جميع ما تقدم»، ما يعني أن السيارة أمست البيت الضيق للإنسان، وفيها يجد الشخص ما يريد، ويؤدي المهام التي يود، في خصوصية مفرطة يبحث عنها الجميع.
تلك الخصوصية أكدها أيضاً استطلاع أجري في دولة عربية، ونشره أحد مواقع الإنترنت، جاء فيه: السيارة ملاذ آمن لمن ينشد الخصوصية، بعيداً عن ضوضاء البيت وفضول الأصدقاء، وفي التفاصيل فقد تم استطلاع مجموعة من الأشخاص يعملون في مجالات مختلفة، وطلب منهم تحديد المكان الأول الذي يمنحهم شعوراً بالخصوصية والراحة، كانت الإجابة الأكثر حضوراً «السيارة» ضمن قائمة طويلة من الخيارات المحددة لهم، ومنها غرفة النوم ودورات المياه وغرفة المعيشة وغيرها.
بقي أن نقول: لو افترضنا أنك تقضي ساعتين في السيارة لكل مشاويرك اليومية، فإنك تمضي 700 ساعة فيها طوال العام، أي ما يقارب 90 يوم عمل، على اعتبار أن مدة الدوام اليومي هي 8 ساعات، وهو رقم كبير جداً قياساً مع ساعات أقل تُهدر على الطرقات في دول كثيرة، لذا حري بنا أن نستغل الوقت بما يفيد.. وبالمناسبة هناك سيدة عربية حفظت نصف القرآن الكريم لمجرد سماعها إلى قراء ماهرين أثناء قيادتها السيارة من بيتها إلى مقر عملها.
نقطة أخيرة؛ في السيارات الحديثة يوجد خيار يوضح لك وقت التشغيل منذ بداية قيادتها إلى يومنا هذا، ويمكن للكثيرين قراءة الوقت وحساب المعدل السنوي أو الشهري أو اليومي للقيادة، لمعرفة كم من الوقت أمضى مع السيارة، ربما سيكون أكثر من وقته مع الأبناء أو الزوجة أحياناً!
جانب متحرك من الشخصية
في تقدير الدكتور أحمد فلاح العموش عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة الشارقة، فقد أصبحنا اليوم نعيش حالة من الالتصاق والاندماج مع السيارة التي باتت تشكل جزءاً هاماً من حياة الجميع. تجدها حاضرة وبقوة في مناسبات مختلفة؛ في الفرح والحزن وفي العمل والإجازة، وعند المتعة والترفيه، وللضرورة وفي غيرها من الأجواء للسيارة الأولوية.
وأضاف: إن السيارة في المجتمعات الشرقية على وجه الخصوص، أضحت نوعاً من الوجاهة الاجتماعية، خلافاً لبعض الدول المتقدمة التي تُعطى فيها الأولوية لوسائل النقل العام والدراجات ونحو ذلك، مشيراً إلى أن السيارة تؤدي أدواراً إيجابية في غاية الأهمية، لكنها في الطرف المقابل أوجدت نوعاً من الكسل، وقللت من حركة الأشخاص، وجعلتهم عاجزين من دونها عن أداء المهام الموكلة إليهم، وبنسبة كبيرة.
تحفظ الأسرار
وأوضح أن الشخص ينظر إلى السيارة باعتبارها شيئاً رمزياً وكياناً يرافقه ويحفظ أسراره، وباتت تحظى بنوع فريد من الخصوصية، لافتاً إلى البعض يدللون سياراتهم كما الأبناء، يغسلونها ويعطرونها ويبتسمون لها، ويحزنون في حال اتساخها أو تعطلها أو تعرضها لحادث، لدرجة أنه أصبح هناك نوع من الخطاب ولغة تواصل بين الشخص وسيارته، وكأنه يتحدث معها، ويعيش في أحضانها ثنائية الفرح والحزن. والواقع يؤكد أن الاهتمام بالسيارة في عالمنا العربي قد فاق حدود المنطق إلى درجة التعلق الأعمى بها.
ولفت الدكتور أحمد العموش إلى أن متوسط بقاء الشخص في السيارة في دولة الإمارات يتراوح بين 4 و6 ساعات يومياً، وهو جزء كبير من حياة الإنسان، الذي أصبح يتقبل الزحام ويندمج مع سيارته في مختلف الظروف والحالات، بحكم أن حالة العشق والانتماء والاهتمام بالسيارة قد بلغت ذروتها، لا سيما وأن الإنسان في داخله النفسي والاجتماعي يدرك أن السيارة هي الوسيلة أو «الكيان» الذي لا حياة بدونه، مع العلم أن السيارة ليست سوى وسيلة نقل لمساعدة الإنسان، ولو أنها أكثر من ذلك لما لجأ الكثيرون إلى بيعها وتبديلها، لكن في المقابل يمكن رصد حالات كثيرة عاشت أجواءً نفسية صعبة، وتأثرت لدرجة البكاء على سيارات بيعت أو تعرضت لحادث، وهو ما يؤكد حالة الارتباط بالسيارة.
تطور الدول
وقال: إن السيارة تدخل ضمن الأدوات المحورية في المجتمعات المتقدمة، وهي من وسائل التحديث ومن علامات تطور الدول، وفي دولة الإمارات يبدو المشهد أكثر وضوحاً في تفسير حالة التعلق بالسيارات، والمجتمع هنا من أكثر مجتمعات العالم تعلقاً بالسيارة، وذلك مرده إلى جملة من الأسباب، منها الدخل المرتفع، ورحابة الطرق وجاذبيتها وأمنها، وصلابة البنى التحتية، لكن المشكلة الأبرز تتلخص في حالة الإفراط في استخدام السيارات الخاصة دون اللجوء إلى وسائل المواصلات العامة.
حالة استثنائية
يوسف العبيدلي، حالة استثنائية في عالم السيارات، فهو لم يشترِ طوال حياته سوى سيارة وحيدة، بفعل إلحاح والدته عليه، وقد اعتاد قيادة أي سيارة يجدها في بيت العائلة، وهو لا يهتم بالسيارات ولا يلتفت إليها خلافاً لواقع آلاف الشباب والشواب، مشيراً إلى أنه تعرض خلال قيادته لحادثين خطيرين، لكنهما لم يؤثرا عليه، وظلت علاقته مع السيارة في حدود المنطق لأداء مهام محددة في التنقل من مكان إلى آخر بحكم عمله، وهو لا يرضى لنفسه أن ينفق مئات آلاف الدراهم من أجل سيارة فارهة، لأنه يعشق السفر، وله الأولوية.







