كان طابوراً طويلاً حتى جاء دورها لاختبار التحاقها بوظيفة سكرتيرة المدير العام، ردت على كل الأسئلة بلباقة وإتقان، وقدمت الشهادات والأوراق المطلوبة والإضافية كشهادات الخبرة والدورات المختلفة، جلست بانتظار الرد لإعلان القرار النهائي، دقائق ويتم حسم الاختيار بينها وبين زميلتها سهى.
جلست وبجانبها زميلتها سهى تنتظر النبأ، سهى تبدو بأناقتها المتكلفة أنها صرفت وقتاً طويلاً على مظهرها، وربما تتفوق عليها جمالاً إلا أن إجاباتها كانت تفتقر إلى النباهة وأوراقها ناقصة، كشهادات الخبرة ودورات متخصصة. ظهر موظف الاختبار معلناً النتيجة «سهى ألف مبروك»، اعتذر لها وهنأ سهى بالتصفيق والترحيب.
عادت إلى منزلها المتواضع تحاول أن تنسج القصص عن سبب عدم قبولها، لعائلتها التي تنتظر بفارغ الصبر نبأ تعيينها، دخلت بحذر غرفتها وجلست محبطة، وتتذكر لحظات نيل شهادتها بجدارة وماضيها الثري بخبرات ونشاطات، تحاول أن تجد تفسيراً لفشلها، فهل هو إطارها الخارجي أم مضمونها الداخلي.
في العادة يمتلك الفرد في الحياة الحماس والاستعداد لتحقيق أهداف أساسية وفرعية، فلكل فرد طاقاته وإمكانياته، وغالباً يشكل الإطار الخارجي للشخص ومضمونه الداخلي محوران أساسيان لتحقيق غاياته، والقصد هنا من الإطار الخارجي الأوصاف الظاهرة أو البارزة والتي من خلالها تعرف الشخص، كالأوصاف الشكلية، والملابس، والطول، واللون، والوزن، والجنس، والعمر، والجنسية، والدين، والمذهب، والمسمى الوظيفي، والعرق، والاسم، والأسماء التجارية إن وجدت.. وغيرها. والمقصود بالمضمون الداخلي الأوصاف غير الظاهرة أو البارزة لشخص خاصة للوهلة الأولى، كمعتقداته، وآرائه، وأهدافه، وأفكاره، ومواهبه، وإمكانياته، وذكائه، وخبرته، واتجاهاته، وأخلاقه، ومشاعره.. وغيرها.
أحياناً يلعب المضمون الداخلي جسراً متيناً في مد الإطار الخارجي بريقه، فكلما كان الشخص موهوباً وطموحاً ويتمتع بسمات رفيعة، زادت إطلالته تألقاً، إلا أنه في أحيان أخرى يقف حاجزاً صعباً لتحقيق الفرد مراده ومتطلباته، وسداً منيعاً لنيل أهدافه.
هناك أمثلة كثيرة مشابهة لقصة تلك الفتاة المحبطة، فنجد أحياناً عند استكمال إجراءات ما، أو الاستماع إلى آراء وملاحظات شخص في مجلس، أو تقديم شكاوى وملاحظات في مؤسسة أو شركة ما، يؤخذ في الاعتبار أحياناً الإطار الخارجي للشخص كالشكل، والمظهر، والمهنة، والجنس وغيرها، وربما لا يمنح لقوة الحجة ومدى صلاحية الكلمات أو الاقتراحات المقدمة، معياراً جوهرياً للقياس.
وفي المناسبات والمحافل العامة، كمسارح الغناء أو إلقاء قصائد أدبية مثلاً يؤخذ الشكل والمظهر والاسم المتداول، مقاماً ذهبياً في التصفيق والتصويب، وقد يكون أحياناً على حساب نوعية وجودة الكلمة أو الصوت.
ومن المؤسف أحياناً وفي تعامل الأفراد اليومي عند المراجعة أو الاستفسار لطلب نوع من التنسيق أو المشاركة في نشاطات أو فعاليات أو غيرها، يكون الإطار الخارجي - وإن لم يكن في الغالب - أساساً جوهرياً للرد أو التعاون دون الالتفاف إلى مدى جدوى الاستفسار أو الحاجة أو الفائدة المحتملة، إذ يكون للإطار الخارجي النصيب الأساسي من الاهتمام والتركيز، ويأتي هذا محسوباً على جدوى مضمون الأفراد، وما يكمن فيهم من طاقات وإمكانيات، ما يعيق الأفراد عن تحقيق أهدافهم وأمنياتهم، أو المساهمة بشكل فعّال ومجدٍ.
الإطار الخارجي جزء لا يتجزأ من مكونات الشخص، إلا أن نسبة التركيز والالتفات إليه أحياناً تفوق أضعاف المعدل المفترض، إذ يكون محسوباً على مضمون الفرد الداخلي بنسب خيالية، فاحترام المضمون الداخلي من أبسط حقوق الإنسان، والأخذ باعتبار آراء الفرد واقتراحاته ومتطلباته، حق إنساني، خصوصاً إذا كان صائباً، وحكيماً، ونافعاً، فلكل فرد رسالته في الحياة، ومن المؤسف حقاً أن تعرقل دروب أو مسارات أي فرد بسبب وصف يتعلق بإطاره الخارجي، ومظهره، ولونه، وشكله ووظيفته مثلاً.
رسالتنا تتلخص في وضع كل التسهيلات وتوفير المناخ المناسب لنجعل العالم مكاناً خصباً للابتكار، وملاذاً آمناً للعدالة والمساواة، من أجل حياة أفضل للبشرية، حياة تتسم بالسواسية ليس في القوانين الورقية فقط، إنما في مختلف القوانين المرئية واللامرئية، النظرية واللانظرية، وليكون شعارنا الداخلي الجودة والنوعية مرادنا الأسمى. ظلت الفتاة هائمة في تأملاتها إلى أن استقبلت رسالة نصية عبر هاتفها المتحرك، هي خبر قبولها موظفة في شركة عالمية كبيرة، اجتازت اختباراتها قبل أيام معدودة بثقة ونجاح، وأخيراً خرجت من غرفتها مسرورة، وهي تعتذر لعائلتها عن تأخير إعلانها نبأ قبولها في الوظيفة.
shahnazabd@hotmail.com
twitter: @shahnaz_abd
