ذكرت خطبة الجمعة أمس، أن الله تعالى خلق الخلق وأحاط بكل شيء علماً، فلا يخفى عليه صغير وإن دق، ولا كبير وإن جل، قال تعالى: (لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين).

وأضافت أن علم الله تعالى أحاط بما يجول في النفس من الخواطر، ويختلج في القلب من السرائر، قال عز وجل: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)، فيا له من خالق عظيم عالم بخفيات الصدور وما اشتملت عليه، وبما في السموات والأرض وما احتوت عليه، قال سبحانه: (قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السموات وما في الأرض والله على كل شيء قدير)، فحري بالعبد أن يستشعر مراقبة الله تعالى، وأن يكون على يقين باطلاع الملك الحق المبين، على ظاهره وباطنه، وسره وعلانيته، فيجتهد في الطاعات على دوام الأوقات، ويرتقي في العبادات والمعاملات، فمن راقب الله الواحد الديان حقق الإحسان، الذي عرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».

وأضافت الخطبة أن المراقبة لله تعالى بمعرفة صفاته وأسمائه، قال تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها)، ومن أسمائه سبحانه وتعالى الرقيب، قال عز وجل: (وكان الله على كل شيء رقيباً) فمن تأمل في اسم الله الرقيب استقامت جوارحه وصلح عمله، لأنه يعلم أنه ما من قول يلفظه إلا وهو محسوب، قال تعالى: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)، وما من عمل يعمله إلا وهو مرصود مكتوب، قال سبحانه: (وإن عليكم لحافظين، كراماً كاتبين، يعلمون ما تفعلون) وما من شأن من شؤونه إلا والله مطلع عليه، قال تعالى: (وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه).

الخلوة

ومن غفل عن مراقبة الله تعالى، وخاصة في الخلوة عندما يكون بمفرده ليس معه أحد، تجرأ على فعل المعاصي والمنكرات، وفرط في ما عنده من رصيد الحسنات، فعن ثوبان رضي الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاً، فيجعلها الله عز وجل هباء منثوراً». قال ثوبان: يا رسول الله، صفهم لنا، جلهم لنا، ألا نكون منهم ونحن لا نعلم. قال: «أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها».

وأكدت الخطبة أن مراقبة الله تعالى تُعلي شأن صاحبها في الدنيا، وتجعله من الناجين في الآخرة، قال صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وذكر منهم: ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله... وذكر منهم: ورجل ذكر الله خالياً، ففاضت عيناه» فيا فوز من يستشعر مراقبة الله تعالى على الدوام، فيجتهد في الطاعات سائر الأيام، ويبادر بالتوبة والاستغفار من جميع الذنوب والآثام.

نقاء

جاء في الخطبة الثانية، أن استشعار مراقبة الله تعالى يورث القلب نقاء يميز به بين الحلال والحرام،

قال أبو ثعلبة رضي الله عنه: يا رسول الله أخبرني بما يحل لي ويحرم على...

فقال: «البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك الُمفتون».