«موزة ويارنا وأخوك وبو راشد وعيال بو حميد وحتى سهيل وحرمته وعياله.. كلهم سافروا، ما تم حد في الفريج غيرنا، نحن بعد نبغي نسافر».. ذلك لسان حال الكثير من المواطنين في شهور الصيف، وربما في الإجازات الرسمية الأخرى، طلباً للسفر والترفيه والاسترخاء بعيداً عن أجواء الدراسة والعمل والصيف وحرارته. مشهد يتكرر كل عام، فيه من السلبيات ما فيه، وله إيجابيات حتماً، لكن المشكلة تكمن في جعل قرار السفر سنوياً ولأكثر من مرة خلال العام، يطغى على جميع الخيارات الأخرى، وأكثر من ذلك، انجرار الكثيرين وراء رغبات وسلوكيات فرضها النمط الجديد للحياة على أسر كثيرة في مجتمع الإمارات.

للسفر حتماً فوائد جمة، وفيه بالتأكيد سلبيات، وعليه طبعاً ملاحظات طالما أنه النسق الذي أصبح عليه المجتمع في الإجازات، فراغ وإهمال وضعف في التواصل بحكم سفر الغالبية، فما بالك حينما يأتي السفر في العيد ورمضان، هنا تبدو المصيبة أكبر كما يراها البعض.

عبدالله جمعة، مواطن يعمل في دائرة حكومية في دبي، يقول: طوال شهور السنة اعتدنا سماع جمل ممتدة من الأعذار بداعي العمل والانشغال والاجتماعات واللقاءات وما إلى ذلك، وفي النهاية نادراً ما يلتقي الأقارب والأصدقاء بحجة الوظيفة ومتطلباتها.. ننتظر الإجازة، فإذا بالطيارة تتجه إلى دول بعيدة، ولا يلتقي الأقارب والأصدقاء، فمتى نلتقي وكيف يلتم الشمل وأنى نستعيد واقع أبنائنا وأجدادنا المعروف بالترابط والتعاضد والتكاتف يومياً.. إنه نسق سلبي نعيشه اليوم، وجدنا أنفسنا فيه مرغمين دون أن نعرف، فمن يخلصنا منه ونحن في بلد يلفت أنظار العالم بما فيه من مقومات متعة.

عادة سنوية

جاسم آل علي، أب لعدد من الأبناء، يؤكد أن الإجازة متنفس للجميع، وأجواء الصيف الحارة في الإمارات ربما تدفع الكثيرين للتفكير بقضاء الإجازة خارج الحدود، لكن المشكلة أن كثيرين أيضاً من الممكن أن يتسلفوا أو يقترضوا من أجل السفر وبعضهم يسكن بالإيجار، مشيراً إلى أن السفر مقبول في حال كان منضبطاً دون البذخ مادياً واجتماعياً، فالأبناء لهم حق الرعاية والتنشئة السليمة، وليس منطقياً أن يُعزلوا سنوياً في ظروف سفر تُلقي عليهم بأعباء نفسية واجتماعية وربما أخلاقية.

للسفر فوائد

خالد عبيد السويدي، موظف حكومي، يقول إنه سافر مع أسرته مرتين هذا العام، في إجازة منتصف السنة إلى سنغافورة، وفي شهر مارس إلى ماليزيا، ويجزم أن للسفر فوائد أسرية كثيرة، وهو ضرورة نسبية للخروج من أجواء العمل أحياناً، مؤكداً أن الأب الذي يسافر مع أبنائه وزوجته يجد الوقت الكافي للبقاء معهم في دائرة التواصل، وتلك سمة إيجابية للسفر، إذ تزداد ملامح التواصل والتفاعل بين الأبناء ووالدهم الذي ربما يتعرف على مواهب وإمكانيات أبنائه بفعل السفر. ويوضح السويدي أن النفقات المترتبة على السفر كبيرة جداً ومرهقة غالباً، فالأسرة المكونة من خمسة أفراد ستنفق 30 ألف درهم على الأقل في رحلة عمرة، وأكثر من 60 ألفاً لأسبوعين في إحدى دول آسيا. وفي أوروبا وأميركا يتضاعف المبلغ كثيراً، فأحد أصدقائه سافر إلى أميركا لفترة قصيرة، وتكبد 100 ألف درهم في التذاكر والسكن فقط.

أحد أقارب السويدي أيضاً، دفع مع أسرته لشهر واحد في فرنسا 350 ألف درهم، كما يضيف، فيما الكثيرون هذه الأيام لا يبحثون عن فنادق راقية، بقدر ما يريدون شقة مفروشة أو فنادق أقل درجة، بقــصد أنهم سافروا بقصد السياحة والتجول وليس البقاء بين جدران الغرف.

