على ضفاف الماضي يلتم الشمل، وتتجلى الحكايات في سياق نبرة من الصدق والعفوية؛ هناك بين أحضان الذكريات تشرق الشمس وتغرب على غير هيئتها الاعتيادية.. أمواج البحر ورائحة التراث وأطلال البقاء وشيءٌ من الحداثة، كلها مقومات توحي بأن الكثير من الكلام لا يفي حق المكان.. مكان يسكن قلوب السكان وهم غير ساكنيه الآن.

في قلب الخان التراثي، ويميل قرباً إلى البحر قليلاً، مجلسٌ شعبي عمره بضع سنوات على هيئته الحالية، وأصله عقود طويلة إذ كان أحد بيوت تلك المنطقة في قديم الزمان، هذا البناء المتسع بأركانه وفعالياته ومجالسه الداخلية والخارجية، هو مكرمة من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة، الذي أعاد أهل الخان إلى ماضيهم الثري في أحضان أطلالٍ من القدم.

مجلس يجسد فكرة سامية، يتبعُ حكومة الشارقة، وتحديداً إدارة التراث بدائرة الثقافة والإعلام، التي تنفق عليه وتؤمن كافة احتياجاته اليومية، وهو يخضع لإشراف مجموعة من الأشخاص من أهل المكان قديماً، منهم: أحمد الملا، وماجد سالم المشوي، وعبيد سلطان السويدي، وخميس الشحي.

ذلك المجلس كما يقول ماجد المشوي، يقدم لقاصديه مشروبات وضيافة أصيلة في كل الأوقات، وهو كيان فريد يتسع للمزيد من المواطنين والمقيمين وحتى السياح الأجانب، لكنه يظل علامة فارقة بالنسبة لمواطني الخان القدامى سكان المكان في الماضي، الذين يَعمُرونَه كل يوم بما لا يقل عن 25 شخصاً بالمتوسط العام، من الشواب والشباب الحريصين على الحضور اليومي رغماً عن مواعيد الحداثة.

وللمناسبات المختلفة؛ رمضان واليوم الوطني وحتى الزواج والخِطبة، نصيبٌ من المكان، إذ يجد كثيرون في المجلس موطناً يتسع للكثير، فيه خيمٌ ومجالس رمضانية، وهو بالأساس مجلس يومي يناقش كل متعلقات الحياة اليومية لأهل بحرٍ أخلصوا للماضي والحاضر بحكم السنوات.

يتفرع المجلس إلى أربعة مجالس داخلية وخارجية، ويوفر لرواده شاشات تلفاز كبيرة وصحفاً يومية، ناهيك عن أكلات التراث والماضي، ومشروبات وضيافة مجانية، كلها تندرج في سياق الرعاية والدعم من صاحب السمو حاكم الشارقة، لإبقاء روح الأصالة في قلب الوطن متجلية.

في الواقع؛ لا حياة تسير هناك، ولا ضجة ولا صخب عيش يبدو، هي عشرات من البيوت متفرقة، بعضها متهالك، تحيط بها قلاع وحصون ترابية اللون مرتفعة قليلاً، جميعها يخضع لإعادة ترميم ضمن مشروع الخان التراثي، وعلى مقربة منها يزهو مربى الشارقة للأحياء المائية بطرازه الفني الأنيق.. لكن مجلس الخان الشعبي، أعاد للحياة نبضاتها كما كانت، وجمع الصغار والكبار على مائدة متكررة كل صباح ومساء، قوامها الأحاديث الشيقة والمناسبات المتنوعة، وهو إلى اليوم لا يزال يحجز في القلوب المقدمة.

بحسب ما ينطق لسان حال رواد مجلس الخان: من دون هذا المجلس الشعبي يظل اليوم ناقصاً، فهو مكان اعتدنا فيه القضاء على الملل والفراغ، وأدمنا بين جنباته سماع القصص والحكايات من أهل البر والبحر، وأخلصنا الحضور فيه كل يوم لساعات وساعات.. تكفينا منه لمة الأصدقاء على هيئة قلب رجل واحد.