يصادف اليوم التاسع عشر من شهر رمضان المبارك 1434 هجرية الذكرى التاسعة لرحيل مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة وباني نهضتها وعزتها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، الذي ستظل روحه حية وخالدة في ذاكرة ووجدان الوطن والمواطنين وقلوب ونفوس الأمة العربية والإسلامية بعد حياة مشهودة حافلة بالبذل والعطاء نذر خلالها نفسه وكرس كل جهده وعمل بتفان وإخلاص لخدمة وطنه وشعبه وأمته العربية والإسلامية والإنسانية جمعاء ونقش سيرته في التاريخ كنموذج للقيادات الملهمة الحكيمة التي تجمعت وتوحدت قلوب البشر جميعاً حولها وأجمعت على مبادلته الحب والوفاء والولاء المطلق.
وحفل سجل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بصفحات ثرية ناصعة من المنجزات الوطنية الباهرة التي سطرها التاريخ بأحرف من نور على مدى نحو 66 عاماً متواصلة من العطاء في العمل الوطني والقومي، وذلك منذ توليه مهام ممثل الحاكم في مدينة العين بالمنطقة الشرقية في العام 1946 إلى توليه مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي في السادس من أغسطس 1966 وحتى انتخابه رئيساً للبلاد بعد إعلان اتحاد دولة الإمارات في الثاني من ديسمبر 1971.
لقد وهب زايد نفسه لبناء وطنه وخدمة مواطنيه وتحقيق طموحاتهم وتطلعاتهم في الحياة الكريمة الرغدة وقاد ملحمة البناء من مرحلة الصفر منطلقاً من رؤية ثاقبة بتسخير عوائد الثروات الطبيعية لبناء الإنسان وإقامة المدارس ونشر التعليم وتوفير أرقى الخدمات الصحية وأحدث المستشفيات والعيادات العلاجية في كل أرجاء الوطن وإنجاز المئات من مشاريع البنية الأساسية العصرية والمستوطنات البشرية التي شكلت منظومة من المدن العصرية الحديثة التي حققت الاستقرار للمواطنين.. لقد كان بحق رجل التنمية ومن الزعماء القلائل الذين تفانوا وكرسوا حياتهم وأعطوا بكل سخاء من أجل عزة وطنهم وإسعاد شعبهم.
ولاء ووفاء
وجسدت الاحتفالات التاريخية الرائعة باليوم الوطني الحادي والأربعين في العام الماضي بجلاء وصدق عمق الولاء والوفاء والحب الذي يكنه شعب الإمارات لزايد ومكانته في وجدانهم وذاكرتهم ورسخت المجد والتراث الوطني الأصيل الذي تركه وأكدت أنه يسكن قلوبهم ونفوسهم وأنه بحق روح الاتحاد وروح الوطن فقد كان زايد وطناً في رجل.
وأكد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، "ان الثاني من ديسمبر الذي نحتفل اليوم بذكراه الحادية والأربعين هو يوم لترسيخ ثقافة المواطنة وتعميق حب الوطن وتأكيد الولاء الدائم له وتعزيز التلاحم والتواصل القائم بين الشعب وقيادته، يوم نستحضر فيه بالثناء والوفاء والعرفان سيرة مؤسس الدولة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ونتذكر إخوانه الكرام الذين أرسوا دعائم دولة نفتخر بالانتماء إليها والدفاع عنها، ندعو الله أن يسكن الراحلين من آبائنا المؤسسين فسيح جناته".
وقال سموه: "ان إعلان الاتحاد كان تحولاً تاريخياً فعلى هدى من ثوابته أسس آباؤنا هذه الدولة على التقوى وكريم الأخلاق نذروا النفس لما فيه صالح الناس ومصلحة الوطن وعلى نهجهم نحن سائرون مؤكدين أن العدل أساس الحكم وأن سيادة القانون وصون الكرامة الإنسانية وتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير الحياة الكريمة دعامات للمجتمع وحقوق أساسية يكفلها الدستور ويحميها القضاء المستقل العادل..
وفي هذا اليوم ندعو إلى المزيد من الجهد لتعزيز المسيرة الاتحادية فحماية الاتحاد هدف وطني ثابت يتطلب منا جميعاً وعياً ووحدة وتلاحماً إعلاء لقيمه وتوطيدا لأركانه وتطويرا للتعاون القائم بين الأجهزة الاتحادية والمحلية وتنسيقا للسياسات والاستراتيجيات والبرامج بما يمكن مؤسسات الدولة من التصدي للهموم الوطنية بكل مسؤولية وشفافية حفاظا على وطننا قوياً حر الإرادة يتفانى أبناؤه في خدمته والانتماء إليه والدفاع عنه لتظل قامته شامخة ومكانته راسخة بين الشعوب والأمم".
نبراس
ولم يغب زايد لحظة من الزمن عن ذاكرة الوطن ووجدان الأمة قيادة وشعبا فالنهج الذي أرساه في مجالات العمل كافة ظل نبراساً تقتدي به القيادة وهادياً للأمة في السير على طريقه والالتزام به.
