قصة ملحمة وطنية قهرت المستحيل

الطرق في الإمارات.. تاريخ ممتد بين المدن ومنجزات وسط الرمال

ت + ت - الحجم الطبيعي

ترتبط مدن دولة الإمارات العربية المتحدة وقراها بشبكات طرق معبدة واسعة ومضاءة ومزودة بجميع الخدمات التي يحتاجها مستخدمو الطرق، فقد ربطت مدن الدولة كافة بشبكة من الطرق البرية الحديثة وتم إضاءة الطرق الرئيسة وساهمت مبادرات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، في رصف وتعبيد مئات الطرق السريعة.

وإنشاء عدد كبير من الجسور والأنفاق على مستوى الدولة، كما تعتبر جهود صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، نقلة نوعية في مجال البناء والتشييد وتكللت في مجال الطرق بتشغيل مترو دبي في 9 سبتمبر 2009 .

واتجهت الدولة مؤخرا لبناء خطوط للقطارات على مستوى الإمارات ككل، أضف إلى ذلك أن الطرق الخارجية قد ربطت بين الإمارات ودول الخليج العربي وطوت آلاف الأميال في الجبال والصحارى فأصبحت ساعات قلائل بعد أن كانت تحتاج إلى أيام وأسابيع وإلى شهور أحيانا كثيرة.

تاريخ جليل وحاضر مشرق

ولكن هذا الأمر لم يكن على هذه الحال من اليسر والتسهيل، بل هو نتيجة لجهود القادة والصناع على مر عقود من التعب والبناء.. وتتمتع دولة الإمارات العربية المتحدة منذ أقدم العصور بموقع استراتيجي مهم..

فهي نقطة اتصال وطريق تجاري بين بلدان كانت منذ فجر التاريخ مصدر حضارات ومعبرا لعديد من التيارات الثقافية.. وبفضل هذا الموقع أتيح لسكانها عبر حقب التاريخ المتتالية إقامة علاقات وثيقة مع كل مراكز الحضارات القديمة التي عرفتها آسيا وأفريقيا وأوروبا.

موقع استراتيجي وتجارة رائجة

وإلى جانب الموقع كانت الإمارات في عصورها القديمة تنتج كثيرا من السلع التي شكلت حاجة الإنسان الضرورية في أوقات متفرقة.. فكانت في يوم من الأيام موقعاً مهماً لإنتاج المعادن ونقل خامات النحاس إلى وادي الرافدين منذ الألف الثالث قبل الميلاد..

كما أن وجود الواحات وتوفر المياه على امتداد السفح الغربي لسلسلة جبال الحجر ساعد على الاستيطان منذ آلاف السنين. وعلاوة على ذلك تقلب المناخ مرات عديدة صارت فيها المنطقة ممطرة فكانت المياه فيها جارية بصفة شبه دائمة وعليه فإن الإمارات شكلت موضعا ارتاده الإنسان في أيام لم يكن إبانها مستقرا.

وعليه أصبحت تلك المسالك طرقاً تاريخية وأثرية وشواهد مادية وفنية تقف دليلا على المعالم الحضارية لهذه المنطقة منذ عصور ما قبل التاريخ حتى العصور الإسلامية مروراً بيومنا هذا.

العصر الحديث والطموح القيادي

وفي عام 1959 اتفق حكام الإمارات بالإجماع على شراء ممهد للطرق من طراز "كاتربيلر" وفي عام 1965 تم إنشاء صندوق التنمية في الإمارات المتصالحة من أجل تمويل الخدمات الداخلية ومن بين المشاريع التي أنجزت كان الطريق المرصوف بين دبي ورأس الخيمة.

تبع ذلك إعلان بريطانيا الانسحاب من المنطقة إذ أعلنت قرارها النهائي بالانسحاب من الخليج في 14 فبراير عام 1971 وفي الثاني من ديسمبر عام 1971 تم الإعلان رسميا عن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة برئاسة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والمغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم نائباً له "رحمهما الله" تلك اللحظة التاريخية كانت نقطة تحول في تاريخ الدولة وسوف تبقى في قلوب الإماراتيين للأبد.

الترحال في ربوع الإمارات

ويصف سالم بن إبراهيم السامان السفر والترحال في ربوع الإمارات أيام مجلس حكام الإمارات المتصالحة قائلا: "كانت الرحلة من دبي إلى أبوظبي شاقة وصعبة، والطريق صحراوياً غير معبد ويتأثر بمد وجزر البحر وبالمطر فإذا كانت حالة البحر مدا فلا نستطيع ان نسلك طريق البحر فنسلك طريقا آخر داخل الصحراء يستغرق من ست إلى سبع ساعات.

أما عندما تكون حالة البحر جزرا فنختصر المسافة وتكون مدة الطريق 4 ساعات ولكن الأصعب من هذا كله عندما يهطل المطر في ذلك الوقت يتحول مدخل أبوظبي إلى وحل ومستنقعات تتجمع بها المياه فلا تستطيع السيارات عبورها فتضطر السيارات للانتظار أمام هذه المستنقعات حوالي ثلاثة أو أربعة أيام انتظارا لتجف ثم يسهل عبورها".

