حكاية كفاح امرأة، باتت هدفا للمخرجين والممثلين، لكونها تجسد قصة حقيقية لكفاح سيدة إماراتية. بلغت عقدها السادس من العمر، وباتت مثالا يحتذى لدور وأهمية المرأة في المجتمع، ووقوفها في مواجهة الصعوبات والتحديات، لتوفر لقمة العيش الكريم لها ولأبنائها في زمن ساده شظف العيش. امتدت لها أيادي الخير والعطاء، لكن "منحة الوالد" هي التي رسمت لها معالم طريق جديدة لحياة حرة كريمة، فكانت المكافأة المستدامة. فما حكاية "منحة الوالد" تلك، وهو العنوان الذي تصدر فيلما وثائقيا قصيرا عنها، وكان اللفتة التي قد تحدث نقلة نوعية جديدة في حياتها، حيث اقتنص أحد المخرجين المجتهدين حكايتها بذكاء، ليجسد قصة كفاح من أجل الحياة.

بداية الحكاية

تروي العيناوية أم راشد، حكايتها وقد فجعت "ماضية جمعة" وهذا اسمها، ذات يوم قبل أكثر من 30 عاما بفقد زوجها، تاركا لها ميراثا ثقيلا من الديون، ومسؤولية أربعة أطفال.. ولدين وابنتين، لم يتجاوز أكبرهم حينذاك 4 سنوات من العمر. في ليلة ذات مساء ضاقت بها الحال أغمضت أم راشد عينيها واستخارت الله، فجاءتها ومن غير ميعاد عطية الخير وهي "منحة الوالد"، والوالد هو اللقب الذي يطلقه أبناء دولة الإمارات على المغفور له - باذن الله- الشيخ زايد، لترسم بهذه المنحة السخية ملامح طريق جديدة تخرجها من نفق الحياة الضنكة، حيث خصص لها المغفور له الشيخ زايد، مزرعة في منطقة "حرز" على طريق العين دبي، فكانت الخطوة الأولى إلى حياة جديدة، مليئة بالمجازفات والإثارة والتحديات.

تحمل المسؤولية

عند الصباح عقدت أم راشد العزم، وقررت أن تحمل على عاتقها المسؤولية كاملة في تربية أولادها، وتسديد ما تبقى من ديون الزوج الراحل وتأمين لقمة العيش الحلال، في البداية قررت العمل في إحدى المدارس، قبل أن تحصل على مكرمة المغفور له الشيخ زايد، حيث خصها بأرض زراعية، فجاءت نقطة التحول الحقيقية في حياتها، وهي اللفتة التي شدت من أزرها وقامت بتأسيس المزرعة، التي تطلبت منها العمل المتواصل صباح مساء، ومخالطة رجال من جنسيات مختلفة حتى تنجز الإنشاء.

ونظرا لتعدد احتياجات العمل في المزرعة، كان وجود سيارة نقل ضرورة، فلم تتردد من المجازفة بقيادة سيارة الشحن بنفسها، لتنقل الرمل والإسمنت من ضواحي مدينة العين فتؤمن مواد البناء، لكن الحماس لا يبرر المخالفة، وفي الساعة الخامسة من صباح ذات يوم مبكر تم ضبطها من قبل شرطة المرور، لكونها تقود الشاحنة من دون رخصة قيادة، وهو الموقف الذي أشعل فيها العزم للحصول على الرخصة، فكانت "ماضية" ام راشد أول سيدة تقود سيارة أو شاحنة، وبذلك كان لها ما أرادت.

عمل جاد

انخرطت ماضية مع العمال داخل المزرعة بعمل جاد ومجهد منذ ساعات الصباح الباكر وحتى المساء وهي في سباق مع الزمن، الأمر الذي دفعها إلى مساعدة العمال بحفر الأساسات وتقطيع الحديد ونقل المواد، حتى بني سور المزرعة، وبداخله بيت صغير لها ولأولادها، ثم تفرغت تماما للفلاحة والزراعة، بمختلف أنواع المحاصيل الممكنة، لم تكتف أم راشد بذلك، بل قامت بتوريد محاصيلها إلى الأسواق المحلية في مدينة العين وضواحيها أولا، ثم وصلت منتجات مزرعتها إلى سوق العوير في دبي، حيث كانت تصدر منتجاتها الزراعية المتنوعة، وحسب كل موسم. ثم اعتمدت على نفسها في تحصيل عوائد المحصول، واجراء الحسابات. جدتها وجودة منتوجاتها حققت لها سمعة طيبة بين التجار، فبدأوا بإرسال سيارتهم للمزرعة لنقل المنتجات وتلبية الحاجات.

أصبحت أم راشد واحدة من أهم موردي المنتجات الزراعية لسوق الخضار، ذلك النجاح دفعها إلى تحويل حديقة المنزل الذي سكنت فيه لاحقا إلى مزرعة للحمضيات والخضروات الموسمية، كما نجحت في زراعة التفاح في مزرعة البيت.

