أن يتعلق ابنك بعالم الطيور والحيوانات، وأن يمضي معها ساعات وساعات، وأن يعشقها إلى حد «الأبوة أو الأمومة» أحياناً، فذلك أمر طبيعي يمكن تبريره؛ طالما أنه طفل صغير أو مراهق. أما أن يصل به الحد إلى معرفة فصائل بعضها، وأن يصنفها من مجرد نظرة؛ على أنها من سلالات نقية وأصيلة أو هجينة، وأن يخبرك بأن هذا الطير أو ذلك الحيوان أصوله كذا وكذا؛ ففي الأمر غرابة، فكيف إذا عرفنا أن عمر ذلك الابن لا يتعدى الثلاثة عشر عاماً، وأنه يجيد النظر إلى عالم الطيور والحيوانات بهذه المعرفة، ويعيش معها ذلك الواقع الاحترافي.

تلك هي ببساطة؛ قصة الشاب المواطن سعيد سالم سعود الجابري ابن مدينة دبي، البالغ من العمر حالياً 18 عاماً، والذي يدرس الطب البيطري، سنة أولى في جامعة الإمارات، بعد أن أجاد في سنوات ماضية، التعامل مع الحيوانات من عين هاوية ومن زاوية نظر احترافية، وبتطبيق عملي يرقى إلى مرتبة الأطباء عن جدارة واستحقاق.

مستقبل مهني

حينما بدا واقع الجابري بهذا الكم من الاهتمام وبذات الحجم من الفضول وفي المعرفة أيضاً، لم يكن أمام الوالد والوالدة سوى التفكير بجدية في مستقبل مهني لابنهما، مبني على أسس سليمة في الاختيار وفي تحديد المسار، وذلك بعد أن أدركا أن اهتمامات ولدهما بهذا الحقل تعدت حدود الهواية إلى العشق والولاء، إذ إنه ورغم عمره الصغير، كان يتواصل عبر الإنترنت مع مواقع متخصصة، تُعنى بعالم الطيور والحيوانات داخل الدولة وخارجها؛ ينهل منها ويتعمق فيها ويُفيد ويستفيد.

راقبت الأم ولدها، وتيقنت أنه يمتلك حساً معرفياً وعشقاً مهنياً لهذا العالم الذي يظل لدى الكثيرين مجرد هواية وحسب، لكن سعيد «الطبيب الصغير» كما أسماه الكثيرون، كان ينظر إلى مستقبله قبل الوقت بسنوات، ويحدد خياره بثقة وثبات، وهو ما حرّض أسرته على مساندة طموحه المبكر ومساعدته في الوصول إلى مبتغاه سريعاً، خاصة وأن العاملين في هذا الحقل من المواطنين بتخصص وعلم، لا يعدون على أصابع اليد الواحدة.

بلدية دبي

طرقت الأم باب بلدية دبي وتحديداً قسم الخدمات البيطرية لتثري فضول ابنها بالخبرة والمعرفة التطبيقية، وتمنحه فائدة ملموسة بالتدريب الصيفي عوضاً عن تركه بلا إنجاز في شهور الإجازة.. للوهلة الأولى قوبل طلب الأم بالرفض لأن سعيد لم يبلغ «السن القانونية للتدريب الصيفي» الذي يبدأ عادة من الصف العاشر، وهو لا يزال في الصف الثامن، وذلك تحديداً قبل أربعة أعوام من الآن، لكن إصرار الأم وحرصها على مستقبل ابنها، أقنعا المسؤولين في التفكير بالاستثناء في حال اجتياز سعيد لاختبار التدريب في قسم الخدمات البيطرية.

بالطبع؛ ذُهل المسؤولون في البلدية بدراية سعيد ومعرفته في الأمور البيطرية، وتبصره بالكيفية الواجب على الإنسان أن يتعامل بها مع الحيوانات والطيور، لاسيما في ما يختص بتربيتها والعناية بها ومعرفة أصنافها وبلدانها وغير ذلك من الأمور المتعلقة بهذا الحقل.

