من النادر جداً أن تسمع عن شاب أتم الزواج بلا ديون، بسبب غلاء المهور وارتفاع تكاليف الزواج ومتطلبات ما بعده، لذا تجد الشباب مرغمين على التوجه نحو الاقتراض من البنوك من أوسع الأبواب لمواجهة موجة ارتفاع الأسعار، إلا أن مثل هذه الصور تبدو نادرة الحدوث في مدينة خورفكان، التي ارتبط أهلها بعادات لا تزال في الصدارة، ومنها تمسكهم بعادة «الشوفة» أو «العينية» كما يسميها البعض، والتي ساهمت طوال السنوات الماضية وإلى الآن، في دفع العديد من الشباب إلى دخول القفص الذهبي دون أوجاع نفسية وانهيارات عصبية أو أزمات مادية، وإن اختفت أجواؤها وطقوسها في فترات معينة، وكادت أن تصبح في حكم المنقرضات.
عادة متجددة
الشواهد تؤكد أن المدنية الحديثة لم تفلح في طمر العادة القديمة المتجددة المرتبطة بالزواج في خورفكان بصفة خاصة، وإن لم تعد متداولة بشكل كبير في بعض مناطق الساحل الشرقي، فالشوفة ساهمت بشكل كبير في التواصل الاجتماعي وتخفيف أعباء مادية عن أفراد وأسر كثيرة، وبالأخص لدى المقبلين على الزواج. وهذه العادة تعتبر من علامات التكافل الاجتماعي المشهورة في مجتمع الإمارات والمجتمعات العربية عموماً، وهي مستمرة حتى هذه الأيام في بعض المناطق، والشباب ما زالوا يحافظون عليها بل ويتسابقون وبالأخص في حفلات الزفاف، عبر تقديم الهدايا للعريس في أجمل أيام عمره، لذا تعتبر «الشوفة» عوناً وسنداً ودعماً للشاب في تخفيف العبء عنه، وإن اختلفت في شكلها وقيمتها.
«مراواة» الذهب
«البيان» استطلعت عدداً من الآراء للتعرف على تلك العادة وأهميتها وفائدتها وآثارها. فقد أوضح المواطن سلطان محمد حنون النقبي، أن الأيام تختلف من زمن إلى آخر، إلا أن العادات والتقاليد المتوارثة منذ القدم راسخة في مكانتها رغم اختلاف أشكالها، مبيناً أن هذه العادة تتم عندما تبادر أم المعرس بتخصيص أيام قبل حفلة الزفاف وتسمى «مراواة الذهب»، في مناسبة لعرض الذهب على النساء من الأهل والأصدقاء لمشاهدته، ويتم قبلها تقديم الوليمة إما في حفلة غداء أو عشاء، ومن خلاله تبادر النساء بتقديم مبالغ نقدية على حسب مقدرة الشخص تسمى «الشوفة» أو الهدية، لتعين على مصاريف العرس، ويبقى ذلك ديناً على أهل المعرس يسترد بمناسبة شبيهة، وتقدم الهدية إما في وقت «مراواة الذهب» أو في حفلة حناء المعرس.
مشاركة الفرحة
أما مريم النقبي منسقة ثقافية بمركز الشارقة للشعر الشعبي، فأشارت إلى أن الهدية - كما تفضل أن تطلق عليها تأتي من باب المشاركة في الفرحة، وهي عادة لا تزال موجودة في خورفكان لكن طريقتها وأجواءها اندثرت، مؤكدة أن هذه العادة المحببة من الصعب أن تزول أو تنقرض، على حد وصفها، وإن ضعف صداها عن ذي قبل، لافتة إلى الأجواء الجميلة التي كانت تحيط بتلك العادة، ما يدلل على حالة التآخي والتواصل بين الناس، وهو ما منع ظهور ما يسمى حالياً بمشكلة غلاء المهور، وتكاليف الزواج التي تثقل كاهل الشباب المقبلين على الزواج، أو تزيد من رقعة العنوسة بين الفتيات، داعية إلى التكاتف من أجل المحافظة على هذه العادة الحميدة التي تدعم قوة وترابط المجتمع.
