«هل لديك خبرة».. هذه العبارة كثيراً ما أرقت الخريجين، ونقلت الإحباط إلى قلوب الباحثين عن العمل، فهناك جهات تضع في مقدمة شروط التوظيف توفر الخبرة مهما امتلك الفرد من مهارات وقدرات شخصية، لكن مبادرة مطارات دبي ونموذجها الاستثنائي بتوفير فرص من «ذهب» ضمن برنامج للتوظيف أطلقت عليه «مسار»، مهد الطريق باحتواء الخريجين، والأخذ بيدهم في دورات تدريبية مكثفة في تطوير المهارات الشخصية والمهنية مستمرة لنحو عام، إلى جانب إتاحة الفرصة أمام المتدربين كي يعملوا في إدارات وأقسام مختلفة.
يحرص برنامج مسار على استثمار الكوادر الوطنية وتعزيز قدراتها على العمل لتحقيق الأهداف المرسومة للغد والمتمثلة في فرز قيادات وطنية قادرة على تبوؤ وظائف قيادية في مجالات مختلفة في الموارد البشرية والعلاقات العامة والإعلام وعمليات ساحة المطار والمشاريع الهندسية وغيرها، كما تختار مطارات دبي الخريجين المواطنين وفق معايير واشتراطات مهنية وعلمية معينة، فضلاً عن اختبارات عدة يتعين على الطالب اجتيازها، إذ تستقبل اللجنة المكلفة طلبات الالتحاق من مختلف جامعات وكليات الدولة، وها هي اليوم تحتفل بتخريج أول دفعة من فريق الغد.
خامات جديدة
وقالت سوزيت ليون رئيس تطوير الكفاءات الوظيفية، إن برنامج مسار يعد من أهم البرامج التي تخدم الخريجين في بداية الطريق، وتتمثل فكرة البرنامج في استقطاب الخامات الجديدة من المواطنين المتخرجين من مختلف الجامعات والتخصصات، وتدريبهم في مواقع عمل مختلفة في مطار دبي الدولي لنحو عام، كي يتمكنوا من اكتساب مهارات مكثفة خلال هذه الفترة، فضلاً عن خضوعهم لدورات تدريبية في القيادة وحل المشكلات ومهارات التواصل وغيرها، مفيدة أن البرنامج حدد رؤية واضحة كي يتبوأ فريق مسار مستقبلاً مواقع قيادية.
أكد خالد النقبي أحد الملتحقين بالبرنامج، أن الخريج يحتاج إلى الخبرة في العمل، ويصطدم بأبواب مغلقة ترفع شعار الحاجة إليها، لكن الالتحاق بمسار مهد الطريق أمام الملتحقين بالبرنامج، ثم ساعد على نهل الخبرة والكفاءة بمدة زمنية قصيرة، مفيداً أن أكثر ما يفتقر إليه الخريج هو مهارات التواصل مع الآخرين، لذلك يحتاج المتدرب إلى مقابلة أكبر عدد من الوجوه، ما يمكن تحقيقه عبر الالتحاق بأقسام وإدارات عدة تضم مجموعة مختلفة من الجنسيات.
نظام «الشفتات»
لا يتفق النقبي مع من يتذرع بأن نظام المناوبات «الشفتات» متعب لا يتناسب مع الفرد، إذ يعمل ضابط عمليات مناوباً لخدمة المسافرين في إدارة عمليات المبنى بالمطار، ويشعر بأن هذا النظام يقتل روتين العمل المتكرر، لاسيما وأنه يعمل في أضخم مطارات العالم الذي يوفر له رؤية حياة المسافرين على مدار الساعة، إلى جانب اكتساب الخبرة مع مختلف حالات المسافرين، مؤكداً أنه سعى إلى العمل في المطار منذ سنوات باعتباره جزءاً من منظومة ومؤسسة عالمية تمثل الدولة، كما يحركه الدافع لتحقيق الأهداف المرسومة في أن يصبح مطار دبي الدولي الأول عالمياً.
أما تعامل عفراء أهلي مع مختلف الإدارات كونها تعمل في الموارد البشرية، عزز من قدرتها على اتخاذ القرار في العمل، إضافة إلى الدورات التي ساهمت كثيراً في التعامل مع القرارات ذات الحاجة إلى سرعة رد حاسمة، وكشفت بجلاء عن تطور مهاراتها المهنية بتعاملها مع مختلف المشكلات والقضايا الداخلية بموضوعية أثناء خروج المسؤول في إجازة، مضيفة: إن قسم الموارد البشرية منحها فرصة استثنائية للتعرف على كافة الموظفين العاملين في المطار، ومؤكدة في الوقت نفسه أنها رسمت صورة مختلفة لإيقاع العمل داخل المطار، لكنها اكتشفت خلال عام ونصف من الآن مدى حجم المسؤولية.
