لم يكن زمن المرأة العاملة قبل أكثر من عقدين أو ثلاثة، يسيراً كما هو الحال في زمننا المعاصر. فقد كان زمناً مختلفاً، فهو كما بدا زمن الاختراق إلى العالم المعاصر، والانتقال من جيل البساطة والروتينية إلى جيل المتغيرات والمستجدات، ومن زمن الرضوخ الأعمى إلى العادات والتقاليد إلى زمن المواجهة والمطالبة بحقوق المرأة، ومن زمن انطلاق المرأة القابعة في بيتها إلى امرأة تضع قدميها في جميع مجالات الحياة بكل ثقة واصرار.
نقطة الالتقاء
إن العبور من مرحلة إلى أخرى لم يكن سهلاً كما يتخيله البعض، فعندما أتت النهضة لم تنزل بالتدريج إنما هبطت كالصاروخ، والنساء العاملات في مجالات جديدة واللواتي عشن نقطة الالتقاء بين جيلين متناقضين، وعاصرن الانفتاح المفاجئ من غير إرشادات موجهة أو استعدادات مسبقة للتحديات المبهمة والمطبات المحتملة آنذاك، هنَّ بالفعل رائدات شققن دروبهن وسط المفاجآت والتكهنات، وجعلن الطرق مفروشة والجسور ممدودة أمام انطلاق المرأة، ويمثلن أيضاً اللبنات الأولى في تشكيل المرأة الإماراتية الناجحة.
سجادة حمراء
في إمارات الدولة ومدنها المختلفة، لدينا رائدات بسطن بأناملهن الجريئة وأفئدتهن الشجاعة، سجادة حمراء للجيل الجديد من النساء، وأزلن كثيراً من التحديات الصعبة والحواجز الصلبة، وقد لعبت سياسة حكومة دولة الإمارات الرشيدة دوراً أساسياً في مسيرة المرأة، وسنت القوانين لتسهيل طريقها، والتي كان لها دور فعال في نهوض المرأة ومساندة الحركة النسائية، ورغم ذلك كله، لم يكن هناك جسرا مرصوفاً أو طريقاً سالكاً تستطيع المرأة عبوره عبر وسط اجتماعي محافظ وحذر.
ثلاث مهندسات
تسحبني ذكرياتي عندما عينت في وزارة الأشغال العامة قبل أكثر من عقدين، إذ كنا ثلاث مهندسات، وعندما وافقت وصممت على العمل في المواقع، كان ذلك بمثابة صاعقة نزلت على الجميع، حيث كان دخول المرأة في مجال غير التعليم والطب يلقى رفضاً اجتماعياً آنذاك، شاملاً المصارف والبنوك، إلا أن شخصيات نسائية رائدات، خففن الوطأة، وأدين لهن الفضل في مسارات المرأة، فهناك شخصيات محلية وخليجية وعربية ظلت صورهن قابعة في مخيلتي، أستمد منهن العزيمة والإصرار.
وقد زرعن في داخلي ثورة قاهرة لوضع المرأة وقيودها، وظل جل همي أن أبرهن إمكانيات المرأة، أتذكر عندما تسلقت سلم العمال مراراً، إذ كنت أتولى التدقيق على الحديد أحياناً قبل الصب، وقد ساعدتني على المضي قدماً، صور نساء مغلوبة، وأخرى ناجحة ومثابرة محلية وعربية، وقد تمكنّ من اختراق تحديات كثيرة في الزمن الصعب.
وسط الصخور
لدينا شخصيات نسائية شققن دروبهن وسط الصخور في مجالات صعبة حينذاك، غير متداولة للنساء كالهندسة والجيش والطيران والإعلام وقد أثبتن جدارتهن، شخصيات نسائية غائبات عن الأضواء وساحة الإعلام، اقتحمن مجال العمل بكل إصرار وثبات، وفتحن الأبواب للأجيال الجديدة لتكون سهلة وميسرة، وقد كنّ الدرع الواقي أمام تيارات المجتمع المتقلب، واجهن تقلبات الحياة بثقة، إنهن رائدات استحقين التصفيق والتكريم، وكل الحوافز وجمل الشكر والإطراء، على كل ما واجهن من تحدٍ وعقبات، وعلى كل ما قدمن للمجتمع، لتسهيل صعود المرأة إلى مكانتها الحالية.
