ركنت سيارتها قرب الرصيف وشغلت إشارات التنبيه، كان الجو بارداً، والليل حالكاً، والرياح هائجة، حيرة انتابتها بسبب تعطل سيارتها، ربما نفاد البترول، أو تسرب زيت المحرك، فقد أحست بثقل محركها الذي بدأ بإصدار أصوات غريبة، تملكتها حالة من الذعر والارتباك، سكون يخيم على الأحياء القريبة، والظلام يكاد يهمين على كل ركن، والبرد قارص، هدوء ساكن على جوانب كل الطرق سوى بضع همسات خفيفة وخطوات بطيئة تخدش صمت السكون، شوارع طويلة صامتة لا خيار أمامها إلا عبورها، حاولت أن تبحث عن هاتفها المتحرك فلم تجده، فقد كانت راجعة من إحدى المناسبات الاجتماعية، تذكرت أنها تركته في منزل صديقتها مريم صاحبة الدعوة، مكثت في السيارة حائرة تبحث عن حل إلى أن تملكها الملل.
ثم أقفلت المحرك وفتحت باب سيارتها، مشت رويداً رويداً بعيداً من السيارة أملاً أن تجد عابراً أو مساعداً، مشت بثيابها الزاهية عدة خطوات أحياناً تحدق بنهاية الطريق وأحياناً تلتفت يميناً ثم يساراً، لا ترى إلا المباني المبعثرة على جانبي الطريق، يبدو أنها ضيعت الطريق، وبعد قليل التفتت يميناً وإذا بسور طويل، وعندما اقتربت من المدخل ذهلت، حيث قرأت كلمة (مقبرة) باللون الأحمر على لوحة ناصعة البياض، ركضت وغيرت اتجاهها والتفتت يساراً رأت نافذة مكسورة في منزل مهجور، تبدو من بين ثناياها أعين باصرة مترقبة، يعلو خلف المنزل صوت مزيج من نباح كلب ونداء مستغيث، مشت عدة خطوات بطيئة، حاولت التظاهر بعدم الاكتراث، ثم تلتها خطوات سريعة هائمة، ركضت وركضت لا تدري إلى أين.
وصلت في النهاية إلى طريق مسدود، ثم انتابتها حالات من الفزع والذعر بألوانها وتسارعت دقات قلبها، وقفت قليلاً وقد استحوذت عليها أوهام كثيرة، لم تكن تلك الأوهام محسورة على طابور من الأموات غادروا المقبرة ليبنوا سداً من الأشباح أمامها، ولا لمجموعة من اللصوص يحملون سكاكين وخناجر ربما سيلاحقونها، أو تخيلات أخرى مفجعة.
فربما تكون فريسة لأنياب كلاب فتاكة، ولكن الفاجعة الأكبر كانت أن تلك الأوهام والتخيلات لم تكن هي الأسباب المحورية، لم تكن الأشباح واللصوص والكلاب هي الأسباب الرئيسية لقلقها وذعرها، ولكن أفكاراً جديدة سرعان ما انتابتها ونافست تلك التخيلات وأخذت تربكها، فلماذا لا يكون هناك أشخاص يقطنون هذه المباني يراقبونها وقد ملكتهم الدهشة والغرابة في تفسير رؤية فتاة في منتصف الليل تتجول بمفردها، أشخاص قد يمسكون بأي حبل أو فتيلة وقد يصبون وقوداً لينسجوا القصص والروايات الخلابة والمثيرة وليشبوا حريقاً من الفتن والمشاكل.
أو ربما مجموعة من الأفراد لا تفسير لا منطق لا حجج يتضمن قاموسهم، إلا ذاك الذي يخدش حياء الإنسان أو ينال من هيبته وكبريائه، وزادت نبضات قلبها عندما سحبها الخيال وهي فريسة لأشخاص لا تزيد من قناعاتهم اليومية ولا ترسم ابتسامة النصر وجوههم إلا إذا أضافت مجالسهم أدخنة من الإيماءات اللاذعة أو سلسلة من الإشاعات المركبة والهتاكة وخصوصاً عندما تجلب بعض من الأسماء اللامعة أو عندما تكون تلك الأحاديث ممزوجة بخدوش أخبار أو شطور وقائع، وأحياناً تكون تلك الإيماءات قاسية أكثر قسوة من تلك السكاكين وأكثر ألاماً من جروح قد تتركها خناجر لصوص أوأنياب كلب.
أصوات عالية و(قهقهات) صادرة من إحدى شرفات المنزل أفاقتها من التخيلات، ثم أخذت تلك الأصوات تقترب، ربما للاستفسار والبحث والاستكشاف، ما زاد عليها إحساسها بالأرق والتعب، وعندما بدت على تعابير وجهها صور الاستسلام والهزيمة، سمعت بوق سيارة خلفها، التفتت وإذا بنداء صديقتها مريم: (تعالي اركبي السيارة بسرعة)، وأثناء ركوبها في السيارة، حدثتها مريم كيف وجدت هاتفها المتحرك بعد انصراف المدعوات، وحاولت الاتصال بهاتفها الثابت بمنزلها فلم تجدها، وانتابها شعور غريب بأن مكروهاً قد أصابها، وصممت أن تبحث عنها وترجع لها هاتفها المتحرك وتطمئن عليها.
نظرت إلى مريم بابتسامة هادئة بعدما أحست بأن طائلاً ثقيلاً من الهواجس والتخيلات المرعبة انزاح عن كاهلها، ثم أخذت آثار الرعب والخوف بالانحسار على ملامحها، لم تستطع الكلام ولا حتى الشكر، فقد كفلت إيداعات الشكر والعرفان للأيام، جلست بالسيارة والتي بدأت تتحرك راجعة، نظرت إلى الخلف تأملت تلك المباني والطرق وعندما ابتعدت وفي غمرة مسحت معها تلك اللحظات التي عاشتها بذعر وباءت هباء إلا طيف فتاة هائمة وسط الطريق في منتصف الليل فقد ظل عالقاً.
shahnazabd@hotmail.com
