عشقت الفن فأدركت أن الجمال يكمن في ابتكار الأفكار الجديدة، وأن البيئة بكل مفرداتها وتفاصيلها، مصدر يستلهم منه الفنان مكونات عمله دون تمييز.. هكذا هي فاطمة محمد السراح التي أعادت إلى الأشياء المهملة قيمتها ورونقها من خلال تجسيدها في أشكال فنية نادرة، متكئة على شغفها الفني الذي برز منذ نعومة أظفارها، فيما أسهمت نشأتها في أسرة فنية، في صقل خبراتها وتطوير لمساتها، حتى أصبحت ذات ريشة مبدعة وحس فني مبهر.
بدأت فاطمة مشوارها الفني بتجسيد الواقع في لوحات ورقية من الواقع، فتارة تجسد الطبيعة في لوحة، وتارة أخرى تمزج بين الطبيعة ومشاعرها وخيالها، لترسم مشاهد أنيقة، فشهد لها أصحاب الخبرة بتميزها، ودفعوا بعزيمتها لتكمل ما بدأت فيه بإرادة قوية، وبعد أن حظيت بكلمات الإطراء والإعجاب، تبلور شغفها وأصرت آمالها على إبداع أفكار جديدة تخطها بأناملها.
عن بدايتها تقول السراح إن التشجيع الذي حظيت به جعلها تعيد صياغة أفكارها وترتب أولوياتها لتحقق طموحها في أن تصبح رسامة مبدعة، فقضت أوقات فراغها في تطوير إمكانياتها والارتقاء بريشتها، ومكثت على هذا الحال فترة طويلة حتى اكتشفت أن جودة عملها تزداد يوماً بعد آخر، وأن انسجام أحساسيها مع الألوان التي تضيفها أخرج أعمالها الفنية بصورة أكثر جمالاً، وزاد من الإقبال على لوحاتها، وأكسبها شهرة في محيطها، وبدأت الطلبات تنهال عليها من قبل الذين يشاهدون أعمالها.
لم يتوقف طموحها عند نقطة معينة، بل إن التطوير والتجديد في أعمالها ظل هاجساً تتطلع إليه، فأيقنت أن المبدع لابد أن يحافظ على إبداعه من خلال ابتكار أشياء جديدة حتى لا يذهب ما يقدمه هباء مع مرور الأيام، فالتميز يتطلب منها أن تقدم أعمالاً فريدة، فارتكزت على المجسمات من خلال إعادة تدوير خامات البيئة، وعوضاً أن ينتهي مصيرها إلى مكب النفايات، راحت تحولها إلى عناصر فاعلة يمكن الاستفادة منها عبر إضافة بعض اللمسات الجمالية عليها.
إقبال كبير
للوهلة الأولى، اعتقدت السراح أن المشوار الذي اختارته قد لا يحظى بمستوى الإعجاب الذي حظيت بها اللوحات التي رسمتها، لكن ذلك الشعور لم يثنِ عزيمتها، ووجدت في التراث الإماراتي خيالاً خصباً يمكن للفنان أن يستلهم منه العديد من الأفكار، فعكفت على تجسيد التراث في لوحات بأحجام مختلفة، من خامات كانت في طريقها إلى سلة المهملات، أضافت عليها بريشتها ولمساتها، حتى تحولت إلى تحف فريدة.
