الابداع لا يتوقف على عمر ولا هو حكر على زمن، وهنا وقفة مع لوحة ايقاعية استعراضية، إحدى اللوحات الصامدة على تقاليدها منذ عقود بعيدة، نطل بها على ابعاد احد انواع الفنون الشعبية الأصيلة، من خلال علي خميس جمعة العشر مسؤول الفنون الشعبية في النادي البحري للفنون الشعبية والسياحة بالشارقة، يحدثنا عن "العيالة" وتسمى ايضا "الحربية" وعنها يقول: ليس كل من يقف لمشاهدة الفنون الشعبية التي تقدمها الفرق المحلية يعرف دلالتها وعمقها، وانما الكثير من المشاهدين هم مجرد متفرجون، على حركات تعكس شيئا من تراث الماضي، ليس اكثر. لكن تلك اللوحة تاني اليوم من قلة نظم الشعر والقصائد الخاصة بتلك الرقصات التراثية.
لوحة ايقاعية
بينما العيالة أو الحربية على سبيل المثال؛ هي واحدة من لوحات الفنون الشعبية المعتمدة على الايقاع والتعبير الحركي والالقاء الشعري الحماسي، كما أنها محملة برسائل ذات ابعاد عميقة، علما أن هناك العديد من الشلات المصاحبة للرزيف، حيث تتكون اللوحة من صفين من الرجال، بما لا يقل عن خمسين ينقسمون بين الصفين، وكلما كان العدد أكبر كان الصوت والاداء أفضل، والصفان يرمزان إلى جبهة القتال، والرجال هم المقاتلون، في حين يكون في الوسط أي الميدان، القائد وهو ضارب الطبل الكبير ويسمى "الراس" وحوله ثلاثة من ضاربي الطبول الصغيرة وتسمى "التخامير" وترمز للمعاونين، ثم صاحب أو ضارب "الطار" ويسمى أيضا "السْماعْ" ثم حامل "الطوس" أو "الصاجات".
ويكمل: بالنسبة لصفي الرجال فإنهم يحملون العصي، ولابد أن تكون عصي، وكل اشارة وحركة من العصي لها معنى ودلالة، فمجرد أن يبدأ "الراس" وهو الطبل الكبير كما اسلفت في النزول للميدان ترتفع العصي ثم تهبط الى الأرض، في إشارة إلى تحية القائد، ثم يبدأ في الايقاع، حتى يلتف إلى الجهة الأخرى في مقابلة الصف الثاني، فترتفع العصي في شكل أفقي أعلى الرؤوس وهي إشارة إلى الاستعداد للهجوم، حتى يتبين لهم أنه صديق وليس عدوا، فتبدأ العصي في الانخفاض لتلامس الأرض، تحية له.
كما يشير العشر: إن الكلام الذي نردده ليس كلاما عابرا، بل هو قصائد مقفاّة ومعروفة، وهي من القصيد القديم الذي لا يعرف قائله في الغالب، وأنا شخصيا حفظته منذ الصغر لكوني في المجال منذ الطفولة، وقد ورثت المهنة عن والدي.
اختلاف واتفاق
وتختلف الشلاّت في كل لوحة عن الأخرى من حيث الكلام واللحن، لكنها تتماثل في الايقاع، ومن هذه الشلاّت " يا نديبي وانكش الخِرِي -أي الخِرْج -وشداده، وارتحل من فوق هجن شوق له، مضمّرن ما حاشهن كل ركابي، يا نديبي بالعدل يا بوعبدالله". وأخرى " يا نديبي على الصيعريّة، حايرن ما تملّى الردي، ارفع الصوت يا بو حليّة، خل قلب مشقّى يلين، كم عذرا جفت بالمنيّة، واطمحت يوم ياها النجيف، لابتي وكلهم صيعرية، مرحوا في الحسا والقطيف". هذا مثال من الشعر المستخدم في شلة الرزيف، حيث يقول الراس البيت ويرد الصف الاول من الرجال، ثم يردده الصف الثاني وهكذا حتى تنتهي القصيدة، علما أن القصيدة تكون طويلة وتقال كاملة حسب الوقت المتاح، وهنا مهارة تكشف قدرة الحفظ.
شروط ومواقيت
وعن الوقت الذي تستغرقه كل لوحة استعراضية يقول خميس: من 10 الى 15 دقيقة تتبعها استراحة قصيرة ثم نستأنف الرزيف مجددا، ويستغرق ذلك ساعتين من الزمن. منوها أن العيالة أو الحربية هي من الاستعراضات التي تقام من بعد صلاة العصر إلى قبل أذان المغرب فقط، لكونها من اللوحات المختصة بإشعال حماس الرجال لخوض المعركة، اما في الليل فهناك فن آخر لا يضاهيه جمال اللوحات الاخرى، وهو فن صعب بقدر جماله، ويسمى "الآهلله" وهو مختلف عن "المالَد" ذو الطبيعة الدينية، فـ"الآهلله" يعتمد على الأداء الصوتي فقط، ولا يدخل فيه الايقاع باي شكل، علما أن هذا الفن يوشك على الانقراض لكون الذين يجيدونه حتى الآن يعدون على أصابع اليد الواحدة.
يذكر خميس انه كان ضاربا "للراس" لكنه لم يعد يقوم بالعمل كالسابق نظرا لعمره، لكنه مرتبط به خدمة للوطن وتاريخه وللأجيال، فالحفاظ على الموروث رسالة وأمانة. ولا يفضل أولاده الانخراط في المجال كما فعل هو واكتسبه من ابيه، وتعتمد مشاركة الأولاد على توفر وقت فارغ لديهم، مع توفر الحماس الذي تشعله طبيعة الشلة، حيث هناك الوجدانية والقتالية، وهم يميلون للقتالية فلا يترددون عن المشاركة بـ "الرزيف" فيها.
كما يشير العشر إلى عجبه من امتناع أو عدم اقبال شعراء اليوم إلى نظم قصائد شلات للعيالة والحربية، وأنا شخصيا قبل سنوات أدخلت واستخدمت ابياتا لشلة في الفرقة وهي " الله يا دار زايد كيف ما حلالها، ياناس حلوة وقلبي مغرم فيها" وهي قصيدة للشاعر جمعة بن مانع الغويص السويدي، إلا أننا في الغالب نلجأ إلى دواوين قديمة بسبب ندرة كتاب هذا النوع من القصيد في الوقت الحاضر.
بنادق وسيوف
حين يشتد الحماس ينزل إلى الميدان حملة السيوف أو البنادق ويشاركون في الرزيف، فتكون اللوحة عبارة عن صفين من الرجال المقاتلين وهم حملة العصي التي ترمز إلى الحراب، وحملة السيوف والبنادق، يحيطون بالراس او ضارب الطبل الكبير الرامز للقائد. ويشدد العشر على ضرورة الاهتمام بتوثيق هذا الابداع ، وخاصة من قبل وزارة الثقافة، والذي يربطنا بالماضي وبمن ابتكروه وحمّلوه تلك الدلالات القيّمة، لنعرف وتعرف الأجيال كيف عاش أجدادهم، وكيف ناضلوا وقاتلوا، وكيف استعانوا على الظروف، وبماذا استعانوا، وكيف اعتمدوا على ذواتهم والتعاون بينهم.


