عادة يعرف النجاح بعدة طرق، ولكن في الغالب أو السائد مجموعة الممتلكات المادية والشخصية التي يدخرها الشخص خلال مسيرة حياته، أوقد يكون النجاح يمثل الاسم اللامع الذي اكتسبه الفرد بوسائل متعددة خلال مراحل حياته كمواهبه الفذة مثلاً في التمثيل أو الغناء، وحيث إن المجتمع يضم أفراداً من عدة شرائح أو فئات منها التجار والفنيون والأكاديميون وغيرها، فالتاجر يكون ناجحاً مستنداً على الحصيلة المادية المكتسبة عن طريق المشاريع التجارية الخاصة به، ومن أحد دلائل نجاح الفنان مثلاً الرصيد العددي لمعجبيه، والموظفون الناجحون يقاس نجاحهم بمدى تقديم خدمات متميزة لمؤسسة ما، والطلبة يسند تفوقهم من الدرجات النهائية بعد اجتياز اختبار الامتحانات، وغيرها من الشرائح الأخرى كالدبلوماسيين والمهنيين والمثقفين وغيرهم حيث إن كل شريحة لها رسالتها في الحياة وطريقة لقياس النجاح.

إلا أن هناك شريحة لا تظهر بشكل واضح، فهي شريحة لم يتم وضع الإطار المناسب لتعريفها في الوسط الاجتماعي ولا تبرز نجاحاته بشكل ملموس، وهي الشريحة الروحانية، الروحانيون هم الشريحة الساكتة والهادئة والتي تنجز الكثير ولكن في الخفاء وتحت الأضواء، الروحانيون لا يكترثون كثيراً بالكسب المادي ولا الترويج عن خدماتهم وأعمالهم، هم فئة من الأفراد الذين يصبون جل اهتمامهم في التغيير والتطوير للحياة البشرية والأعمال الخيرية غير مهتمين بالمادة ولا الشهرة ولا الظهور.

الروحاني ذو طبع هادئ في الغالب، كثير الاطلاع والتأمل، كثير السفر والترحال، يفضل ارتداء الملابس البسيطة السهلة للحركة والمريحة، قليل الكلام كثير الاستماع، يتواجد كثيراً في مراكز الأعمال الخيرية، قد يهيمن على نشاطه ورغباته مساعدة الآخرين بشتى أنواع الطرق، كحب الاستماع الى يتيم مثلاً أو مرافقة كهل مريض، زيارة مراكز العجزة أو التبرع للمحتاجين والمساكين، وقد يقضي معظم أوقاته لمعالجة قضايا إنسانية أو اجتماعية أو علمية سواء بالكتابة أو الأبحاث، وقد يقوم بدراسات تخدم المجتمع، يقدم أفكاراً أو يروج لأبحاث مهمة وابتكارات جديدة، وأحياناً وأثناء الكوارث والأزمات قد يلجأ لإحدى المنظمات الإنسانية لزيارة مخيمات بحثاً عن تقديم مساعدات.

الروحانيون يساهمون في التغيير والتطوير بشكل كبير، ويكون هدفهم الأساسي في الحياة هو تغيير وتطوير الحياة البشرية للأفضل، لذا يقضون أوقاتاً كثيرة للمساهمة في مجالات كثيرة غير ربحية وبعيداً عن الساحة الإعلامية، فالرحانيون بالنهاية هم الأشخاص الذين يكثرون من معالجة الأمور للأفضل من غير مقابل مادي ولا لأجل مكسب اجتماعي، كما أنهم بعيدون عن الطائفية والحزبية والسياسة، أنهم يقومون بتلك الأعمال مخلصين لله وللأفراد ثم أنفسهم أو لإشباع الغريزة الإنسانية لديهم، فهم يولدون بها ورسالتهم في الحياة خدمة البشرية وهدفهم سمو إنساني أعمق.

قد يجمع الفرد سمات مشتركة، فنجد موظفاً ومثقفاً يكتب للتغيير، أو طبيباً يجيد فن التمثيل، وآخر إدارياً وتاجراً، وقد يشارك بعض من صفات الروحانية في نشاطاته، فنجده تاجراً وروحانياً متبرعاً للأعمال الخيرية، ونجد طبيباً اشترك مع شريحة الأطباء في خدمة اللاجئين عند الكوارث الأرضية، أو مغنياً اشترك في نشاطات وحفلات عدة وساهم في التبرعات الخيرية بمواهبه، وقد يجمع للفرد سمات كثيرة فنجد الفنان التاجر المثقف والروحاني، إلا أن الشخص الروحاني البحت يغلب عليه صفة الروحانية فيكون جل اهتمامه محاولة المساهمة في الأمور الخيرية والإنسانية ويعتبر الأمور الأخرى ثانوية أو هامشية.

من الجدير تعرف المجتمع إلى شريحة الروحانيين، فهم فئة ضئيلة، ومن الأجدر تقديم كل التقدير والاحترام والامتنان لما يقومون من خدمات جليلة مفيدة لكافة الأفراد آملاً لهذه الفئة التكاثر والتزايد في المستقبل، فللنجاح أوجه، ومن غير المنصف أن نقيس نجاح الشخص فقط من منطلق أعمال وإنجازات قدم لنفسه، ولا ينبغي أن تكون كلمة النجاح محصورة فقط بالكسب المالي أو الشهرة أو عدد المعجبين أو رقم في سجل بياني مثلاً، إن تفسير البعض للنجاح أحياناً بالقيمة المادية أو الرقمية للشخص ليس تفسيراً شاملاً، حيث إن النجاح أحياناً اسم مرادف لما يملك الشخص من أرقام قد يكون مالاً أو جاهاً أو عدد الأشخاص التابعين له، فمن الأجدر رؤية النجاح بشكل أوسع، فقد يكون النجاح عبارة عن حصيلة أعمال تطوعية أو إسهامات قدمها الفرد لمجتمعه أو ثمرة أعمال وإنجازات قام بها الفرد لتغيير وتطوير حياة الآخرين نحو الأفضل قد لا يشمل نفسه، فكم من عظماء كبار أضافوا للبشرية الكثير ولكن وللأسف لم ينالوا التقدير والعرفان اللازم إلا بعد مماتهم ربما بقرون.

shahnazabd@hotmail.com