وفي الاحتفال بالإنجاز الذي حققته دولة الإمارات بتبوؤها المركز الأول في الكفاءة الحكومية مما وضعها ضمن العشرة الأوائل عالمياً في التنافسية العالمية وفقاً للتقرير السنوي للمعهد الدولي للتنمية الإدارية بسويسرا للعام 2013 أكد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، "إننا في هذا اليوم نذكر بالخير .
ونتذكر بالعرفان الوالد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وإخوانه الآباء المؤسسين ونشعر جميعاً بأن ما غرس آباؤنا ورعاه بالعناية الأبناء والأحفاد أثمر إنجازات مشهودة فدولتنا الأولى عالميا في الكفاءة الحكومية والأولى عالميا في الترابط المجتمعي والأولى عالميا في القيم والسلوكيات والخامسة عالميا في التوظيف والسادسة في ممارسات الأعمال إلى جانب تقدمها في 19 مؤشرا مختلفا لتصنف ضمن العشرة الأوائل عالميا في التنافسية العالمية".
كما أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، مستذكرا بهذه المناسبة ذكرى الأوائل المؤسسين في كلمة له في مجلس الوزراء في 3 يونيو 2013 قائلاً.. "إن شعب الإمارات يستحق أن يفرح.. ونحن هنا كي نحقق له إنجازات تجعله يفرح ويفتخر ويعتز بدولته".
وحين تبوأت دولة الإمارات العربية المتحدة المركز الأول عربياً والمرتبة الـ 17 على مستوى شعوب العالم لمؤشرات السعادة والرضا بين الشعوب في المسح الأول الذي أجرته الأمم المتحدة وأعلنت عن نتائجه في شهر أبريل من العام 2012 كانت ذكرى زايد حاضرة حين أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي..
"إن تحقيق سعادة المواطنين كان نهج الآباء المؤسسين لهذه الدولة وهو رؤية للحكومة بجميع قطاعاتها ومؤسساتها ومستوياتها ومنهج عمل يحكم جميع سياساتنا وقراراتنا".
مبادرات
واعتمد مجلس الوزراء في الاجتماع التاريخي الذي عقده بدار الاتحاد في دبي في 27 نوفمبر 2012 في ذكرى اليوم الوطني الحادي والأربعين حزمة من المبادرات الوطنية إحياء لذكرى زايد والآباء المؤسسين وممن بينها مبادرة تسمية يوم التاسع عشر من رمضان من كل عام والموافق لذكرى رحيل مؤسس الاتحاد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، "يوماً للعمل الإنساني الإماراتي" وذلك إحياء لذكراه وعرفانا بدوره في تأسيس مسيرة العطاء الإنساني في دولة الإمارات.
واعتمد مجلس الوزراء خلال جلسته في "دار الاتحاد" مجموعة من المبادرات الوطنية.. أولها تحديد عام 2013 عاما للتوطين بجانب اعتماد المجلس "وثيقة قيم وسلوكيات المواطن الإماراتي" التي تهدف لتنشئة جيل إماراتي واع بمسؤولياته وواجباته تجاه وطنه وأسرته ومجتمعه.
واعتمد مجلس الوزراء كذلك قرارا بتوجيه وزارة التربية والتعليم تضمين "سيرة الآباء المؤسسين" في مناهج التاريخ والتربية الوطنية في مدارس الدولة.
حملة كسوة مليون طفل
وفي مطلع شهر رمضان المبارك أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي في 11 يوليو 2013 حملة "يوم العمل الإنساني الإماراتي" التي استمرت حتى يوم 19 رمضان الذي يصادف الذكرى التاسعة لرحيل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وتهدف هذه الحملة إلى كسوة مليون طفل محروم حول العالم.
وأكد سموه: "إن الخير والعطاء أصبحا نهجا ثابتا وإرثا تميزت به إمارات الخير من خلال مسيرتها الإنسانية العامرة بالبذل ومساندة الضعفاء وإن شهر رمضان الكريم يمثل فرصة استثنائية للاحتفاء بقيم الخير والعطاء والتعاون الأمر الذي يزيد من أهمية إطلاق المبادرات الاجتماعية والخيرية البناءة خلال هذا الشهر خاصة المبادرات التي يتشارك ويتعاضد فيها أبناء الإمارات بمختلف فئاته وأطيافه".
وحظيت المبادرة بتجاوب وتفاعل كبيرين من قبل المجتمع حيث نظمت أكثر من 275 وزارة ومؤسسة وجمعية وهيئة على مستوى الدولة مجموعة كبيرة من الفعاليات والبرامج الخيرية والثقافية والإنسانية استمرت حتى 19 رمضان.
واستذكر أصحاب الفضيلة العلماء ضيوف صاحب السمو رئيس الدولة الذين يحيون ليالي شهر رمضان المبارك في مساجد الدولة في هذا اليوم ذكرى زايد وسيرته في خطبهم وأحاديثهم لجموع المصلين وأشادوا بمآثره التي خلدها التاريخ له وإنجازاته الكبيرة داخل الدولة وخارجها وحكمته ورحمته وإنسانيته التي امتد عطاؤها إلى مختلف بلدان العالم الإسلامي وغير الإسلامي ما جعله في أعين الأجيال قدوة القادة الحكماء من أهل الخير والعطاء.
