قفزت شركتا ألمنيوم دبي المحدودة «دوبال» والإمارات للألمنيوم «إيمال» عبر اتفاقهما على توحيد أعمالهما تحت شركة جديدة مملوكة مناصفة لكل منهما تسمى «شركة الإمارات العالمية للألمنيوم»، إلى قلب التغييرات التي تموج بها صناعة الألمنيوم في العالم. حيث تبلغ القيمة الإجمالية لأصول وأعمال الشركة الجديدة أكثر من 15 مليار دولار، لتصبح بذلك خامس أكبر منتجٍ عالمي للألمنيوم عند الانتهاء من توسعة المرحلة الثانية من شركة «إيمال» في النصف الأول من العام 2014.

وتنبئ هذه التغييرات بميلاد خريطة جديدة من رحم التغييرات الهيكلية التي تعمل بمعاولها في زعزعة مراكز القوى التي أمسكت بتلابيب هذه الصناعة لعقود، بحيث بدا الوضع على أنه يتجه نحو إحلال مراكز قوى صاعدة وجديدة محل تلك التي بدأ يصيبها الإعياء والكلل تحت وطأة الارتفاع الصاروخي في تكاليف الطاقة. وهو الأمر الذي حدا بكبريات شركات صناعة الألمنيوم إغلاق المصاهر غير المربحة في أوروبا وأميركا الشمالية، ونقل هذه الصناعة إلى المناطق التي تتمتع بموارد طاقة غنية ورخص الأيدي العاملة.

ويوحي هذا الاندماج بين عملاقي صناعة الألومنيوم في الإمارات بأن الأمر المهم ليس القفز في قلب التغييرات فحسب، وإنما رسم معالم مكانة دولة الإمارات في الخريطة الجديدة لصناعة الألمنيوم في العالم، بملء الفراغات في المواقع الأمامية التي يمكن أن تنشأ في المستقبل، وعليه، يتجاوز هذا الاندماج شجيرات الغابة لينظر إلى ما يلفها من آفاق رحبة ومتسعة.

ورغم الأهمية البالغة والحيوية لإطلاق شركة جديدة مملوكة مناصفة لكل منهما تحت مسمى «شركة الإمارات العالمية للألمنيوم» إلا أن المسألة الأكثر أهمية، هي أن هذه الشركة الجديدة تمثل إحدى ثمار التحالف الاستراتيجي بين «دوبال» و«مبادلة» هو ما يفتح الآفاق أمام المزيد من إطلاق المشروعات الاستراتيجية بين إمارتي أبو ظبي ودبي تحت مظلة النهوض بدولة الإمارات إلى آفاق نمو أكثر رحاباً واتساعاً.

بداية الانطلاق

وفي نظر المراقبين، تمثل عملية الدمج بين «دوبال» و«إيمال» بداية انطلاق مجموعة من المبادرات الضخمة والمشاريع العملاقة التي سوف يكون لها بالغ الأثر في تشكيل معالم خريطة صناعة الألمنيوم على الصعيد العالمي، وهو ما يعكس الوعي بأن حركة الاندماجات التي تشهدها صناعة الألمنيوم في الوقت الحالي تجعل الكيانات الضخمة هي وحدها التي ستقرر ما ستكون عليه الخريطة الجديدة لهذه الصناعة. خاصة وأن «دوبال» و«إيمال» تزخران بإمكانيات وخبرات وتجارب، تؤهلهما لترسيخ مكانة دولة الإمارات ضمن اللاعبين الكبار في هذه الصناعة. فمن جانب تمتلك «دوبال» قاعدة من الخبرة والتميز كشركة رائدة في مجال إنتاج وتسويق الألمنيوم على الصعيد العالمي، ومن جانب آخر، يحفل سجل «إيمال» بالإنجازات على صعيد إطلاق مشاريع التطوير العملاقة.

التخطيط المدروس

والملفت في نظر المراقبين أن هذا الاندماج ليس وليد اللحظة الآنية، وإنما هو نتاج جهد ضخم وممتد على سنوات عديدة، عكفت خلالها الشركتان على وضع الخطط والدراسات لتأسيس شركة مشتركة بنسبة متساوية (50%) لكل من «مبادلة» للتنمية و«دوبال»، وجري الإعلان عن هذه الخطط قبل عشر سنوات مضت، حيث تم الإعلان حينذاك عن أن هذا التحاف الاستراتيجي المخطط إقامته بين الشركتين سوف يقوم بالإشراف على تشغيل وإدارة مصهر الألمنيوم الجديد ، وسيسهم ومبادلة للتنمية في توفير أكثر من 4 آلاف وظيفة ستخصص في معظمها إلى مواطني دولة الإمارات. كما سيضفي مزيداً من القيمة على قطاع الطاقة الوطني عبر تدشين مشروع صناعي مشترك يقوم بإنتاج أكثر من مليوني طن من الألمنيوم فضلًا عن إنتاج المواد الخام ومشتقاتها.

