يتسم المطبخ الإماراتي المحلي أو المطبخ الشعبي كما تحلو للكثيرين تسميته، بنكهة تجذب مجاميع من الأشخاص بغية التعرف إلى مذاق وأطباق المطبخ المحلي، وعليه دأبت القرى الشعبية في الدولة على توفير هذه الأصناف لمحبي الطبخ "البيتي" أو التقليدي، والذي يجد إقبالاً كبيراً وتفضيلاً من كثير من الجاليات، لأن مكوناته تعتمد على مواد طازجة وطبيعية تخلو من المواد الحافظة أو المعلبة.

 إضافة إلى أن القرى الشعبية تقوم بدور كبير في المحافظة على خصوصية البيئة المحلية ومن ضمنها المائدة التقليدية وأصناف الطعام المحلي التي تكاد تنقرض نظراً لتنوع المطبخ الإماراتي وانفتاحه على المطابخ العالمية، مما يحمّل هذه القرى مسؤولية إبراز الأصناف المحلية ذات الخصوصية من حيث الإعداد والمكونات وكذلك طرق التحضير.

وعليه فإن زوار هذه القرى يجدون طلبهم من الأطعمة التقليدية المتنوعة واللذيذة، والتي اندثر أغلبها، لكنها - أي القرى ومنها قرية تراث الفجيرة - تحرص على الاستعانة بأيدي بعض الأمهات اللاتي مازلن يمارسن صناعتها إلى اليوم مثل إعداد "الكامي" المستخرج من لبن البقر، وصناعة السمن أو" الدهن" البلدي المستخلص من زبدة لبن الأبقار أو الأغنام وخاصة الماعز، إضافة إلى إعداد "قروص اليمر" أي الجمر، وهو خبز مصنوع من حبوب البر المطحونة تعد على حرارة الفحم، فضلاً عن القهوة العربية.

حميمية التقاليد

ومن ضمن جولاتنا على قرية التراث بالفجيرة بحثاً عن نكهات الأمس، وحميمية التقاليد الخاصة، استوقفنا مشهد ثلاث أخوات، وهن يقمن بإعداد "قرص اليمر" على الفحم بالطريقة التقليدية، إذ كانت إحداهن تطحن حبوب القمح بأداة الرحى الصخرية، فيما تقوم أختها فاطمة راشد سعيد بعجن الدقيق بالماء مضافاً إليه الملح فقط، ثم تشكيلها على هيئة أقراص دائرية ليتم بعد ذلك خبزها، وهو الأمر الذي تتولى القيام به الشقيقة الثالثة مريم راشد على الفحم، في صورة تترجم وتعزز روح التعاون والعمل المشترك، وجميعهن من ربات البيوت، لكنهن يستمتعن بالمشاركة في المعارض والفعاليات التي تنظمها القرى التراثية، حيث يتسنى لهن سرد بعض من ذاكرة الحياة القديمة.

أما مريم عبيد راشد التي بدت مهتمة بتحميص حبوب القهوة العربية، وسحقها يدوياً لتعدها على الفحم في إبريق مليء بالماء مع قليل من حبات الهيل، فقد أشارت إلى أن النساء في الماضي غالباً ما يحرصن على إعداد القهوة في الصباح الباكر، ويتركنها على الفحم حتى وقت الضحى ويعاد صنعها قبيل المغرب.

صناعة تتلاشى

وشرحت شيخة اليماحي طريقة إعداد "الكامي" وهو أحد أشهر الأطباق الشعبية التي تعد من لبن البقر الرائب، ويقدم مع التمر والقهوة العربية، ويحتاج إعداد "الكامي" إلى وضع القليل من اللبن في حليب البقر ويترك فترة من الزمن ليصبح رائباً، فتقوم المرأة بعد ذلك باستخراج خلاصة الحليب المتكتلة من اللبن الرائب ثم غليها على نار هادئة، وإضافة بعض النكهات مثل حبوب "السنوت" أي الكمون و"المثيبة" أي البابونج، أو الزعتر الجبلي المجفف وغيرها. كما يتم عزل الزبدة لصناعة السمن البلدي.

وفاء لحلية الزفاف

في دور آخر تقوم القرية بعرض أدوات زينة المرأة من الذهب والملابس، والعطور القديمة والبخور المحلي والمخلطات التي كانت تستخدمها في حياتها اليومية، وأوضحت صبيحة على خميس أهم أنواع الذهب ومسمياته، التي كانت تستخدمها المرأة في السابق، حيث صبيحة مازالت تحتفظ بالحلية الذهبية "المرتعشة" التي أهداها لها زوجها يوم الزفاف، وهي قلادة عريضة ذات مربعات صغيرة تتدلى منها دوائر و"ذواري" تتلألأ على الصدر وتشبك نهايتها باللؤلؤ، وهناك "المريّة" وجمعها "مراري" وهي قلائد ذهبية.

وأيضاً منها "حِيِل أبو الشوك" عبارة عن سوار به عدد من النتوءات البارزة كالأشواك الذهبية، وقلادة تعرف بـ "صِدْ صوبي" وهي قلادة طويلة ذات أشكال هرمية من قطع الذهب الصغيرة، و"التراجي" عبارة عن أقراط صغيرة بهيئة متصلة بحبيبات صغيرة متدلية، فضلاً عن أنواع أخرى منها "الكواشي" للأذن و"الشناف" للرأس، والكف والفْتَخ لأصابع اليد وإبهام القدم، والعديد من الأشكال والمسميات الأخرى التي يعرض بعضها عادة في القرية.

 

مصير الحرف

 

نتوقف مع الحرف اليدوية التقليدية التي تواجه مصيراً مجهولاً ويشارف بعضها على الانقراض في ظل غياب التسويق الجيد للمنتوج الحرفي، وانصراف الأجيال عن تعلم الحرف من أربابها، وتمثل الحرف التقليدية المتوارثة عبر الأجيال، والتي خطت لنفسها طريقاً واضحاً بين يدي الحرفي المتمرس الذي ابتكرها وأوجدها، علامة متميزة ورصيداً ثقافياً ثميناً وتعبيراً عن أصالة البلد، لاسيما أن أغلب منتجات الحرف اليدوية تأثرت كثيراً بطبيعة المكان والمعيشة اليومية التي سخرت المنتجات لتتناسب مع احتياجات الفرد، إلا إنها تواجه صعوبة في البقاء والاستمرار بحسب أقوال من يحرصون عليها، ويلمسون تلك العقبات نظراً للأسباب السابقة.