وكان العالم قد صدم وفجع ووقع عليه نبأ رحيل زايد كالصاعقة لما يكنه له من احترام كأحد الزعماء البارزين في محافله ولما تحلى به من حكمة وبعد نظر ورؤية ثاقبة سديدة ولعطاءاته السخية في ساحات المساعدات التنموية والعمل الإنساني والخيري والتي انعكست نتائجها الإيجابية على جهود التنمية والسلام والاستقرار في العالم.
بناء الإنسان
وعمل الشيخ زايد على مدى سنوات حكمه الحافلة بالمنجزات الشامخة على بناء الوطن بصورة موازية مع بناء الإنسان ورعاية المواطن والنهوض بالمجتمع حيث كان يؤكد "ان الإنسان هو العنصر الأساسي لكل تقدم وإن أثمن ثروة لهذا البلد هي الإنسان الذي يجب أن نعتني به كل العناية ونوفر له كل الرعاية فلا فائدة للمال بدون الرجال"..
وكان يؤكد دائما "ان رصيد أي أمة متقدمة هو أبناؤها المتعلمون وأن تقدم الشعوب والأمم إنما يقاس بمستوى التعليم وانتشاره". ويضيف إلى ذلك "إن المواطن هو الثروة الحقيقية على هذه الأرض وهو أغلى إمكانات هذا البلد.. ولا تنمية للدرة المادية دون أن تكون هناك ثروة بشرية وكوادر وطنية مؤهلة قادرة على بناء الوطن".
ووضع زايد الاهتمام ببناء الإنسان ورعاية المواطن في أولويات توجهات السياسة العامة للدولة عندما أعلن بكل الوضوح "ان الدولة تعطي الأولوية في الاهتمام لبناء الإنسان ورعاية المواطن في كل مكان من الدولة..
فلا قيمة للقدرة المالية دون أن تكون هناك ثروة بشرية وكوادر وطنية مؤهلة وقادرة على بناء الوطن لان طريق نهضة الوطن سيظل دائما يتطلب من كل فرد في هذا المجتمع بذل الجهود الشاقة لأجل أن تثمر جهودنا".
وكان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، يؤمن بأن الحضارات لا تبنى إلا بالعلم وان الأمم تنهض وتتقدم بأبنائها المتعلمين لذلك أولى أهمية قصوى لنشر العلم والتعليم والثقافة وشجع المرأة بصورة خاصة على الخروج من عزلتها لطلب العلم..
وكان يقول "ان أملي في اليوم الذي أرى فيه الطبيبة والمهندسة والدبلوماسية بين فتيات الإمارات".. كما كان، رحمه الله، قد أمر بزيادة رواتب المعلمين ومنح الطلاب مكافآت مالية منتظمة وتوفير وجبات الإفطار لهم في جميع مدارس الدولة تحفيزاً لهم على التعليم..
وأسس زايد انطلاقاً من هذه الرؤية في العام 1977 أول جامعة في البلاد هي جامعة الإمارات العربية المتحدة بمدينة العين لتكون أول منارة للفكر الإنساني والنشاط العلمي الأكاديمي ليرتفع عدد الجامعات ومؤسسات التعليم العالي في البلاد اليوم إلى أكثر من 80 جامعة ومؤسسة.
وفي إطار متصل حرص زايد على نشر الثقافة والكتاب وتحفيز أبنائه المواطنين على الاطلاع والقراءة وحرص على دعم وتشجيع معارض الكتاب حتى انتظم عقدها دوريا في جميع إمارات الدولة.. وكان يقول "الكتاب هو وعاء العلم والحضارة والثقافة والمعرفة والآداب والفنون وإن الأمم لا تُقاس بثرواتها المادية وحدها وإنما تُقاس بأصالتها الحضارية. والكتاب هو أساس هذه الأصالة والعامل الرئيسي على تأكيدها".
وكان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، تخليدا لإرث زايد في إعلاء قيمة الكتاب وبناء الإنسان ورفع شأن الثقافة وتعزيز حوار الحضارات قد أطلق في أكتوبر 2006 جائزة الشيخ زايد للكتاب وقيمتها 7 ملايين درهم وتهدف إلى تشجيع المبدعين والمفكرين في مجالات المعرفة والفنون والثقافة العربية والإنسانية، كما سيتم إحياء وتخليداً لذكرى زايد افتتاح "متحف الشيخ زايد الوطني" في العام 2016 بالمنطقة الثقافية في منارة.
زعامة فذة
وتفرد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بجانب ما يتفرد به من خصائص الزعامة الفذة والقيادة الرشيدة بنهجين متميزين اتسمت بهما قيادته الحكيمة للمسيرة الاتحادية وهما أسلوب الأبواب المفتوحة في الممارسة الديمقراطية وتطبيق مبادئ الشورى بين المواطنين وأسلوب القدوة في القيادة الذي يقوم على استنهاض الهمم واستنفار المشاعر الوطنية للرعية للمشاركة الفاعلة في مسؤوليات العمل الوطني.
نهج
وقد أسهم نهج الشورى الذي اتبعه زايد والذي يتمثل في حرصه على اللقاءات المباشرة مع المواطنين في مواقع عملهم وبواديهم ومدنهم من خلال جولاته الميدانية المنتظمة لأرجاء الوطن في ترسيخ ركائز الاتحاد وتدعيم بنيانه والتواصل مع المواطنين من خلال سياسة الأبواب المفتوحة بينه وبينهم، حيث أكد دائماً على هذا النهج بقوله "ان بابنا مفتوح وسيظل دائماً كذلك ونحن نرجو الله أن يجعلنا دائماً سنداً لكل مظلوم.. إن صاحب أي شكوى يستطيع أن يقابلني في أي وقت ويحدثني عن مظلمته مباشرة".