ويضيف السويدي: في إجازة نصف السنة، اكتشفت أنه لا أحد لا يسافر، الجميع خارج البلاد، حتى وإن كانت وجهتهم إلى مكة والمدينة من أجل العمرة، وهو ما يعتبر سلوكاً جامعاً بالنسبة للكثيرين، ففي مكة، وعقب كل صلاة، كنت أجلس مع أصدقاء كثيرين في الحرم، لدرجة إذا نظرت يميناً أو يساراً ترى أحدهم، بعضهم للأمانة، كنت لا أجد الفرصة للقائه داخل الدولة، الحمد لله وجدته أثناء السفر.

الزوجة

يتحدى خالد عبيد السويدي أن تكون هناك زوجة تعمل ولا تسافر في الإجازة، وإن كان أقلها العمرة، لأن أول سؤال يوجه إلى المرأة العاملة من زميلاتها بعد الإجازة:" وين سرتوا في الإجازة؟"، وهنا لا يحتمل كثير من النساء أن يكون ردهن «ما سافرنا»، لذا غالباً ما تفرض الزوجة العاملة، السفر على أسرتها. ويضيف إن السفر اليوم أصبح سلوكاً يجد صدىً في المحيط التقني الإعلامي، فبمجرد صعود الطائرة تصيح أجهزة «البلاك بيري»: طيارة، ثم تتوالى برامج «كيكرز وإنستغرام» في بث الصور تباعاً من البلد الذي يسافر إليه الأبناء، كيف لنا أن نواجه ذلك!.

=أما الاختصاصي الاجتماعي حسين الشيباني، فيرى أن الإجازة تعتمد على الأسرة وطريقة تفكيرها، ويؤكد أن شهر رمضان يحد من التفكير بالسفر، مع الإشارة إلى وجود أسر قريبة أو صديقة تتفق في كثير من المرات للسفر معاً وقضاء إجازة في بلد ما سوياً لكن ليس في رمضان، وتلك كما يقول خطوة إيجابية يقدم عليها البعض، إلا أن المشكلة الحقيقية في سفر المواطنين أثناء الإجازات، تكمن في إنفاق الكثير وفي الاقتراض، من أجل «موضة» لا ضرورة لها، دون التفكير في تبعات ذلك على الأسرة والمجتمع، والأبناء على وجه الخصوص.

«المزامط»

مربط الفرس كما يرى خالد السويدي، في مرادفتي الإجازة والسفر، يمكن إيجاده في كلمة واحدة وهي «المزامط»، بمعنى أن (فلان سافر إحنا بعد نبي نسافر)، وهو ما يربك المجتمع الإماراتي صيفاً.أكثر من ذلك، فإن السلوك العام للأسر الإماراتية في الإجازات، يضع أسراً أخرى ربما لا تفضل السفر في موقف محرج، ففي غمضة عين تجد نفسك وحيداً في الحي أو المنطقة، الجميع يسافر، وفي الأثناء تأتيك التساؤلات ممن حولك؛ الزوجة والابن والابنة: شو يعني بنظل وحدنا، كلهم سافروا واحنا نبي نسافر السفر في الأعياد ممارسة سلبية

دولة الإمارات تأتي في مقدمة دول العالم من حيث الرفاهية في السياحة والإقامة والفعاليات والخدمات، والعالم كله يسعى ويحلم بالوصول إلى أرض الدولة للاستمتاع بما توفره من إمكانيات، ورغم ذلك تجد أن مواطنيها من أكثر الناس سفراً أثناء الإجازات، لا أقول في الصيف حيث حرارة الأجواء المرتفعة، وإنما في كل فصول السنة، وفي مختلف الإجازات والأعياد والمناسبات. فذلك السلوك أصبح للأسف مجرد عادة وتقليد سلبي لدى الكثير من الأسر.

راية المحرزي الرائدة في العمل التطوعي والديني والمجتمعي، ترى أن على كل فرد من المجتمع واجبات مثلما له حقوق، وصلة الرحم واحدة من هذه الواجبات، فللزوجة والأبناء حق على الزوج، وكذلك الأشقاء والشقيقات والأم والأب والأصدقاء والجيران، لكلٍ حق، مؤكدة أن ترفيه الأبناء واجب لكن في حدود مقبولة، فمن غير المنطقي أن تُستهلك الإجازة سنوياً في بلاد الغرب.

المشكلة الكبرى كما توضح المحرزي، أن السفر في الإجازة صار تقليداً سنوياً وأكثر، لدرجة أن البعض يضع نفسه في دائرة الديون والقروض من أجل السفر وحسب، والمصيبة الأكبر أن كثيراً من الناس هذه الأيام يسافرون حتى في إجازتي العيد، وبذلك فهم يضربون بالعلاقات الاجتماعية والتقارب الأسري عرض الحائط، وهذه السلوكيات حتماً كان لها يدٌ طولى في تفريغ الأجيال من مضامين تربوية واجتماعية وعادات وقيم وسلوكيات أصيلة.

