شهد سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان ممثل الحاكم في المنطقة الغربية، وسمو الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان مستشار الأمن الوطني نائب رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبو ظبي، المحاضرة الدينية التي استضافها مجلس سمو ولي عهد أبوظبي بقصر البطين في أبو ظبي أول من أمس، بعنوان "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، وألقاها المحاضر الدكتور الشيخ أسامة السيد الأزهري المدرس بكلية أصول الدين والدعوة الإسلامية في الزقازيق بجمهورية مصر العربية، وذلك في إطار برنامج المحاضرات والأمسيات الفكرية الرمضانية التي ينظمها المجلس.
حضر المحاضرة معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وعدد من الشيوخ والوزراء وكبار المسؤولين في الدولة، وأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين لدى الدولة.
وتناولت المحاضرة ثلاثة محاور، وهى "دلالات وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" و"رحمة للعالمين في القرآن الكريم" و"رحمة للعالمين في المجتمع النبوي".
مقاصد الشريعة
وقال الدكتور أسامة الأزهري: إن هناك ثلاث كلمات تحمل مقاصد الشريعة، وهى الهداية والرحمة والخلق والآية الكريمة "وما أرسلناك إلا رحمة للعاملين" هى بيان يلخص فيها الله سبحانه وتعالى مقاصد النبوة، ليظهر الله أن هذا الدين في قيمه دائر في معنى الرحمة، لأنها الروح التي تسري في هذا الدين.
وأضاف أن النبي صلى الله عليه وسلم علمنا معاني الرحمة، وما نزلت لنا كلمة أو هدي أو سنة إلا رحمة في معناها أو مبناها وكان الرسول يعلمنا الرفق في الأمر كله، مشيراً إلى أن "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" تفضي بنا إلى قيمة علوية تجعل هذا الدين رحمة ليس للإنسان فقط بل للأكوان.
وأضاف أنه من عجائب التكوين القرآني في الآية الكريمة، أن الله سبحانه وتعالى لم يقل وما أرسلناك إلا رحمة للإنسان أو المسلمين، بل قال "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، ليغرس في نفس كل مسلم أن الله وضع بين أيدينا مواريث النبوة التي لا تتسع المسلمين فقط، بل تتسع لتشمل العالمين.
وأوضح أن الله أنزل القرآن الكريم من باب الرحمة المفتوح إلى يوم القيامة، وجعل الله القرآن ميثاق الخلق ودستورها، فقال الله إن القرآن يتوجه بالخطاب إلى كل إنسان على الأرض.
نسائم الرحمة
وتابع الأزهري: إننا نعيش في هذه المحاضرة مع نسائم الرحمة العامة، واللطف الشامل، والهداية العظمى، النابعة من أنوار قوله تعالى "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، حيث جاءت هذه الآية الجليلة جامعة لأطراف الشمائل المحمدية في معنى الرحمة، لأن الرحمة هي الروح السارية في سائر التصرفات والسنن والآداب والأخلاق النبوية، ولأنها الأساس الذي بنى النبي "صلى الله علي وسلم" عليه الإنسان، وهو الميثاق الأعظم، الذي تدور حوله معالم هذا الدين ومقاصده.
وأشار الأزهري إلى أنه لهذا فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم قوله في حق جبل أحد: "أحد جبل يحبنا ونحبه"، فاتسعت المحبة والرحمة منه لتتجاوز الإنسان حتى تتسع لتشمل الجماد، وورد قوله صلى الله عليه وسلم "إن امرأة دخلت النار في هرة"، فاتسعت الرحمة لتشمل الحيوان، مما تتكون معه شخصية المسلم على أن يتسع صدره وأخلاقه ودينه للعالمين.
هداية خاصة وعامة
وقال المحاضر: لقد ورث النبي صلى الله عليه وسلم لأمته هذا الوحي الشريف، والقرآن العظيم، الذي توجه بالخطاب إلى العالمين، فجاء بمستويين من الرحمة والهداية، يتحقق بهما مضمون قوله سبحانه "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، حيث جاء القرآن بهداية خاصة، وبهداية عامة، والهداية الخاصة هي الخطاب القرآني للمؤمنين، بالتشريع والأحكام والأخلاق والقيم، ويمكن التمثيل له بكل آية بدأت بـ "يا أيها الذين آمنوا"، والهداية العامة، هي نوع من الخطاب، توجه به القرآن إلى سائر البشر، من آمن ومن لم يؤمن، حيث يجمع القرآن فيه البشرية على مبادئ عامة، وأصول مشتركة، ومواثيق إنسانية، تحقق للبشرية أماناً وسكينة، وتنبههم إلى المبادئ الإنسانية العليا، التي تنهض على أساسها الحضارات، وتتعايش، وتتعارف.
وأوضح أنه يمكن التمثيل لهذه الهداية القرآنية العامة بكل آية بدأت بقوله تعالى "يا أيها الإنسان"، أو "يا أيها الناس" أو "يا بني آدم"، وهي اثنتان وعشرون آية تقريباً، يمكن للمسلمين أن يستخرجوا منها نحواً من عشرين مبدأ إنسانياً عاماً، يشكل ميثاقاً عالمياً لحقوق الأكوان، وليس فقط لحقوق الإنسان.