عقد رعاية

أمضى سعيد «الطبيب الصغير» أربعة أعوام متواصلة متدرباً وممارساً في قسم الخدمات البيطرية في بلدية دبي، برفقة أطباء بيطريين ساندوا طموحه ووقفوا إلى جانب الخيار الذي ارتضاه، منهم محمد يوسف الحمادي مدير شعبة الخدمات البيطرية في البلدية، والدكتور مراد بشير وسواهما من الأطباء الممارسين، مع الإشارة إلى أن سعيد وقع منذ البداية عقد رعاية مع بلدية دبي، للعمل فيها مستقبلاً مقابل سنوات التدريب، إذ يتعين عليه أن يستقر في وظيفته المنتظرة مدة خمسة أعوام بعد التخرج.

في سنوات تدريبه في البلدية، تعامل سعيد مع أصناف عدة من الطيور والحيوانات، وحمل المشرط ودخل غرفة العمليات، ورافق الأطباء في العديد من الزيارات الميدانية، وفي التلقيح والتحصينات، وسواها من الممارسات البيطرية الاحترافية.

سلالات جديدة

قبل الأوان تأهل سعيد لدراسة الطب البيطري، وأثرى معرفته في مزاوجة الطيور والخروج بسلالات جديدة، وفي معرفة كافة التفاصيل المتعلقة بالحيوانات «الدبش»، وخاصة الخيول والجمال، وهو يثري هذه المعرفة من خلال الزيارات المكثفة لمزرعة الأسرة التي تضم كماً منوعاً من الطيور والحيوانات التي يعشقها سعيد ويمضي معها وقتاً طويلاً من أيام كثيرة.

الواقع يؤكد أن سعيد وبحكم أنه قد ظفر خلال سنوات تدريبه في بلدية دبي، بالعديد من شهادات الشكر والتميز في الأداء الوظيفي في مجال الطب البيطري، فقد بات وكأنه يحمل شهادة جامعية في هذا المجال. إنه مشروع باحث إماراتي بامتياز، كيف لا وهو لم يمضِ في تخصصه الجامعي سوى بضعة أسابيع، ويمتلك كل هذا الكم من المعرفة والثقة والاقتدار في عالم الكائنات الحية.

إنها حكاية تميز ونجاح وطموح للعبور إلى مستقبل مهني لا يبدو عادياً لدى الكثيرين، لكنه حلم لطالما سكن تفكير سعيد الذي وجد ضالته في التدريب الصيفي، وفي الدراسة الجامعية، ولحسن حظه؛ فإن تخصص الطب البيطري في جامعة الإمارات وُجد هذا العام، وسعيد الجابري أول من يدرسه بالطبع. وهنا لا بد أن يشار إلى دور بلدية دبي التي قدمت وتقدم كل يوم نموذجاً للتدريب لأبنائنا الطامحين، وتمنحهم كل ما يحتاجون إليه للنجاح، فلتكن تجربتها تعميماً إيجابياً لدى كافة مؤسساتنا. على أن يكون التدريب بجدية وممارسة حقيقية، مع تشديد الرقابة على المتدربين وفق آلية الالتزام. كي يستفيدوا ويفيدوا مستقبلاً.

نموذج في التدريب

 

حرصت والدة الطبيب الصغير سعيد الجابري، على توجيه رسالة شكر وامتنان إلى بلدية دبي، فهي كانت خير سند لولدها في سنوات مبكرة من طموحه؛ احتضنته وتبنته ووجهته بثقة إلى الدراسة والتخصص الذي يريد. تقول الأم بصفتها ناشطة في المجال التطوعي: إنها تجربة تستحق الوقوف على واقع التدريب الذي أمسى مجرد تمضية للوقت أو بالأحرى هدراً له، في كثير من مؤسساتنا التي لم تعر هذا الجانب القيمة التي يستحقها، فالتدريب أمر في غاية الأهمية، وفرصة لاختصار الكثير على أبنائنا، وهو ما يستوجب منا أن نعيد النظر إليه، بأن يكون التدريب وفقاً للميول والتخصص.