وحرص زايد خلال هذه الجولات الميدانية لأرجاء الوطن كافة على الالتقاء بالمواطنين على الطبيعة وتفقد احتياجاتهم والاطمئنان على أحوالهم ومتابعة سير العمل في مشاريع التنمية الزراعية والعمرانية والخدمية.
لقد آمن الشيخ زايد بضرورة مشاركة أبناء الشعب في تحمل مسؤوليات العمل الوطني في جميع المواقع، حيث كان يقول "إن هدفنا في الحياة هو تحقيق العدالة والحق ومناصرة الضعيف على القوي وليس هناك ما نتحرزه من مشاركة أبنائنا مسؤولية الحكم طالما أن أهدافنا هي هذه.. ونحن نرى أن من واجبنا توزيع المسؤوليات على أبناء الوطن وقد عملنا هذا بالفعل والإسلام ينادي بالديمقراطية الحقّة والعدالة".
وشجع الشيخ زايد على ممارسة النقد البناء الذي يهدف إلى المصلحة العامة..
وقال "انا مع النقد البناء وكل مجاملة على حساب المصلحة العامة أرفضها رفضا باتاً، فالذين يربطهم مصير واحد لا تجوز بينهم المجاملة غير الحقة.. مطلوب الصدق لا التصديق.. مطلوب الصراحة وعدم المجاملة مع الابتعاد عن التجريح".
وأكد الشيخ زايد أن الحاكم العادل لا يخاف شعبه وإنما يوكل إليه بعض مسؤولياته، حيث كان يقول في معرض حديثه إلى رؤساء وفود اتحاد البرلمانات العربية الذي انعقد في أبوظبي عام 1989 عن التجربة الديمقراطية في الدولة ودور المجلسين الوطني الاتحادي والاستشاري الوطني في تعميق هذه التجربة ودعمها "إن ثقتنا بأبنائنا هي التي شجعتنا على تشكيل المجلسين وذلك استنادا إلى ما عرفناه عن أسلافهم وحبهم لهذا الوطن وإن الحاكم حين يكون مطمئناً وواثقاً يوكل إلى أبنائه وإخوانه المسؤولين مساعدته في الوصول إلى ما هو أفضل للوطن".
ممارسة الشورى
وتكرس هذا النهج الذي اختطه زايد في ممارسة الشورى في الحكم بإعلان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، برنامج التمكين السياسي في العام 2005 لتفعيل دور المجلس الوطني الاتحادي ودعم وحفز مشاركة المواطنين في الحياة السياسية وذلك بإنجاز المرحلتين الأولى والثانية من هذا البرنامج بمشاركة المواطنين في انتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني الاتحادي وتمكين المرأة وإعلان سموه في كلمته في اليوم الوطني الأربعين في الأول من ديسمبر 2011 على أن تمكين المواطن هو مشروع العشرية الاتحادية الخامسة..
مؤكدا سموه "أنه يمثل الأولوية الوطنية القصوى والرؤية المستقبلية الموجهة لجميع الاستراتيجيات والسياسات التي ستعتمدها الدولة في قطاعاتها كافة خلال السنوات العشر القادمة".. ووجه سموه في كلمته مقتديا نهج زايد القيادات التي أن تصغي لأصوات الناس وتأخذها في الاعتبار والحكومات إلى أن تهتم بما يحقق التواصل الفعال مع المواطن.. وقال "كلمتي للقيادات كافة هي ..
اصغوا إلى أصوات الناس خذوها في الاعتبار وأنتم تخططون وتضعون الأهداف وتتخذون القرارات ففي عالم تتنوع فيه وسائل الاتصال الجماهيري وأدوات التواصل الاجتماعي أصبح من الضرورة أن تهتم الحكومات بما يحقق التواصل الفعال مع المواطن في كل مكان والاستماع إلى صوته والتعرف على توجهاته والاستجابة لتطلعاته التي تتطلب منها الانتباه وتستحق الاستماع"..
كما شكلت الجولات الميدانية المنتَظمة التي كان يقوم بها الشيخ زايد لكافة إمارات الدولة ومناطقها الأساس في بناء نهضة الوطن، حيث كرس كل جهوده ووقته واهتمامه في توفير المساكن الملائمة للمواطنين حيثما وجدوا وإقامة مجمعات سكنية جديدة أشرف بنفسه في تحديد مواقعها والتي أصبحت اليوم مدناً عصرية متكاملة تتوفر فيها أرقى الخدمات الصحية والتعليمية والترفيهية.
قائداً متميزاً
كان من رضا الخالق سبحانه وتعالى على شعب الإمارات أن وهبه قائداً رشيداً حكيما فذا يرفق بهم ويرعاهم ويحمل أمانتهم ويؤمن أن حُكم الناس لا يتأتى الا بالحرص على مصالحهم كما أكد بنفسه "بعد مرور هذه السنوات التي قضيتها في خدمة بلدي وأمتي وفى إرساء قواعد الاتحاد وبناء مؤسساته وتطويرها وبلورة أسسه وركائزه وتحديد مساره بعد هذه السنوات أشعر فعلاً والحمد لله بالغبطة والسعادة لان المحصلة كانت بفضل الله ورعايته وتوفيقه محصلة خيرة غنية وطيبة..