برامج عمل
وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم، علم أمته كيف تحول آيات القرآن إلى برامج عمل، ومناهج تنفيذ وتطبيق، بحيث تتحول الرحمة العامة من شعار وقيمة، إلى بناء مؤسسة، وصناعة حضارة، وتكوين مجتمع، حتى نهض المجتمع النبوي على ثلاثة أركان، ترى البشرية كلها من خلالها معاني قوله تعالى "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، وتلك الأركان والمقومات للمجتمع النبوي هي "الإنسان والأوطان والعمران"، مشيراً إلى أن المسلمين قاموا عبر تاريخهم بأمر معرفي عميق يستحق التأمل فأخذوا كل آية من القرآن الكريم وحولوها إلى منهج عمل لينهض به المسلمون، لأنهم يحملون ميراثاً من الرحمة، حيث تنزلت هذه الرحمة إلى إجراءات وسنن ينهض عليها المجتمع الذي يقوم على أسس منوهاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم بنى الإنسان على هذا الأساس وعلى مواريث النبوة، وهو أمر قدسي.
وفي ما يتعلق بالركن الأول وهو الإنسان قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم، عظم من قدر الإنسان، وجاء له بسعادة الدنيا والآخرة، ورعى خاطره، وضمن أمانه، وعلمه كيف تتسع آفاقه، وكيف يقوم برعاية مقاصد الشريعة، ليكون رحمة على الناس من حوله، وليكون رفيع الأخلاق، واسع العطاء، رحيماً، يملأ الدنيا من حوله بالأمل والعمل، وبناء الإنسان هو أول مقوم وأساس من أسس بناء المجتمع، الذي يرى الناس من خلاله معاني الرحمة العامة، ومحاسن الشريعة.
حب الأوطان
وأوضح أن الركن الثاني، وهو الأوطان، فقد روى البخاري عن أنس أنه صلى الله عليه كان إذا رجع من سفر فنظر إلى جدران المدينة أوضع راحلته، وإذا كان على دابة حركها من حبها، فقال الإمام الحافظ ابن حجر، في هذا الحديث دليل على مشروعية حب الأوطان والحنين إليها، فعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الانتماء دوائر، يبدأ بالانتماء إلى القبيلة أو أرض الميلاد، ثم هناك دائرة أخرى من الانتماء، وهي الانتماء إلى الوطن، ثم دائرة أخرى وهي الانتماء للأمة، ثم دائرة أخرى وهي الانتماء للإنسانية كلها، فضلاً عن الدوائر الفرعية الأخرى للانتماء، كالانتماء إلى مهنة، أو غيره، ودوائر الانتماء بعضها أوسع من بعض، وإذا انتمى الإنسان إلى انتماء صغير، بطريقة متعصبة، تفسد عليه الروابط بينه وبين بقية أصحاب الانتماء الأوسع، فإن الانتماء الصغير لا عبرة به، لأنه حينئذ انقلب من انتماء إلى تعصب، والتعصب مذموم، ولا عبرة بفرع يكر على أصله بالبطلان، كما يقول العلماء.
وأوضح أن الركن الثالث هو العمران، حيث علم النبي صلى الله عليه وسلم، البشرية محبة العمران، والإقبال على الحرف والمهن والصنائع، ومحبة عمران الأرض بالحضارة والبناء والنماء، حتى يتحول الإنسان إلى مصدر رخاء وإسعاد للناس من حوله، حتى قام المسلمون بالإبداع في الحرف والمهن، مشيراً إلى أن الإمام السبكي ألف كتاباً اسمه "معيد النعم ومبيد النقم" جمع فيه الآداب اللازمة لمئة وثلاث عشرة وظيفة ومهنة كانت في زمانه، قبل سبعة قرون، حتى اعتبره المستشرقون أول كتاب في علم آداب نفس المهنة. دعاء وشكر
استهل الدكتور أسامة الأزهري المحاضرة بالدعاء بواسع الرحمة والمغفرة لمؤسس الإمارات، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله ورفع في الجنة درجته، والشكر والتقدير لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، لاستضافته علماء الدين في البرنامج الرمضاني الكريم.
كما وجه الشكر للفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، والذي تنعقد هذه المحاضرة في مجلسه المعمور، وسمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان وزير شؤون الرئاسة الراعي لبرنامج ضيوف صاحب السمو رئيس الدولة. محاضرة
المجتمع المسلم تتحول فيه الرحمة إلى تطبيقات وآداب
أكد الدكتور أسامة الأزهري في محاضرته"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" أن النبي صلى الله عليه وسلم بنى الإنسان والمجتمع على نحو منير، تسري من خلاله معاني الرحمة للعالمين، وتتحول فيه الرحمة العامة إلى إجراءات وتطبيقات وسنن وآداب، تشهد الدنيا من خلالها معاني السعة والرحمة.
وفي رده على أسئلة الحضور، قال الدكتور أسامة الأزهري إن صور الرحمة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم عديدة، ويقول صلى الله علية وسلم في الحديث الشريف "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر" وأخذ الإمام النووي هذا الحديث وحوله إلى كتاب، وأشار فيه إلى أن القرآن الكريم جاء بالتوقير وإعطاء الكبير حقه، والمعني في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم يريد للإنسان أن يكون على أعلى صورة من اللياقة الاجتماعية في العائلة مع المجتمع، مؤكداً أن السيرة النبوية زاخرة بقيم التسامح والتعايش.


