تستمد الشعوب الحية هويتها من تراثها الجاري في أعماق أبنائها، وأصالتها المتجذرة في قلب التاريخ، ونجد في الامارات تراثا عريقا له العديد من الأشكال والصور، يظهر هذا التراث جليا في العادات والتقاليد التي يتوارثها الأبناء جيلا بعد جيل، ويتناقلها الخلف عن السلف بحرص واعتزاز.
يمكن القول إن عادات المجتمع الاماراتي، ترتكز في أساسها على العادات والأخلاق الإسلامية العظيمة، والأعراف البدوية العربية الأصيلة. ومن هذه العادات والتقاليد ما يتعلق بالأعياد والزواج والمناسبات الدينية والوطنية، والزيارات والضيافة، وأيضا في عادات الملبس وتقاليد الطعام، والعلاقات الأسرية، وعادات وطقوس العيدين، (الفطر والأضحى)، غير أن عيد الفطر المبارك، يبقى هو الأكثر تأثيرا في حياة المجتمع الاماراتي، ومنذ سنوات مضت والعيد يتجدد في دماء ابنائه، فمن كان بالأمس صغيرا يعيش طقوس العيد في الألعاب الشعبية ضمن الأحياء والفرجان، هو اليوم رجلا أو سيدة وجميعهما مسؤولين. أما أطفال اليوم فقد أصبح للعيد لديهم طقوسا جديدة تشملهم وتشمل الكبار أيضا، فالأطفال يقضون معظم وقتهم في الحدائق وبين الألعاب الحديثة التي كانت معدومة في الأمس القريب، بينما الكبار يمضون العيد في زيارة الأهل والأصدقاء كل في منزله، وقد يكون الكل في حي أو في إمارة أخرى.
ونستعرض بعضا من تلك العادات التي رافقت طفولة الأمس لكنها اليوم اندثر منها الكثير ، إضافة إلى المظاهر التي أصبحت جديدة على المجتمع، إلا أنه تكيف معها.
استعدادات النساء
تحدثنا أم شيخة المطروشي عن عادات النساء قديما، فتقول: قبل حلول العيد كانت النساء يستعدن لتنظيف البيت، ويجتمعن لتفصيل ملابس العيد لكافة أفراد الأسرة، بينما بعض النساء الأقل مستوى يحضرن ملابس الرجال ليتم صبغها بأصباغ مشتقة من أعشاب أو فواكه، مثل قشور الرمان، فالرجل المتوسط الحال في ذلك الوقت كان يفصل لباسه مرة واحدة في العام، والمقتدر مرتين أو أكثر، كسوة للشتاء وأخرى للصيف، ومن عادات نساء الإمارات قطف أوراق الحناء قبل شهر أو شهرين من قدوم العيد، حيث يتم تجفيف الأوراق ثم سحقها ونخلها، وتبقى حتى ما قبل العيد بأسبوع، بعدها تعجن الحناء بمغلي الليمون المجفف، بعد ذلك تبدأ عملية النقش على كف اليدين، ويعاد عليها على مدى يومين، حتى تصبح ذات لون أحمر قاني، كما تخضب القدمين وعلى (دورين) أيضا.
اعتماد على النفس
وعن العطور تقول، لم نكن نعرف وقتها العطور، لكن في القديم كانت توجد هناك امرأة من (الفريج)، مختصة بخلط العطور وصنع أقراص البخور، لكن الكثير من النساء في حينها كن يلجأن الى طبخ البخور بأنفسهن، ومن العادات الجميلة في المجتمع الاماراتي، والتي كنا نعيش فيها ونشعر بمدى حلاوتها، أن العيد لا يأتي وهناك متخاصمــون من الأهل، إلا وقد تصالحا، كذلك زيارة ذوي القربى والأهل والجيــران، وهذه من العادات الطيبة التي كنا نتبادلهــا زمان، وغالباً ما تبدأ زيارة الأقـــارب والأرحام بعد الظهر، إذا كانوا يقيمون بعيــداً أو في أماكن أو مدن أخرى، لكن هناك طقوس معينة تبدأ فيها الاستعدادات للعيد قبل وصوله، ويختلف الأمر في القرى عن المدن، وأهم ما كان يميز العيد في الماضي، تلك الفرحة التي تزدان بها نفوس المهنئين، نتيجة اهتمامهم بالعلاقات الاجتماعية والروابط الأُسرية بين الأفراد والأسرة والمجتمع حولها.