لقد اكتسبت من خلال ممارسة الحكم خلال هذه السنوات التي صقلت نظرتي إلى الحكم والقيادة والمسؤولية ولعل أهم خلاصة تركزت في ذهني وتجربتي هي أن حُكم الناس لا يتأتى ولا يترسّخ ولا يدوم إلا بالحرص على مصالح الناس".
لذلك فإن زايد سيظل بيننا نبراساً نهتدي بإرثه ورمزاً خالداً في حياتنا كما أكد ذلك صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، بقوله "إن زايد لن يفارقنا فقد خلّد ذِكراه في نفوسنا وقلوبنا بجلائل أعماله وسيظل حاضراً بيننا ومعنا دائماً وأبداً".
كما أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم:"إن حب الناس لزايد هو منحة من عند الله يعطيها لمن يحب ضمن عباده ولمن يسخّر حياته لمنفعة الناس وخيرهم..".
الموقف العربي
حرص المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه على دعوة إخوانه الملوك والرؤساء العرب باستمرار إلى مراجعة شاملة للموقف العربي واتخاذ القرارات تجاه كل ما يحدث في الوطن العربي والعدول عن طريق الخسارة بالعقل.
وأكد في هذا الخصوص "أن الأمة العربية كبيرة في حجمها وثرواتها وخيرها ولله الحمد ويجب علينا الالتزام بتحمل المسؤولية وأن نعدل عن طريق الخسارة والضعف الذي نسير فيه حالياً وأن نسعى بكل جهد ممكن ودون إبطاء لتعويض ما مرّ بنا من خسارة ونسير في الطريق الصواب".
وكانت للقائد الراحل وقفات شجاعة مشهودة ومبادرات متفردة في الأزمات التي مرت بها العديد من الدول العربية والإسلامية في العراق وفلسطين ولبنان واليمن والصومال والسودان والعراق وأفغانستان وباكستان والبوسنة والهرسك وكوسوفا ودول المغرب العربي وغيرها.
وتبوأت القضية الفلسطينية وعروبة القدس الأولوية المطلقة في فكر المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وهمومه القومية، وقدّم طوال حياته الحافلة بالعطاء دعماً بلا حدود لنضال الشعب الفلسطيني لاستعادة حقوقه المغتصبة والصمود في وجه ممارسات وانتهاكات الاحتلال الإسرائيلي وخاصة دعم القدس في مواجهة عمليات الاستيطان ومحاولات طمْس هوية المدينة المقدسة وتفريغها من سكانها.
خليجياً
اتجهت الرؤية الثاقبة للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بعد بناء اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة إلى دول الخليج العربية انطلاقاً من إيمانه العميق بحتمية وحدة الكلمة بين الأشقاء في دول الخليج وأهمية التعاون والتآزر وقناعته الراسخة بأن أبناء الخليج ينتمون إلى أسرة واحدة تربطهم أواصر العقيدة والتاريخ المشترك وصلة الرحم والآمال والطموحات المشتركة.
وهكذا انطلقت أول دعوة لزايد لبناء منظومة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وجهوده الخيرة لعقد لقاء قمة بين قادته لتحقيق هذا الهدف، وأعقب هذه الدعوة قيام المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بتحرك واسع ونشط لتبادل الآراء والتشاور مع إخوانه أصحاب الجلالة والسمو قادة دول الخليج العربية في السبل الكفيلة لبناء البيت الخليجي الواحد.وأثمرت هذه الاتصالات والزيارات المتبادلة في التوصل إلى رؤية مشتركة لقادة دول الخليج العربية للتعاون والتنسيق .
رجل التنمية كرس حياته لخدمة الوطن وإسعاد شعبه
ولد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في نحو العام 1918 في قصر الحصن بوسط مدينة أبوظبي وهو رابع أربعة أبناء رزق بهم الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان الذي حكم إمارة أبوظبي بين أعوام 1922 و1926 وكان ترتيبه الحادي عشر في سلسلة حكام آل نهيان وقد عرف عنه شجاعته وحكمته وقدراته على بسط الأمن والسلام والنظام ونظمه للشعر والنشيد واهتمامه بالزراعة والمياه والري حيث بنى فلج /المويجعي/ مما أدى إلى ازدهار قرية /المويجعي/ في مطلع الستينيات.
وبدأت المرحلة الثانية من حياته عندما انتقل من أبوظبي إلى العين حيث أظهر شغفه المتزايد بالمكونات التقليدية التي يتصف بها البدوي الأصيل كالصيد بالصقور وركوب الخيل والهجن وإتقان الرماية وقد أمضى في مدينة العين وضواحيها السنوات الأولى من فجر شبابه وترعرع بين تلالها وجبالها وصحرائها واستمد الكثير من صفائها ورحابتها واشتهر بشجاعته وإقدامه وهو لايزال صبيا وشكلت مكونات تلك الفترة بكل تجربتها وأبعادها خصائص زعامته الفذة وفلسفته في الحياة.
