أحياناً نختزن في ذاتنا طاقات إبداعية مكمونة، لا ندركها إلا بعد أن يكشفها لنا آخرون، عندئذٍ نمضي في طريق العطاء وكل ما نحتاجه قليل من الدعم والتشجيع؛ ذلك ما واكبته الشاعرة علياء جوهر، التي ظلت في طفولتها تحرص على المشاركة في جميع الأنشطة المدرسية والمسابقات الأدبية، ولم تعِ أنها تخفي موهبة كشفت عنها لاحقاً معلمة اللغة العربية في تلك الفترة، إذ لاحظت المعلمة قدرة علياء على إضافة المحسنات البديعية للموضوع أثناء الكتابة، ومقدرتها العالية على كتابة الشعر، ما جعل المعلمة تدفع بعلياء إلى المشاركة في مسابقة شعرية نظمتها وزارة التربية والتعليم آنذاك على مستوى مدارس الدولة، فحصدت خلالها المركز الثاني.

طابور الصباح

منحت الجائزة علياء دفعة قوية لنظم القصائد، وأشعل تكريمها في طابور الصباح أمام الطالبات، الحماس والتحدي مع نفسها، فكانت البداية قوية بكتابة الشعر الفصيح، وسعت بحرصها الشديد على صقل الموهبة بواسطة التعليم الذاتي، فحظيت بتشجيع أحاط بها من كل الاتجاهات، وهي قد وجدت أن الشعر تسلل إلى قلبها قبل أن ترثه عن خالها الذي امتلك ملتقى للشعراء في مجلسه، وكان له اهتمام منقطع النظير بالشعر والأدب، إذ احتفظ بالكثير من الدواوين النادرة لشعراء محليين ينتمون إلى الرعيل الأول، إلى جانب أنه كان كاتباً وسعى إلى توثيق أمور كثيرة في الغوص وخلافه، لا تزال محفوظة في متحف عجمان، وقد توفي منذ فترة طويلة، وقد كان لوقع الوفاة أثر قوي على قلب زوجته، التي أقدمت على حرق الدواوين من حزنها الشديد.

أسوأ قرار

ثمة قرارات يتخذها الفرد في حياته، يدرك نتائجها لاحقاً، وسير علياء في مضمار التعليم، من أسوأ القرارات التي اتخذتها في حياتها على حد تعبيرها، ذلك لأنها درست علم النفس بجامعة الإمارات، وطمحت إلى مركز خاص أو مزاولة المهنة التي تناسب تخصصها بشكل أدق، لكن القيود المجتمعية والأعراف الموجودة، حالت دون ذلك، فقد رفض أهلها أن تلتحق بعمل غير التعليم، وبلا نقاش وافقت وأيدت موقف العائلة لتتسلم مهام وظيفتها معلمة في السنوات الأربع الأولى، ثم مشرفة ووكيلة فمديرة لاحقاً.

طبيبة نفسية

كانت مهمة التعليم شاقة وتعتريها صعوبات كثيرة، وفيها مسؤولية عظيمة لا يُستهان بها، لذا أمست علياء في ندم كبير، بعد مضي سنوات كثيرة على عدم تمسكها بطموحها كطبيبة نفسية. ناهيك عن إهدار الفرص التي أتيحت لها للالتحاق بهذا التخصص، في بعثات إلى مصر وبريطانيا، لكن معارضة أفراد الأسرة وكذلك المجتمع لدراسة الفتاة في الخارج، وقفت أمام كل تلك الطموحات، لكنها على الأقل تمكنت من خلال تجربتها في ميدان التربية والتعليم، من امتلاك القدرة العالية على حل المشكلات، وتلك ميزة فريدة لا توفرها سوى المدارس. ورغم ذلك تنصح علياء جوهر الطلبة أينما كانوا بالتمسك بطموحاتهم، وعدم النظر إلى الحوافز المادية وخلافها أثناء الاختيار، لأن العمل عطاء يحتاج إلى يد قادرة على الإنجاز بأمانة ووفاء لرد الجميل إلى الوطن.

أندية الفتيات

ولأندية الفتيات بالشارقة، فضل على قلب علياء جوهر، إذ التحقت بها منذ التسعينات، ووجدت فيها المنبع الذي يفجر طاقاتها، ونتيجة اللقاءات والفعاليات المقامة هناك، والتحفيز من كل الأعضاء، حصلت علياء على مكانة مرموقة بين الشعراء، لاسيما مع وجود امرأة عظيمة بأفعالها، وقد حفزت الجميع على المثابرة والاجتهاد، ولم تدخر جهداً في دفع السيدات نحو الرقي بطموحهن إلى الأمام، ألا وهي حرم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، رئيسة المجلس الأعلى لشؤون الأسرة في الشارقة، ومنها حصلت علياء على تشجيع غير محدود، إلى جانب عائشة النومان مديرة نادي الفتيات بالشارقة في ذلك الوقت، وهو ما مدّها بمعنوية وحماس لا تقدير لهما.

موقع وديوان

غير ذلك أوضحت جوهر، أن أندية الفتيات كانت المنصة الرئيسة للانطلاق نحو المشاركات الشعرية الخارجية في قطر والأردن وغيرها من الدول العربية، وقد أصدرت ديواناً يضم مجموعة من أعمالها الشعرية، إضافة إلى تأسيس موقع إلكتروني يضم وصلات سريعة لأشعارها بالصوت، ومقالات كتبتها في قضايا ومواضيع مختلفة، كما خصصت مساحة بعنوان «سوالف صمت»، تسلط من خلالها الضوء على زوجين مختلفين في قضية ما لتكون النهاية سعيدة بالوصول إلى حل، إلى جانب «نقطة ضوء» تعزز من خلالها الوطنية، وتسرد فيها كل ما يصب في خدمة الوطن أو يعزز من الولاء له.

وفي النهاية أكدت الشاعرة علياء جوهر أن الإعلام يسلط الضوء على الشاعر الذكر أكثر بكثير.

أيام البحر

 

سر وثيق يربط الشاعرة علياء جوهر بالبحر، فهي عاشقة للبحر تهوى هدير أمواجه، وتعتبره من الأصدقاء المقربين لها، وكثيراً ما ظل البحر وجهتها الأولى، بعد الخروج من العمل وقبل الذهاب إلى المنزل. ووصفت علياء حياة الماضي بأنها مفعمة بالبساطة، فهي تشتاق إلى تلك الأيام التي ظلت أدواتها حاضرة في ذاكرتها وبقوة، فالألعاب الشعبية ورفقة البحر واجتماع أبناء «الفريج»، كلها صور جميلة نفتقدها اليوم، فالتطور الذي نعيش دفع الكثيرين إلى الانتقال إلى مناطق أخرى، مثلما حدث مع عائلتها التي انتقلت من عجمان إلى دبي، لكن الحنين إلى الماضي أعاد والدتها إلى حيث تربى الأبناء.