الجميع منشغل

وتضيف إن الإجازة هذه الأيام أفرزت واقعاً صعباً وخطيراً لدى المجتمع الإماراتي، ففي الصيف من الصعوبة بمكان أن تجد لمة أسرية كما تشتهي، الجميع منشغل في دول آسيا وأوروبا وأميركا بترفيه ذاته وأسرته الصغيرة، ولا يعير الانتباه للدور الواجب عليه تأديته في بلده خدمة لأسرته وأبنائه وأقاربه ومجتمعه. مع الإشارة إلى أن الإنسان معذور في سفره أحياناً للترفيه والاسترخاء، لكن لا يمكن قبول حقيقة أن يصبح السفر عادة سنوية للشخص، بعيداً عن المجتمع والمحيط الأسري. والحاصل أن السفر يتسبب في نصف المشكلات الاجتماعية وأكثر، فهو يباعد القلوب، وهذا الواقع قاد إلى شرخ واضح في العلاقات بين الناس.

وتتحدث المحرزي عن عائلات تعرفها تمضي إجازتها كاملة خارج الدولة، والمشكلة الأخطر إجازة رمضان، حيث يلجأ البعض إلى السفر إلى أوروبا وأميركا خلال الشهر الفضيل للأخذ برخصة السفر والإفطار، وهي تتحدث عن حالات واجهتها شخصياً وحاولت توعيتها أن الرخصة لا تكون في الترفيه والسياحة، وإنما في السفر لعلاج أو مهــمة، بحيث تكون هناك ضرورة، وتلك كما تقول المحرزي مشكلة بدأت تتغلغل في جسد المجتمع الإماراتي، الذي لطالما عرف بتعمقه وتأصله بالعادات والتقاليد والعروبة والإسلام.

سفر المقيمين لا مفر منه صيفاً وفوائده كثيرة

صيفاً يزدحم مطار دبي، ومعه كافة مطارات الدولة، تلبية لرغبات الكثيرين بالسفر إلى بلدان ممتدة حول العالم.. نسبة كبيرة من هؤلاء من المقيمين العرب والأجانب، يحققون بالسفر جانباً إيجابياً، وهو ما نفتقده بسفر المواطنين غالباً، فالمقيم تكون وجهته نحو الأسرة والعائلة لإعادة التقارب والتواجد في حدود اجتماعية لطالما اشتاق إليها، أما المواطن فغالباً ما يأتي السفر لديه على جوانب اجتماعية مهمة، ويفقده التواصل والبقاء في حدود الجيران والأقارب والأشقاء والأصدقاء وأبناء الحي، سواء في الصيف أو رمضان أو العيد أو حتى في إجازة نصف السنة الدراسية.

يقول أحمد لطفي معلم في مدرسة ثانوية، إن السفر واقع لا مفر منه سواء للمقيمين أو المواطنين، خصوصاً في أجواء الحرارة كما هو صيف الإمارات، فالابتعاد عن أجواء العمل والضغوطات اليومية ضرورة للجميع، لكن ذلك لا يعني أن يتحقق السفر رغم كل الظروف فهو ضرورة وليس أولوية، إن وجدت الإمكانيات فلا مانع من السفر والترفيه، شريطة أن يوازن الشخص بين السفر والعمل والأسرة الصغيرة والعائلة والمحيط الاجتماعي، لأن للأبناء حق في التربية والتعلم من كافة مفردات الحياة.

ويضيف إن فوائد سفر المقيمين اجتماعياً تبدو أكثر، لأنهم يسافرون للقاء عائلاتهم وأقاربهم والبقاء في حدود قوية من التواصل الاجتماعي والتقارب مع المحيط.

أما ناصر محمد إداري في مدرسة خاصة، فالسفر بالنسبة له لا يحتمل التأخير، لأنه يعيش في الدولة بمفرده، وعائلته تقيم في بلد عربي آخر، فبمجرد أن ينتهي العام الدراسي لا يمكنه الانتظار ولو ليوم واحد، إذ أنه يسارع الوقت للظفر بأطول مدة ممكنة للبقاء في أحضان عائلته الممتدة في وطنه الأم، قبل أن يعود إلى أجواء العمل في الإمارات.

المسألة من وجهة نظر هاشم محمد شكري، وهو صاحب شركة خاصة في الإمارات، تبدو مختلفة، فهو لا يفكر كثيراً بالسفر إلى بلده الأم، لكون أن لديه أبناءً يدرسون في الجامعات هنا، وقد اعتادوا نمط الحياة في الإمارات ولا يحتملون البقاء في وطنهم الأم طويلاً، وإن لزم الأمر وجاء قرار السفر، يختار الأبناء غالباً دولاً أوروبية أو آسيوية لقضاء إجازة ممتعة هناك والعودة سريعاً إلى البلد الذي أحبوا البقاء فيه، الإمارات.