وأتقن زايد عندما أصبح شابا فنون القتال والصول والجول والإقدام وبدأت ثقافته تكتسب بعدا جديدا فولع بالأدب والشعر والتاريخ وأبدى اهتماما كبيرا بمعرفة وقائع تاريخ العرب وأمجادهم وكان من أمتع أوقاته الجلوس إلى مجالس كبار السن ليستمع منهم عما يعرفونه من سِير الآباء والأجداد وبطولاتهم حيث بدأت الشخصية القيادية للشيخ زايد تتبلور وتظهر بجلاء خلال هذه الحقبة من بداية الأربعينيات.
نظرة ثاقبة
وبعد أن عين حاكما للمنطقة الشرقية من إمارة أبوظبي في العام 1946 أظهر زايد قدرات كبيرة في إدارة شؤون العين والمناطق التابعة لها وكرس كل طاقاته وجهوده لخدمة المواطنين وتحسين أحوالهم المعيشية .
. وتقدم صفوفهم في العمل رغم شح الإمكانيات التي كانت متاحة .. فقد لجأ زايد إلى تنمية الزراعة وحفر الأفلاج وكان يشارك الرجال النزول إلى جوف الأرض ويرفع معهم التراب حيث شهدت تلك الفترة عملية إصلاح زراعي محدودة أسهمت في تطوير المنطقة وازدهارها.
واستحدث "رحمه الله " أول نظام للري ألغى به تجارة الماء التي كانت سائدة في المنطقة الشرقية حيث أكد "ان مياه الأفلاج الآتية من جوف الأرض يجب أن تكون من حق كل الناس الذين يعيشون فوق هذه الأرض".
وافتتح أول مدرسة في العين في العام 1959 وهي المدرسة /النهيانية/ ثم أنشأ مستشفى العين وسوقا تجارية وشبكة محدودة من الطرق نظرا لشح الإمكانيات المادية وقتها واكتسب منذ ذلك الوقت حب مواطنيه وثقتهم فيه.
وشكّلت أول رحلة قام بها زايد خارج البلاد في العام 1953 إلى بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية والتي أعقبها بزيارات إلى عدد من الدول العربية والإسلامية رؤية واضحة زادت من قناعاته بمدى حاجة البلاد إلى التنمية والتطور واللحاق بركب الحضارة والتقدم.
وحظيت هذه الجولات لعدد من عواصم العالم المهمة بأصداء واسعة سياسياً وإعلامياً وقوبلت بارتياح محلي وباهتمام اقتصادي عالمي خاصة وأنها تزامنت مع بدء جهود التنقيب عن النفط في إمارة أبوظبي والإعلان عن اكتشاف البترول بكميات تجارية في العام 1958 ومن ثم تصدير أول شحنة من النفط الخام المنتج من حقل أم الشيف البحري في العام 1962.
وبالفعل سطعت شمس السادس من أغسطس من العام 1966 لتضيء بإشراقتها المستقبل الباهر الذي شهدته إمارة أبوظبي بإعلان القرار التاريخي بمبايعة أسرة آل نهيان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حاكماً لإمارة أبوظبي.
تسخير العائدات
وأعلن زايد منذ اللحظات الأولى لتوليه مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي عزمه على تسخير عائدات الثروات النفطية لبناء تقدم الوطن وتحقيق سعادة المواطنين مؤكداً.. "إذا كان الله عز وجل قد منّ علينا بالثروة فان أول ما نلتزم به لرضاء الله وشكره هو أن نوجّه هذه الثروة لإصلاح البلاد ولسوْق الخير إلى شعبها".
وتعهد زايد للرعية.. "إن من حقوق الله علينا رعاية من ولاّنا الله إياهم بقدر ما في الوسع والطاقة وإن من رضوان الله على عباده أن يقوم بعضهم بالبعض الآخر وإن الله لا يولّي على عباده إلا من يرفق بهم ويطبق شريعته".
وانطلقت عجلة البناء والتعمير في كل مكان تقهر الصعاب وتهزم المستحيل بجهود مخلصة وعزيمة معطاء وإرادة صلبة لقائد فذ نذر نفسه لازدهار وطنه وإسعاد شعبه.
وكانت مدينة أبوظبي عندما تولى زايد مقاليد الحكم فيها كما هو الحال بالنسبة لمناطق إمارة أبوظبي الأخرى جزيرة رملية صحراوية قاحلة تحيط بها مياه الخليج من كل الجوانب لا يوجد بها سوى مجموعة من البيوت المتناثرة معظمها من /العريش/ وكانت تفتقر إلى أبسط الخدمات من طرق أو مياه أو كهرباء أو مدارس أو مستشفيات وغيرها من الخدمات الأساسية الضرورية للسكان.
وبدأت مرحلة سنوات خالدة حافلة بالعمل الدؤوب والإنجازات المتلاحقة بأن سخر زايد عائدات الثروة النفطية لانتشال إمارة أبوظبي من حالة التردي الاقتصادي والاجتماعي التي كانت عليها حيث أكد في هذا الخصوص..
"إن مصلحة الوطن العليا فوق كل اعتبار ويتوجب أن تسبق بالأولوية والاهتمام والغاية أية مصلحة أخرى".وانطلقت عمليات التطوير والبناء بإرساء قواعد الإدارة الحكومية السليمة وبناء المؤسسات التنظيمية والمالية والإدارية والمرافق.