هنا؛ لم تدرك فاطمة قيمة وجمال أعمالها الفنية بفكرتها الجديدة، لكنها ذُهلت عندما شاركت في أحد المعارض وشاهدت الإقبال الكبير على لوحاتها، التي نفذت منذ الساعات الأولى لافتتاح المعرض، ما بثّ فيها السعادة والتفاؤل ودفع معنوياتها بجرعة من الإصرار لتنويع إبداعاتها، ومن هنا انتقلت لتقدم لوحاتها إلى زبائنها، وترسم نقش الحناء على اليد، وتصمم ديكورات المنازل والأفراح، وتبدع أيضاً في أغلفة الهدايا والحلويات. الفكرة نصف العمل
تؤمن فاطمة السراح بأن الفكرة هي نصف العمل أو الجزء الأكبر منه، فمتى توصل الإنسان إلى الأفكار والأساليب الصحيحة، سهل عليه تنفيذها، لذلك تصر على إيجاد الحلول والبدائل مهما كلفها ذلك من الوقت والجهد، واستدلت على ذلك عندما التقت في مشاركتها في أحد المعارض، شخصاً أخبرها أنه يمتلك بعض القطع النادرة التي استوردها من دولة أوروبية، ويرغب في الحصول على طريقة تبرز هذه القطع وتحافظ عليها لسنوات طويلة، فطلبت من الشخص أن يضع هذه القطع معها ويترك رقم هاتفه، وأنها ستعاود الاتصال به فور توصلها إلى فكرة ما، فرفض الرجل في بادئ الأمر خوفاً من ضياع القطع أو تلفها، فأصرت عليه حتى وافق، وبعد تفكير استغرق أيام، توصلت السراح إلى الحل المناسب، الذي لم يستغرق تنفيذه سوى ساعات قليلة، وبادرت بالاتصال بالشخص تطلب منه الحضور لاستلام قطعه النادرة، وعند وصوله ذُهل من بساطة الفكرة وجمالها.
الفن.. باب آخر تطرقه الإماراتية بتميز واقتدار
حياة المرأة الإماراتية في العقود القريبة الماضية، شهدت نقلات نوعية في مجالات شتى، وبعد أن ظلت «الرقم واحد» خلف الكواليس الحياتية، أمست اليوم تمسك بمسؤوليات جمة في المجتمع لا تقل مكانة ولا أهمية عما يظفر به الرجل، فلم تعد إمكانياتها وطاقاتها تسخر فقط في تربية الأبناء ورعاية شؤون البيت، وأبعد من ذلك، لم يقتصر دورها في المجتمع على مسؤوليات العمل والوظيفة.
اليوم، أصبحت المرأة الإماراتية شريكاً متساوياً مع الرجل في الدفع بعملية التنمية وتبني الأفكار اللامعة والطموحات الشاسعة، من خلال مشاركتها الفعّالة في سوق العمل والتي استحوذت بها على نسبة كبيرة من إجمالي القوة العاملة، وتبنيها المشاريع والأعمال الخاصة، والواقع يؤكد أن المرأة باتت تحظى بفرص عمل واستثمار هي ذاتها التي يحظى بها الرجل في المجالات كافة.
الصورة توضح أن الإماراتية ومنذ سنوات، قد تجاوزت نطاق العمل والوظيفة وحتى المسمى التقليدي، واتجهت إلى تعزيز أدوارها في مواقع أخرى، وبرزت في مجالات جديدة، منها الفنون التشكيلة التي عبرت عنها بإحساس وذوق رفيع، وحققت بفضل الدعم والتشجيع الذي حظيت به من قيادة الدولة ومجتمع الإمارات عموماً، مراكز متقدمة بين فنانات العالم، كما هو الواقع في مجالات أخرى.
هذا التفوق لم يأتِ بمحض الصدفة، إنها حكاية طويلة قوامها الرغبة في المنافسة وتخطي القيود التقليدية، إذ تشكلت في البداية، علاقة المرأة الإماراتية بالفنون التشكيلية من خلال نساء اقتبسن لأفكارهن من اطلاعهن الدائم على العالم، وشرعن في تنفيذ لوحات من البساطة، جسدن فيها مشاعر وأحاسيس متداخلة. لكن الرغبة في التميز وبلوغ القمة، تفوقت على الإنتاج الفني، فأبدعن في أعمال فريدة، ومزجن الخيال بالواقع، واليوم تجد الإماراتية سامية في فنها بين نساء العالم بثقة وشموخ.