ويجدر بالإشارة أن البروتوكول المشترك الذي تم توقيعه بين الشركتين في 18 فبراير 2006 شكل القاعدة التي انطلقت منها الشركتين في المضي قدماً للأمام نحو تطوير العديد من المشاريع في مجال إنتاج الألمنيوم والاستكشاف المشترك للفرص الاستثمارية المتنوعة في مجال إنتاج المواد الخام والترويج لمختلف جوانب هذا القطاع الصناعي الحيوي.

وتم بالفعل تشكيل لجنة إشرافيه مشتركة من كبار مسؤولي الإدارة في الجانبين لاستكشاف فرص الأعمال المتاحة ودراسة إمكانية تدشين مركز إماراتي للتميز والبحوث والتطوير في مجال إنتاج الألمنيوم.

كما تولت اللجنة الإشرافية مسؤولية دراسة وتطوير القواعد الاقتصادية والفرص الاستثمارية المشتركة في مشاريع الألمنيوم بشقيها سواء على مستوى استخراج المواد الخام أو إنتاج الألمنيوم مثل مشاريع إنتاج الفحم الكلسي أو مصانع إنتاج لفائف الألمنيوم أو التطبيقات المتاحة بقطاع صناعة السيارات.

وعكس هذا التخطيط المدروس والحصيف لتأسيس هذا الاندماج وعي القائمين على الشركتين حجم التغييرات الجارية في سوق صناعة الألمنيوم التي تملي عليهما ضرورة التطرق إلى منهجيات جديدة في إدارة أعمالهما لكي تحافظ على وضعهما الحالي المؤثر في سوق الألمنيوم، سواء من خلال تنويع محافظها الاستثمارية، أو من خلال التواجد في أسواق متعددة ومتنوعة، أو من خلال نسج علاقات استراتيجية مع اللاعبين الكبار في صناعة الألمنيوم.

وتجلت تعبيرات هذا النجاح في تحقيق المشروع المشترك المملوك مناصفة بين دوبال وشركة مبادلة للتنمية والمتعلق بمشروع شركة الإمارات للألمنيوم، إيمال، بمنطقة الطويلة بأبوظبي سجل حافل من الإنجازات، حيث تم الانتهاء من تشغيل جميع خلايا الإنتاج البالغة 756 خلية في المرحلة الأولى، خلال زمن قياسي بحلول نهاية العام 2010 الأمر الذي مكّن المصهر من العمل بطاقته التشغيلية ابتداءً من 2011. وقد أسهمت عملية ترقية محولات الطاقة في خطي إنتاج إيمال خلال 2012 في زيادة الأمبيرية التشغيلية وما ترتب عنها من نمو الطاقة الإنتاجية إلى 800 ألف طن سنوياً.

 وفيما يتعلق بمهامها التعاقدية، قامت دوبال بتسويق وبيع 780 ألف طن متري من إنتاج إيمال بمختلف أنحاء العالم خلال العام 2012. وتم الإعلان عن المرحلة الثانية من مصهر إيمال في شهر يوليو ،2011 ليتم بناء خط إنتاج جديد بطاقة 444 خلية، الذي سيسهم، مدعوماً بعملية الترقية التقنية لخلايا الصهر الحالية، في زيادة الطاقة الإنتاجية الإجمالية السنوية لإيمال إلى 3.1 ملايين طن متري، بنهاية العام 2014

ضغوط أسعار الطاقة

وقد ضغطت أسعار الطاقة المرتفعة على النتائج المالية لشركات الألمنيوم الكبرى، وهو ما أدى إلى تآكل أرباحها، وذلك على الرغم من ارتفاع أسعار الألمنيوم، وعلى سبيل المثال، أعلنت شركة «ألكوا» الأميركية - ثالث أكبر شركة إنتاج الألمنيوم في العالم وأكبر شركة ألمنيوم في الولايات المتحدة أنها حققت أرباحاً خلال الربع الثاني من العام المالي2012 تصل إلى 61 مليون دولار أميركي مقارنة بأرباحها السابقة التي بلغت خلال الربع نفسه من العام 2011 التي بلغت 322 مليون دولار، وذلك كأثر من انخفاض أسعار السلع الأساسية عالمياً خلال الفترة الماضية. كما انخفضت مبيعاتها الربع سنوية لتصل إلى 5.963 مليارات دولار مقارنة بمبيعاتها السابقة التي بلغت 6.585 مليارات دولار.