الأفكار المبدعة
حصلت سارة السويدي بموجب العمل في وحدة التطوير والتعليم، على مهمة للإشراف على الدفعة الثانية من فريق مسار، بمتابعة ودعم جميع الأعضاء الجدد في الفريق، وقد ساهم التحاقها بالفريق العام الماضي على تطوير الأفكار المبدعة، عازية السبب أيضاً إلى الانتساب لمختلف الدورات المقررة ضمن مسار، ويبدو أن البرنامج سلح المنتسبين للدفعة الأولى بالإرادة والرغبة لاستكمال البرامج الجامعية، مشيرة إلى أن المطار في صدد اختيار مجموعة من الموظفين للدراسة، ومؤكدة في الوقت نفسه أن الحصول على موظفين يتمتعون بقدرة عالية على الإنجاز مرهون بما تقدمه جهة العمل من تأهيل وتدريب وامتيازات تتمثل في تعليم الموظفين.
400 طلب
قالت سوزيت ليون رئيس تطوير الكفاءات الوظيفية: إن اللجنة المكلفة ضمن برنامج مسار استقبلت نحو 400 طلب التحاق من مختلف الجامعات والكليات في الدولة، وسيتم الاختيار حسب معايير متفق عليها مثل المعدل الجامعي ومستوى اللغة والشهادة الحاصل عليها المتقدم، وسيمر الجميع باختبارات عدة بعضها عملية وأخرى نظرية، إلى جانب إجراء مقابلة شخصية الهدف منها تحليل شخصية الفرد، للتعرف على جوانب محددة مثل القدرة على تحمل ضغوطات العمل، منوهة إلى أن المتدربين سيمرون على مختلف الأقسام والإدارات، وهذا من شأنه تأسيس شبكة علاقات واسعة تخدم الفريق على المدى القريب والبعيد، كما جاء اختيار المجموعة وفق معايير مهنية وعلمية محددة مسبقاً.
العمل الإعلامي في المطار يبدد الحواجز
ممارسة العمل الإعلامي وإتقانه باللغتين العربية والإنجليزية، مهمة تبدو صعبة لدى البعض، لكن ريم لوتاه كسرت حاجز الصعوبة بامتياز، وتأهلت خلال عام ونصف لصياغة الأخبار الصحافية وتوثيق الأحداث في مطارات دبي باللغتين العربية والإنجليزية، مؤكدة أن الرغبة في التعلم تبدد جميع الحواجز والعقبات، لذا استطاعت بإرادتها أن تتسلم مهام جساماً تتمثل في استقبال وفود رفيعة المستوى من مختلف دول العالم، وكتابة الأخبار والمشاركة في تنظيم الأحداث داخل المطار وخارجه.
في ما يتعلق بتعامل لوتاه بحرفية مع العمل الإعلامي، قالت إنها شعرت بصعوبة في الأداء باللغتين العربية والإنجليزية في البداية باعتبارها تلقت تعليمها الجامعي باللغة الإنجليزية، لكن المتابعة المستمرة في برنامج مسار والحرص على تخريج كوادر ذات كفاءة عالية، ساهما بقوة في تجويد العمل على نحو سريع، إذ حظيت باهتمام محيط من كافة الجهات أثناء التدريب، مما ساعدها في صياغة الأخبار وتوثيق الأحداث باللغة العربية، كذلك عزز التعامل عبر مخاطبة الشركاء الاستراتيجيين والجهات المعنية العاملة في مطار دبي الدولي، في تحرير كافة الرسائل بجودة عالية.
وصفت لوتاه المطار بأنه بيئة تطوير جاذبة للعمل، وكانت الفكرة قد رسمت مسبقاً عن فرص لتأسيس شبكة علاقات موسعة مع الجهات والأفراد، يمنح العاملين فرصة للتعرف على الأفراد من مختلف الجنسيات، بالتالي يكتسب الموظف خلال عام ونصف مهارة عالية في التواصل، لافتة إلى أن العمل بروح الفريق الواحد سمة لا بد من توفرها في بيئة العمل، كذلك حري بالهيكل الإداري أن يقلص الفجوات مع طاقم العمل، وهذا ما حظي به أعضاء فريق مسار وأشعرهم بأريحية مطلقة، إذ كانت قنوات التواصل مفتوحة مع الجميع، وحظي الجميع بدعم لا محدود من سمو الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم رئيس هيئة دبي للطيران المدني رئيس مطارات دبي، الذي استقبل أعضاء الفريق وأشاد بما حققوه، كما قدم المتدربون آنذاك مجسماً لطائرة صغيرة تُجسّد إحدى طائرات أسطول طيران الإمارات بمناسبة العيد الوطني لدولة الإمارات مزخرفة بألوان علم الإمارات.