عيدية الأطفال
ومن العادات التي كانت سائدة، أن الأطفال كانوا يتلقون من أهاليهم وأقربائهم في العيد، النقود ويمنحونهم الحلوى وكوبا من اللبن، وكان الصبيان يطوفون في الحــي (الفريــج)، من أوله إلى آخره لجمــع العيديــة من الأقارب، لكن أغلب البنات كن يخرجن لتحصيل العيدية من أعمامهن وأخوالهن فقط، والجميل أن الأطفال عندمــا يجمعـــون شيئا من المال، يهرولون إلى أماكن اللعب التي تنصب في يوم العيد وتعلق فيها المراجيح أو (المريحان أو الدورفانــة)، وتنظم ساحات الرقصات الشعبية والألعاب التي يمارسها الأطفال بحب كبير، لكن الأهم في عاداتنا القديمة، أن أول اهتمام الناس كان منصبا على أداء صلاة العيــد، التي تقام في الأماكن المفتوحة (المصلى)، ثم العودة إلى المنازل وتهيئة الأهل، واستقبال المهنئين.
ذاكرة العيد.. شريط طويل من الفرح
مريم أهلي - موظفة- تقول: صحيح الكثير من يشعر بحنين إلى تقاليد العيد القديمة، وما زلت أتذكر أمي وأبي وهما يصفان لنا رمضان والعيد في الماضي، وكيف كانت الحياة برغم قسوتها إلا أن السعادة كانت تعم الجميع.
وأضافت: العيد اليوم ليس كما كان بالأمس، اليوم يأتي ونحن نعيش نهضة كبيرة في مختلف مجالات الحياة، والآباء والأمهات يقدرون هذا التغيير الذي طرأ بين العادات والتقاليد القديمــة وحالها اليوم، نحن عشنا طفولة جميلة نقضـــي أوقــات العيد إن لم يكن في الفريج في الخارج، نقضيهـــا في الحدائق الجميلة وأماكن اللعب والتسلية والتــي أصبحت في متناول الجميع، لكن الأمر الجميل إن عادات وطقوس قديمة واجبة ما زلنا نحتفظ بها حتى اليوم، مثل زيارة الأهل والأقارب وذوي الصلة والأرحام، والتصدق على الفقير والمحتاج ومساعدة الآخرين، ولو دققنا في هذه القضايا لوجدناها من صلب أعمال المواطن والمواطنة الاماراتيين، فنحن إلى اليوم ما زال المجتمع الاماراتي وثيق الصلة بأهله وأقاربه.
ويستغل أيــام عيد الفطر المبارك، لزيارة الأهل والأقارب والأصدقاء، وعلى العموم نحـــن مع تغير الزمن وتوفر كافة المتطلبـــات الرئيسية والضرورية، نعيــش أياما أفضل من حياة الآباء والأجداد التي كانوا يعيشونها قديما، ونحمد الله على هذه النعمة التي وفرها لنا الأب القائد صاحب السمو رئيس الدولة خليفة بن زايد ال نهيان، وصاحــب السمو الشيـــخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، واخوانهم حكام الامارات، رعاهم الله جميعا، الذين هيأوا لنا حياة كريمة، وحافظوا لنا على عاداتنا وتقاليدنا الأصيلة.
ولعيد الإمارات في الماضي طعم خاص، فقد كان أفقر الناس ربما يكون أكثر سعادة عند قدوم العيد، حيث لا يحمل الإنسان هما فالعيد كريم ويقال "ليس في العيد كرم أو كريم"، لأن الخير يتوفر، ومَن لا يملك تفصيل ثوب للعيد (كَندورة)، كان في العادة يحتفظ بثوبه القديم في صندوق الملابس، حتى وإن تغير لونه من الأبيض إلى الأصفر بسبب عوامل الزمن، فيلجأ الناس لصبغ الثياب قبل حلول العيد، المهم في عيد الفطر أنه فرصة يستثمرها الناس في بر الوالدين وصلة الأرحام وإكرام الجار.