وفي الإطار ذاته، أظهرت نتائج شركة الألمنيوم العربية المصرية عن العام المالي 2011، تراجعاً في أرباحها بنسبة 77% مسجلة أرباحاً صافية قد بلغت 5.473 ملايين جنيه مصري مقارنة بأرباح صافية قد بلغت 23.582 مليون جنيه مصري بنفس الفترة المالية لعام 2010. كما بلغ صافي دخل شركة ألمنيوم البحرين «ألبا» خلال العام 2012 نحو 257 مليون دولار مقابل 564 مليون دولار في 2011 بانخفاض 54%، على خلفية تراجع الأسعار في سوق لندن للمعادن وارتفاع تكاليف الطاقة.

كما سجلت شركة «بي. إتش. بي بيليتون» أكبر انخفاض للأرباح في أكثر من عشر سنوات في النصف الأول من العام 2012 وعينت رئيساً تنفيذياً جديداً لتصبح رابع شركة تعدين عالمية تغير رئيسها التنفيذي هذا العام مع دخول الصناعة حقبة جديدة من التقشف. وتركز شركات التعدين حالياً على تحقيق أقصى استفادة من أفضل أصولها بعدما تعرضت لانتقادات من المستثمرين بسبب مشروعات واستحواذات باهظة وخروج التكاليف عن السيطرة في سنوات الازدهار.

وقد مثل ارتفاع تكاليف الطاقة السبب الرئيسي وراء اتجاه شركة «آلكوا» التي تعتبر أكبر منتج للألمنيوم في العالم نحو تصنيع المزيد من الألمنيوم خارج الولايات المتحدة لتقليل الإنفاق على الأيدي العاملة والطاقة. وعلى المنوال نفسه، وفي سياق تحرك صناعة الألمنيوم إلى المناطق الغنية بالطاقة، أعلنت شركة نورسيك أنها أغلقت بعض وحدات الإنتاج في النرويج وألمانيا لعدم ربحيتها، وإنها عوضاً عن ذلك، صارت تركز على المناطق الغنية بالطاقة.

وهكذا، وفي ظل تحرك صناعة الألمنيوم إلى المناطق الغنية بموارد الطاقة، قدرت مؤسسة «سيتي جروب» أن قسماً كبيراً من الطاقة الإنتاجية في أوروبا سوف يتم إغلاقها.

خريطة جديدة

 

ويبرز على واجهة التغييرات التي تدفع إلى رسم خريطة جديدة لصناعة الألمنيوم في العالم، عملية الانتقال المنتظمة لصناعة الألمنيوم إلى المناطق والأقاليم التي تتمتع بميزة انخفاض تكاليف الطاقة، على اعتبار أن مصاهر الألمنيوم تعد من الصناعات كثيفة الطاقة.

وورد هذا الاستنتاج في تقرير صادر عن مؤسسة ستاندارد آند بورز بعنوان «صناعة الألمنيوم العالمية تواجه تصاعد التكاليف»، ويشرح التقرير أن تكاليف الطاقة المرتفعة أدت إلى تآكل المكاسب التي جنتها الشركات من الارتفاع في أسعار الألمنيوم. وهو ما دفع شركات ألمنيوم كبرى على غرار «آلكان» و«ونورسيك هايدرو إيه إس إيه» إلى إغلاق المصاهر غير المربحة والتي تعاني من وطأة ارتفاع تكاليف الطاقة، وارتفاع مدخلات الإنتاج. ومن بينها الألومينا التي ارتفعت أسعارها بسبب تجاوز الطلب حجم الإنتاج، حيث تحتاج المصاهر طنين من الألومينا لإنتاج طن واحد من الألمنيوم.

وسيترتب على هذا الوضع من وجهة نظر بول فاستولا المحلل في مؤسسة «ستاندارد آند بورز» إلى ارتفاع مستويات ديون شركات الألمنيوم، وتراجع جدارتها الائتمانية، وهو ما سيعرضها لضغوط مكثفة خلال السنوات القليلة المقبلة. وتستحوذ تكلفة الطاقة على 29% من تكلفة إنتاج الألمنيوم وهو ما يجعل مصانع الألمنيوم في الولايات المتحدة وأوروبا أقل ربحية من تلك الموجودة في الشرق الأوسط الذي يضم أكبر ثلاث دول مالكة لاحتياطات غاز الطبيعي.