طريق السراب وحوادث مفجعة

وأضاف السامان أن الطريق كان في ذاك الوقت يسمى طريق السراب لأن من يسلكه إما أن يصل لغايته المنشودة وإما أن يموت ويقول السامان.. أتذكر في بداية حكم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، سافر محمد بن فردان الشاعر في سيارة أجرة ومعه عدد من الأشخاص وبدلاً من أن يسلك السائق طريق اليسار سلك على غير العادة طريق اليمين فعلقت السيارة وماتوا جميعا في نفس المكان.

وتابع السامان: لم يكن الطريق من أبوظبي إلى العين أحسن حالاً وربما أسوأ بكثير من الطريق الساحلي، ففي أحد الأيام حضر الشيخ حميد بن محمد القاسمي والشيخ كايد بن محمد القاسمي لزيارتي في أبوظبي وقبل مغادرتهما طلبا مني مرافقتهما للسلام على الشيخ خالد بن سلطان آل نهيان وبعد الانتهاء من الزيارة وقت الظهيرة استقلوا سيارة إلى العين لزيارة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.

وكان يشترط أن يسير السائق في هذا الطريق الرملي الوعر مسرعاً وإلا ستعلق السيارة في الرمال إذا سار ببطء وعلمت فيما بعد أن السيارة توقفت في الطريق بالقرب من منطقة "أبو سمرة" ولم يجدوا سوى ظل شجرة واحدة استظلوا بها من حرارة الشمس الحارقة ومن شدة الحر شربوا من الريديتر "مبرد ماء السيارة" وتم إنقاذهم من الموت المحقق بعد أن مرت عليهم سيارة ونقلتهم إلى العين لاستكمال رحلتهم للسلام على الشيخ زايد.

الأيام الخوالي ورحلات شاقة

من جانبه يتذكر المواطن علي بن ضبيب العامري من واحة ليوا الأيام الخوالي بحلوها ومرها ويمد بصره بعيدا فوق الكثبان الرملية ويتتبع رحلة طويلة شاقة اعتاد أن يقوم بها فوق ظهور الإبل إلى مدينة زايد التي تبعد عن الواحة حوالي مئة كيلومتر فتستغرق الرحلة حوالي يومين ذهابا ومثلها إيابا.

ويقول العامري: سكنا في هذه الواحة الواقعة على تخوم الربع الخالي وكانت تسكن معنا في هذه الواحة قبائل كثيرة واعتدنا الذهاب الى مدينة زايد وابوظبي على ظهور الإبل ولكن كانت رحلتنا تزداد صعوبتها عندما يكون معنا مريض نطلب له العلاج في ابوظبي فتأخذ الرحلة أسبوعا لنصل وجهتنا وأسبوعاً لنعود.

ويذكر أن أهالي المنطقة عانوا كثيراً في حياتهم وثابروا وكافحوا من أجل كسب لقمة العيش قبل تولي المغفور له الشيخ زايد مقاليد الحكم ولكن بعد قدوم زايد شهدت المنطقة تحولات كبيرة في بناها التحتية نتيجة اهتمامه وحرصه، رحمه الله، بها مما كان له أكبر الأثر في تغير نمط الحياة في ليوا بعد ربطها بالطرق الحديثة مع باقي إمارات الدولة.

وما يذكره المواطن سالم سعيد الشحي وهو أحد أبناء المناطق الجبلية في رأس الخيمة "بروت" وفي العقد السادس من عمره.. أن الشيخ زايد، رحمه الله، قد كان رحمة للناس وأنقذهم من أزمة كبيرة والشيخ زايد توفاه الله لكن ما زلنا نعيش من خير زايد وخير صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله.

ما قبل زايد الخير

 

يقول سالم بن إبراهيم السامان في الفترة التي سبقت حكم الشيخ زايد كان الوصول إلى جزيرة أبوظبي يعد مشكلة حقيقية إذ لم يكن جسر المقطع موجوداً وغالباً ما كانت مياه السبخة تغمر المنطقة التي تربط بين جزيرة أبوظبي باليابسة بالكامل خاصة خلال فترات المد أو بعد هطول الأمطار الغزيرة..

وفي تلك الفترة لا وجود للطرق المعبدة أبداً والأشد قسوة أن هذه الطرق لا تتوفر بها أي خدمات وربما يمر أسبوع أو أكثر ولا أحد يسلكها فهي خالية ولا تدب بها الحركة إلا ما ندر.

وأكد أن الشيخ زايد، رحمه الله، منذ بداية حكمه اهتم بالطرق وعبدها ورصفها وشيد الجسور فانتشرت على أرض الدولة أفضل شبكات الطرق بالمنطقة وزرعها بالأشجار والحدائق الغناء وحوالي عام 1965 نفذت شركة "سكانا" مشروع جسر المقطع كما نفذت شركة أخرى مشروع المطار اللذين افتتحهما الشيخ زايد في عام 1968.

طباعة Email