سمة إيجابية
من جانبه، بيّن محمد مبارك العواني من مواطني خورفكان أن «الشوفة» أو«العينية» كما يطلق عليها، تعني المشاركة في إعانة المقبل على الزواج بمبلغ مالي، أو أمور عينية مختلفة، وهي كثيرة. وهذه العادة تعتبر من العادات والتقاليد الراسخة في المجتمعات العربية وإن اختلفت في مسمياتها وأسلوبها وطريقة تأديتها، والتي لو نظرنا إليها بتمعن ستجد أنها لا تخرج عن إطار الدين الإسلامي، بل هي من أسياسيات الشريعة والتكافل والإخاء الاجتماعي، لافتاً إلى أنها ذات سمة إيجابية محببة، ولها دور كبير في تخفيف عبء تكاليف الزواج لدى الكثير من الشباب المقبلين على حياة أسرية جديدة، نافياً أن تكون بمثابة دين أو سلفة مستردة لفترة غير محددة، والشواهد تؤكد وجود الكثير من الأمهات والآباء الذين زوجوا أبناءهم وربما لا يكون لديهم أبناء أو مقبلون على الزواج، ولكنهم يساهمون في «الشوفة» من أجل مشاركة الناس أفراحهم.
وأشار إلى أن خورفكان لا تزال محتفظة بهذه العادة المستمرة حتى الآن، رغم تطورات الحياة عموماً، وإن اختلفت آلية تأديتها من حيث الأسلوب والكم والكيف والوقت.
عرف اجتماعي
وذكر المواطن مراد صالح البلوشي أن «الشوفة» عرف اجتماعي مستحب وسلوك إنساني جيد، على اعتبار أنها مساعدة وهدية تعكس مكانة الشخص وعائلته في نظر المحيطين، سواء من أقاربه أو جيرانه، والتي لا تقتصر عليهم فقط بل تمتد إلى الأصدقاء وزملاء العمل، والهدف الأساسي منها مساعدة العريس أو مشاركته في تحمل تكاليف الزواج، كما أن بعض الشباب يستعين بالشوفة للتخلص من بعض الديون التي وقع فيها لتحمل مصاريف الزواج، مطالباً بالاستمرار بنهج الآباء والأجداد والمحافظة على هذه العادة التي تعكس قيماً حميدة مثل الترابط والتآخي والتعاون في المجتمع.
وقت «الشوفة»
كانت «الشوفة» تؤدى حينما يدعو أهل العريس الأقارب والمعارف، مع تحديد فترة وتكون في الغالب فترة الغداء، وفيها تتم مشاهدة الذهب «ذهبة العروس»، أو تكون في تنظيم حفلة حناء خاصة بالعريس، وقد كانت في فترات سابقة تقدم في صور أخرى غير المال؛ مثل ذبح الإبل والأغنام وبعض الهدايا المادية، لكنها اختصرت في الأعوام الأخيرة على تقديم مبلغ مالي للعريس. ومن العادات المستحدثة أخيراً، إقامة حفل غداء أو عشاء للرجال والنساء أيضاً دون تنظيم فعالية معينة، وخلاله يبادر الأشخاص بوضع ما تيسر في يد العريس أو والده ووالدته.
عادة متوارثة إماراتياً وعربياً
«الشوفة» عرف اجتماعي إماراتي وعربي متوارث منذ القدم، وهو عبارة عن مبلغ من المال أو هدايا وأشياء عينية تقدم لصاحب مناسبة. ولم تكن تنحصر في جانب الزواج، بل في أمور أخرى كالمساعدة في الكوارث أو دفع الدية أو ما شابه، لكنها اشتهرت في الوقت الراهن في المساعدة على تحمل تبعات الزواج، والتي تتمثل في أن يسلم المدعو - من الأهل والأقارب والأصدقاء والجيران- هدية حفل الزواج للعريس أو أبيه أو من ينوب عنهما كإخوته أو أعمامه، وكذلك بالنسبة لوالدته أو من ينوب عنها، والتي تستقبل هدايا مدعواتها.
