(الأشياء أضحت سواءً الآن، فلا تمسكنا بالحياة أو تخوفنا من الموت أضحت أموراً مُهمة بالنسبة لنا.. عندما تتساوى كافة السيناريوهات لدينا، وعندما تصبح أقصى أمانينا رغبة في أن تمر الأيام هكذا بلا هدف أو رغبة حقيقية في إحدى متاع الدنيا، فالحياة والموت سواء).. هو صوت حال أبناء ضحايا الثورة المصرية وعنف جماعة الإخوان في مصر.
أطفال في عمر الزهور تيتموا مُبكرًا، حُرموا من حنان الأب، فأضحت الحياة لا طعم لها، كثرت أمامهم التحديات، وتزايدت في وجوههم مساوئ الدنيا ومتاعبها، ولم يعد يُفارق مخيلاتهم الصغيرة ونظراتهم الحزينة آخر مشهد لعائل أسرتهم وهو ذاهبٌ ليقول "كلمة حق" بسلمية، لدى سلطان جائر، حق مكفول له، فراح دون أن يأتي.. فقط جاء الحزن بديلاً له، ليسكن جدران البيت.
لم تكن أسرة صلاح الدين حسن أسرة ينقصها شيء، فهي أسرة بلغة المصريين "مستورة الحال"، فقط كان ينقصها ما ينقص المصريون جميعهم وهو "الحرية والاستقرار"، وكان عائلها الذي يعمل مراسلاً صحفيًا قد خرج؛ لتغطية إحدى التظاهرات في "بورسعيد" لم يكن يدري وهو يودع أبناءه (محمد وعمر) أن ذلك سوف يكون "الوداع الأخير" ليلقى بعدها حتفه على يد الإرهاب الديني بمصر ممثلاً في أحزاب وجماعات تنتمي للإخوان المسلمين، ويترك أسرة مكونة من طفلين وأمهم في مهب الريح دون مصدر رزق.. بعد أن انفجرت فيه "عُبوة ناسفة".
(ليس لدينا مصدر رزق، وليس لدينا معاش نحصل عليه، تركني زوجي وطفلين لم يتجاوزا الخمس سنوات.. إن المسؤولية كلها تقع على عاتق الرئيس (المعزول) د.محمد مرسي؛ لأنه لم يستطع أن يحقن دماء المصريين) كذلك قالت رشا فهمي زوجة الشهيد، مشيرةً إلى أنها الآن أضحت عائلة الطفلين، وليس لها سوى الله.
وكأي أطفال في عمرهم، إذ لم يتجاوزا الخمس سنوات (محمد 4 سنوات وعمر 3 سنوات) كل طموحاتهم في الحياة ملابس جديدة، في العيد ولعب أطفال مختلفة، وحلوى شهية تدفع مرارة الأيام عن حلوقهم الصغيرة على الحزن والكمد.
أطفال في مهب الريح
(لا شيء يُعوضني عن أبي.. ولا عيد ستدخل فرحته قلبي بعد الآن مادام أبي قد غاب عنا فيه)، بتلك الكلمات تقول الطفلة "نغم- 10 سنوات" نجلة الشهيد محمد عرفة، الذي لقي حتفه في اشتباكات ما بين مؤيدي ومعارضي جماعة الإخوان، مؤكدةً على كون أبيها قد رحل عن الأسرة وأن والدتها لا تعمل، وليس لديها إخوة.
نغم حال العشرات بل والمئات من الأطفال الذين تيتموا خلال حكم جماعة الإخوان لمصر، وخلال الاشتباكات ما بين مؤيدي ومعارضي الرئيس المعزول مرسي وجماعته.. هؤلاء هم أكثر من تضرروا من الإخوان، هؤلاء الفقراء الذين دفعوا ضريبته غالية جدًا، فلم يعد لهم سند ولا مُعين غير الله.. أسرة بلا عائل، الأم تضطر للخروج للعمل؛ كي تنفق على أبنائها بعد استشهاد زوجها، أطفال حيارى، ما بين حزنٍ وحاجة، يكاد يمر اليوم والبسمة لم تُفاجئ شفاهم.. هؤلاء هم الضحايا الحقيقيون لحكم الإخوان!.
شباب في تعداد الشهداء
ومنيت أسر مصرية كذلك بالعديد من الكوارث طيلة الفترة الأخيرة، لم تتوقف عند حد فقدان عائل بعض تلك الأسر، إلا أن هنا المئات وربما الآلاف من الأسر الذين فقدوا أبناءهم في انتفاضة الشباب ضد جماعة الإخوان.
فور انتهائه من امتحانات الصف الدراسي الثاني بالثانوية العامة استعد محمد عربي 18 عاما إلى النزول لميدان التحرير ليطالب بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، لم يمنعه صغر سنه من النزول ولم يخفه التهديد والوعيد المنطلق من جانب المؤيدين والإخوان المسلمين، مؤمنًا بحقه في التعبير عن رأيه، وأنه يتظاهر بشكل سلمي، إلا أنه تلقى طلقًا ناريًا نافذًا في كتفه إثر اشتباكات بين المؤيدين والمعارضين.
محمد الذي يقطن حي الشرابية بمحافظة القاهرة عضو في حزب الدستور وفي حركة تمرد، والغريب أن والده أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، ففي الوقت الذي ينزل فيه محمد لميدان التحرير مطالبا بإسقاط مرسي والحفاظ على مكتسبات الثورة، ينزل والده إلى ميدان رابعة العدوية؛ ليطالب بعودة مرسي، ويعترف الأب بأنه كان قد استعوض الله في ابنه منذ زمن، وتركه يفعل ما يريد رغم عدم رضائه.