دولة واحدة
بادر المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بعد نحو عامين من توليه مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي التي كانت قد قطعت شوطا كبيرا على طريق النهضة والتقدم إلى دعوة إخوانه حكام الإمارات إلى الاتحاد في دولة واحدة قوية انطلاقا من توجهه الوحدوي المتأصل في فكره وفلسفته منذ أن كان حاكما على منطقة العين في عام 1946 والذي ينبع من إيمانه القوي بالتراث العربي والإسلامي، مؤكداً: "إن الاتحاد هو طريق القوة وطريق العزة والمنعة والخير المشترك وان الفرقة لا ينتج عنها إلا الضعف وان الكيانات الهزيلة لا مكان لها في عالم اليوم.. فتلك كما كان يقول عبر التاريخ على امتداد عصوره".
ولاقت المبادرة الخيرة أصداء واسعة واستجابة وقبولا سريعين من أخيه المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي وإخوانهما الحكام وتواصلت بعدها سلسلة من المشاورات واللقاءات بين حكام الإمارات أثمرت في الثاني من ديسمبر 1971 عن عقد أصحاب السمو حكام الإمارات الست جلسة تاريخية بقصر الضيافة بالجميرة بدبي برئاسة زايد أقروا فيها الدستور المؤقت للدولة الاتحادية وتم انتخاب الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيساً لدولة الإمارات العربية المتحدة والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي نائباً للرئيس وتعيين المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي رئيساً لأول وزارة اتحادية في البلاد.
نبذ الإرهاب والتطرف بكل أشكاله وصوره ومصادره
اتخذ المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مواقف ثابتة وشجاعة تجاه رفض وإدانة ظاهرة الإرهاب بكل أشكاله وصوره ومصادره وأكد دعمه الكامل للجهود الدولية والإقليمية لمكافحة هذه الظاهرة التي لا تمثل الإسلام وسماحته والذي اعتبرها عملاً بغيضاً من وجهة نظر الإسلام والأديان السماوية وعدواً لدوداً للإنسانية جمعاء.
ودعا زايد دوما إلى التسامح والتراحم في العلاقات الإنسانية بين الشعوب وأكد في أكثر من موقف أن الدين الإسلامي لا يعرف العنف والبطش الذي يمارسه الإرهابيون الذين يدّعون الإسلام زوراً وأن الإسلام هو دين المحبة والغفران والتسامح والرأفة وأن المسلم لا يجوز أن يقتل أخاه مسلماً كان أو غير مسلم.
كما دعا في كلمة وجهها إلى رجال الدين وأهل العلم في العالم العربي والإسلامي يوم 22 مارس 1993 إلى التصدي لظاهرة التطرف الديني الذي يرفضه الإسلام وتوعية الشباب بمبادئ الدين الحق الذي يدعو إلى التسامح والتراحم ويرفض قتل المسلم لأخيه المسلم..
وقال في رسالته "إن الواجب يحتم على أهل العلم أن يبينوا للناس جوهر الإسلام ورسالته العظيمة بأسلوب يليق بسماحة الدين الحنيف الذي يحث على الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة حتى يستجيب الناس ويواجهوا الإرهاب باسم الدين والقتل باسم الدين".
ونبذ الشيخ زايد انطلاقاً من روح التسامح التي يؤمن بها ظاهرة التطرف الديني.. وأكد في لقائه مع عدد من السفراء الجدد يوم 29 مارس 1988 "إن البشرية لها قيمة عظمى عند الله سبحانه وتعالى ويجب أن تُعامَل بما أراده الخالق لها من خير ورفاهية وان الإسلام يكرم الإنسان لأن المولى عزّ وجلّ كرّمه وانه يعتبر النفس البشرية أمانة يجب ألا تُهان أو تُذلّ أو تُعامَل بدون عدالة أو بدون حقّ وأن قتْل النفس البشرية بغير حقّ يعتبر ذنباً عظيماً لأن من قتل نفساً بدون حقّ كمن قتل البشرية كلها"..
وعمل المغفور له الشيخ زايد انطلاقاً من إيمانه بالوسطية والاعتدال في الإسلام على دعم الأزهر الشريف ومساندته ليتمكن من القيام بدوره كمنارة في العالم العربي والإسلامي ومن الاضطلاع برسالة الوسطية في تبليغ الإسلام المعتدل كما أراده الله تعالى رحمة ويسراً للناس.
زايد نصير المرأة
اهتم المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بنهضة المرأة وتقدمها وانتشالها من أغلال القهر التي كانت تكبلها، وأعلن "أن المرأة نصف المجتمع وهي ربة البيت ولا ينبغي لدولة تبني نفسها أن تبقى المرأة غارقة في ظلام الجهل أسيرة لأغلال القهر"، مؤكدا: "أنا نصير المرأة في كل ما يضيمها"، ويشدد على ذلك قائلا: "أنا نصير المرأة.. أقولها دائماً للتأكيد على حقها في العمل والمشاركة الكاملة في بناء وطنها".وحدد رؤية واضحة وشاملة لدور المرأة ومكانتها في المجتمع..