في المقابل، أثنت روية الغفلي على برنامج مسار كونه يخدم الطلبة الخريجين بمفهوم يسمو إلى الارتقاء بمستوى المواطنين كي يتقلدوا مواقع عمل قيادية مستقبلاً، لاسيما وأن الدورات صقلت شخصية أعضاء فريق مسار ذات الصلة بتطوير مهارات العمل والفردية بشكل مباشر، إلى جانب تلقي الدورات على يد خبرات عالية المستوى والكفاءة.
كما التزم الجميع بتقديم بحوث تكشف عن نظرة المتدرب حيال مشكلة ما وتحليلها، إذ حصل جميع أعضاء الفريق على شهادة دبلوم معتمدة من بريطانيا بناءً على ساعات الدراسة النظرية والعملية المكثفة للموظفين الجدد. وأضافت: إنها تعمل في قسم تصميم المشاريع الهندسية في المطار، ويتحتم عليها الإشراف على الأنظمة الأمنية وخلافها من غرف التحكم، وشعرت بالسعادة عندما وقع الاختيار عليها للعمل ضمن الفريق، كذلك زاد من مستوى الرضا والسعادة مشاركتها في قسم المشاريع الهندسية الذي يضم أكبر عدد من الموظفين، والعمل ضمن منظومة تتوافق مع ما تمت دراسته في الكلية خلال السنوات الماضية.
ريم الصفار تحب في عملها مهمات إضافية
مما لاشك فيه، أن البعض قد يتذمر من إلحاق مهام متعددة به خلال العمل، لكن ريم الصفار إحدى الملتحقات ببرنامج مسار للتوظيف، تعكس عبر واقعها المهني حقيقة مختلفة، وتقدم نموذجاً استثنائياً للطاقة الإيجابية في العمل، إذ تعمل في إدارة خاصة بصياغة قوانين الأمن والسلامة والتدقيق فيها، لكن شغف العمل دفعها إلى تسلم مهمة إضافية تتمثل في إرشاد الطائرات للوقوف في الموقف الأرضي الصحيح.
تعرفت الصفار على القوانين العالمية للطيران، وحرصت على الاطلاع بتوسع في هذا المجال، كذلك يتحتم عليها معرفة مقاسات جميع أنواع الطائرات، كي يتسنى فتح موقف أرضي جديد للطائرة حسب الحجم، وتعد الصفار المواطنة الوحيدة التي تعمل في هذه الإدارة، موضحة أن البعض يعتقد أن هناك إدارات خاصة بالأجانب، لكن العمل مع طاقم من مختلف الجنسيات، برهن على أن المواطن قادر على العمل في جميع المواقع والأقسام.
مهمة العمل المنوطة بها الصفار، تشعر بأنها لا تقل مسؤولية عن الوظائف الأخرى، لأن قوانين الأمن والسلامة من شأنها حماية الأرواح والممتلكات والبيئة وضمان سلامة كافة العناصر السابقة، مسؤولية تقع على عاتق الصفار التدقيق على حيثيات القوانين وتحريرها بما يضمن منع الأسباب والأفعال التي قد تؤدي إلى الإصابة أو وقوع حوادث داخل منطقة المطار.
فسرت الصفار رغبتها بالانتشار في المهنة بإعجابها بالعمل في المطار كونه بيئة مفعمة بالحركة المستمرة للمسافرين لاسيما وأن مطار دبي الدولي يسابق الدول في الفترة المقبلة للاستحواذ على لقب أفضل مطار في العالم، لذلك يشعر جميع الموظفين بالفخر إزاء العمل في المطار، موضحة أن حب العمل درء الفراغ والتقاعس من قاموس حياتها، وهذا لسان حال الكثير من المواطنات اللواتي حرصن على ممارسة بعض الأعمال والمهن الصعبة مثل تصميم المشاريع الهندسية البحتة وخلافها.
كذلك لاحظت الصفار أن عمل المرأة في المطار بات يوازي نظيرها الرجل، ونظرة خاطفة على مواقع العمل المختلفة في الإدارات تؤكد أن المرأة تحظى بدعم منقطع النظير من الحكومة إلى جانب المجتمع الذي تبدلت نظرته السلبية نحو الأفضل تجاه عمل المرأة، ومن الواضح أن الإماراتية حققت إنجازات لا تحصى على الصعيدين المحلي والعالمي، موضحة أن العنصر النسائي أثبت قدرته على تجاوز الصعوبات وتحمل المشقات عكس ما كان يعتقد البعض.