وتختلف مظاهر الشوفة من مكان إلى آخر ومن عائلة أو قبيلة إلى أخرى، إذ إنها تسهم في توفير المبالغ المالية التي ينفقها الشاب من أجل إقامة حفل الزفاف وما يتضمنه من مصاريف عالية، وإلى جانب ذلك فإنها تخفف كثيراً من استعانة الشاب «المعرس» بالقروض البنكية المشروطة بفوائد كبيرة، وتجنب الوقوع في الديون التي يتكبدها من أجل زواجه.
وهناك من يقدم «شوفته» بشكل جماعي حسب العادة، وآخرون يقدمونها بشكل منفرد، ومن الناس من يكتفي بإيصالها دون حضوره شخصياً.
وبالطبع يختلف حجم «الشوفة» حسب درجة القرب من الشخص ومعزته، وحسب درجة القرابة أو الصداقة بين العريس والمقدم له. على سبيل المثال، من كان لديه رصيد اجتماعي عند الآخرين، ويحرص على حضور مناسباتهم، فإنه قد يحظى بحضور وفير ومبالغ كبيرة، إذ تصل قيمة الهدية إلى 50 ألف درهم وأكثر في بعض الأحيان، وإن كانت تقدم وفق استطاعة كل شخص، وتبدأ بمبلغ أدناه مئة درهم لغاية قيمة غير محددة، وفي بعض الأوقات تكون محيرة للشخص، بأن يرد المبلغ نفسه أو أكثر منه، وتلك السلبية الوحيدة والنادرة ربما لهذه العادة. التعاون لا ينحصر في الزواج
الباحثة الاجتماعية وخبيرة التراث الشعبي، فاطمة أحمد عبيد المغني توضح أن «الشوفة» أو كما كان يطلق عليها «العينية»، كانت توجد في المنطقة الشرقية ككل، إلا أنها لا تزال مستمرة في خورفكان والمناطق المجاورة لها، مؤكدة أنها عادة اجتماعية حميدة ومتوارثة، وقد عرفت منذ زمن طويل عند الآباء والأجداد في المجتمعات القبلية تحديداً، عندما كانت الحياة آنذاك مفعمة بالصعوبة، والمال لا يعد شيئاً كما الآن، فكانت المساعدات تقدم بشكل مباشر على شكل مؤونة غذائية وذبائح أو سمن وعسل وغنم وحبوب وأقمشة وملابس، وهكذا.
وفي الفترة الأخيرة استقرت «الشوفة» على تقديم مبالغ مالية لتعزيز ملامح التعاون بين أفراد المجتمع، لتجاوز ظروف معينة.
وأشارت المغني إلى أن «الشوفة» لم تنحصر في السابق على الزواج وحسب، إنما كانت تقدم أثناء الكوارث، كالحريق أو غرق السفن والبضائع وأيضاً للمساعدة في بناء مسكن أو مسجد أو دفع دية، لافتة إلى أن هذه العادات والتقاليد أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها حميدة وطيبة، لما فيها من مشاركة في باب التكافل الاجتماعي، فهي لا تخرج عن أطر التواصل والإخاء الإنساني، كما أنها تدعو إلى المحبة والتآخي وعمل الخير، بحدود وشروط لا يكون للمبالغة والمباهاة طرف فيها.
وشرحت المغني أن هذه العادة استمرت في مدينة خورفكان، خاصة في الزواج، وبشكل ملحوظ عند العديد من العائلات التي لا تزال تنتهج منهج الآباء والأجداد بالاستمرار في هذه العادة المميزة التي تهدف إلى تقوية دعائم المحبة وصلة الرحم، وأيضاً مشاركة المقبل على حياة أسرية جديدة وإعانته لإكمال نصف دينه تماشياً مع توجيهات ديننا الحنيف، موضحة أن «الشوفة» تظل من باب التعاون، وإن كانت بمثابة مساعدة يقدمها أهل الشاب وأصدقاؤه ومعارفه عند زواجه، مشاركة منهم ومعونة له ولأهله للتخفيف من أعباء وتكاليف الزواج.