وقال: "ان مشاركة المرأة في التنمية وإعادة تفعيل المجتمع أمر هام حيث إن الإسلام يحترم المرأة ويوقرها وخصص لها مكانتها اللائقة والمناسبة في المجتمع".. ويضيف: "إنني أشجع عمل المرأة في المواقع التي تتناسب مع طبيعتها وبما يحفظ لها احترامها وكرامتها كأم وصانعة أجيال"
. وشجع زايد إنشاء الجمعيات النسائية وعمل على دعمها معنوياً ومادياً حتى تأسست جمعية نهضة المرأة الظبيانية في بدايات العام 1972 والتي أعقبها إنشاء جمعيات مماثلة في جميع إمارات الدولة ثم تأسيس الاتحاد النسائي العام في أغسطس عام 1975.
وتواصلت إنجازات المرأة اتساقاً مع هذه الرؤية الواضحة وأصبحت تشغل اليوم أربعة مقاعد وزارية في مجلس الوزراء وتتمثل بثماني عضوات في المجلس الوطني الاتحادي وبسفيرتين للدولة في إسبانيا والسويد وبقنصلات في دول آسيوية وأوروبية أخرى من بين أكثر من 65 دبلوماسية يعملن في وزارة الخارجية بالإضافة إلى عملها في الهيئة القضائية والنيابة العامة ومجالات الطيران العسكري والدفاع الجوي والمدني وغيرها من المناصب العليا.
تحقيق التوازن بين التنمية والبيئة
انطلق اهتمام المغفور له باذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه بالبيئة وضرورة الحفاظ عليها وتنميتها من نظرة استهدفت تحقيق التوازن بين التنمية والبيئة والحفاظ على حقّ الأجيال المتعاقبة في التمتع بالحياة في بيئة نظيفة وصحية وآمنة، حيث أكد ذلك بقوله "إننا نولي بيئتنا جلّ اهتمامنا لأنها جزء عضوي من بلادنا وتاريخنا وتراثنا.
لقد عاش آباؤنا وأجدادنا على هذه الأرض وتعايشوا مع بيئتنا في البر والبحر وأدركوا بالفطرة وبالحسّ المرهف الحاجة للمحافظة عليها وأن يأخذوا منها قدر احتياجاتهم فقط ويتركوا منها ما تجد فيه الأجيال القادمة مصدراً ونبعاً للعطاء".
وأكد في كلمته في العيد الوطني الثاني والثلاثين "لقد عملنا منذ قيام دولتنا على حماية البيئة والحياة البرية وتوفير كل الأنظمة والتشريعات والبرامج والمشاريع التي جعلت من دولة الإمارات سبّاقة إلى الاهتمام بالبيئة ونموذجا يُحتذى على المستوى العالمي في الاهتمام بالبيئة وحمايتها وحفظها..".
مواقف مشهودة في نصرة قضايا الأمة العربية والإسلامية
اقترن النهج القومي الإنساني الأصيل للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بمواقف مشهودة تمثلت في نصرة قضايا الأمة العربية والإسلامية ومساندة قضايا الحق والعدل في العالم، وامتدت أياديه البيضاء لتعطي بسخاء في ساحات العمل الإنساني والخيري والوقوف.
إلى جانب الأشقاء والأصدقاء في حالات الأزمات والكوارث الطارئة التي تمر بها للتخفيف من وقعها على شعوبها إيمانا منه بـ"ان خير الثروة التي حبانا بها الله يجب أن ينعم به أصدقاؤنا وأشقاؤنا" ولقناعته بأن "هذه هي حقوق الله على عباده وهذه هي تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف".
وانطلاقاً من هذه الرؤية العميقة وحبّ عمل الخير لخدمة الإنسانية والبشرية أسس زايد في العام 1971 صندوق أبوظبي للتنمية ليكون عوناً للأشقاء والأصدقاء في الإسهام في مشاريع التنمية والنماء لشعوبهم.
كما أرسى أسس العمل الإنساني وآليات تنفيذه بمبادرته بتأسيس هيئة الهلال الأحمر قبل نحو ثلاثة عقود كما يؤكد ذلك سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان ممثل الحاكم بالمنطقة الغربية رئيس الهيئة بمناسبة الذكرى 29 لتأسيسها في 31 يناير 2012 إن الهيئة ستظل تضطلع بالمسؤولية الإنسانية الملقاة على عاتقها سيرا على نهج الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله ثراه" الذي أرسى صرح الهلال الأحمر الذي تنطلق منه قوافل الخير والعطاء للشعوب الشقيقة والصديقة..
وأنشأ زايد في العام 1992 مؤسسة زايد للأعمال الخيرية والإنسانية برأسمال يزيد على مليار دولار لتكون ذراعه الممتدة في ساحات العطاء الإنساني في جميع مجالاته داخل الدولة وخارجها..
ووصف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي في لقائه مع رؤساء تحرير الصحف والاعلاميين في 23 يوليو 2013 المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان، طيب الله ثراه، بانه زعيم عالمي للانسانية..
وقال سموه "عاشرت العديد من زعماء العالم على مدار العقود الماضية لكنني لم أرَ في حياتي مثل انسانية الشيخ زايد وتواضعه وحبه للخير وللناس بمختلف مشاربهم".