قضت ماضية حياة طويلة من عمرها بين المزروعات وعلى ظهر الشاحنات، التي حرصت على قيادتها بنفسها، وبين العمل في المدرسة، حيث توجت حديقة المدرسة التي تعمل فيها بالفوز بجائزة بلدية العين كأفضل حديقة مدرسية.

تضحية صاحبة الفيلا المميزة

تضيف أم راشد أنها اتخذت قرار التضحية من أجل أولادها الأربعة، بعد أن تنازعتهم القضايا الشرعية الخاصة بحضانتهم وتربيتهم من قبل الأولياء والأقارب، فقررت أن تهب عمرها وشبابها لأطفالها، علما أن عمرها لم يكن حينذاك سوى 18 عاما، وتقول أم راشد ولسانها يلهج بالشكر والثناء لله سبحانه وتعالى بالمقام الأول، ومن ثم لصاحب السمو رئيس الدولة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، حفظه الله، الذي أكرمها بتخصيص قطعة أرض سكنية في منطقة "اليحر" حيث بنت عليها فيلا سكنية، وباتت تعرف في المنطقة بالفيلا "المميزة "، وذلك لتصدرها صورتي المغفور له الشيخ زايد، رحمه الله، والشيخ خليفة بن زايد آل نهيان أطال الله عمره.

«منحة الوالد» شريط كفاح

أم راشد تحتفظ بنسخة من الفيلم الوثائقي القصير، للمخرج أحمد زين، الذي يحمل عنوان "منحة الوالد" وقد شارك في مهرجان ابو ظبي للأفلام الوثائقية، وهو يحكي قصة كفاح أم راشد، المرأة العصامية المسؤولة، الأمر الذي لفت إليها وإلى مزرعتها المنتجة، فألهمت قصة كفاحها العديد من الكتاب والمخرجين لتجسيد تلك الحكايات في أفلام وتمثيليات، سوف ترى النور قريبا، ولم تشأ أم راشد أن تفصح عن تفاصيلها، لظروف تخص الإنتاج كما قالت، وهي التجربة التي أضافت لخبرات أم راشد خبرة غير مسبوقة ايضا، تتعلق بالتمثيل وانتاج الأفلام، بعد أن تفوقت في انتاج المزروعات والخضروات وقيادة الحافلات.

فلينتبه الجميع، فقد تفاجئكم "ماضية" أم راشد ذات يوم وهي ببرقعها من خلف المقود حيث تقود سيارتها البيك آب، أو الشاحنة الثقيلة المحملة بمنتوجات مزرعتها الخاصة، أو حافلة المدرسة لتلوح لكم بتحية السلام، فتعرفون انها اماراتية راكمت النجاحات بفضل "منحة الوالد" والارادة، فلطفا افسحوا لها الطريق، لأنها لن تسمح بأن يتجاوزها أحد.

 

شهادات تقدير تثمن جهدها

تقول أم راشد، إنها لن تتوقف عند ما حققته حتى الآن، فما زال في جعبتها العديد من الرغبات العملية، ومنها الحصول على رخصة قيادة "باص"، حتى تعمل عليه بنفسها لنقل طلاب وطالبات المدارس خدمة للوطن والمجتمع.

وتحتفظ أم راشد في منزلها بشهادات تقدير تعتز بها من حرم صاحب السمو رئيس الدولة، ومن بلدية العين لحصولها على جائزة أفضل حديقة مدرسية، إضافة لعدد من شهادات التقدير من جهات أخرى تقدر كفاحها وجهدها وتميز عملها في المجتمع، راجية العلي القدير أن يديم الصحة والعافية على صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله، الذي خصها بمنزل ودعمها لتوظيف أولادها، وتترحم على المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان، الذي وفر لأبناء الإمارات كل مقومات الحياة الكريمة، وما حرصها على أن تعمل بيدها إلا لشعورها بسعادة غامرة وهي توفر لقمة العيش بجد وبعرق جبينها، من دون أن تطلب من أحد حسنة أو منة.

كما تثني على رعاية الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبو ظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وكذلك الدور الكبير الذي تقوم به سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك أم الإمارات، بتوفير كل أوجه الرعاية والدعم للمرأة الإماراتية، حيث قدمت لهن الكثير من العطاءات، مما عزز من دورهن، ورفع من شأنهن في مختلف المجالات العلمية والوظيفية والحياة العامة.

 

أشد المصاعب ديون الناس

 

أما أصعب ما مرت به أم راشد فهو كما تقول: ليس أصعب من أن تنام وفي ذمتك ديون للناس، وخلفك أطفال يريدون لقمة الطعام. فكم ليلة حرمت فيها نفسي من الطعام حتى أوفره لأبنائي، وكم حرصت على أن يتابع الأولاد تعليمهم، وبفضل من الله تعالى تخرجت البنت الكبرى في كلية القانون، لتعمل في سلك الشرطة برتبة ضابط، وهي أول سيدة مدربة للكلاب البوليسية، كما درست البنت الثانية في كلية الإدارة والاقتصاد بجامعة الإمارات، وتعمل ايضا في سلك الشرطة، فيما درس الأولاد في كليات التقينة العليا وتخرجوا فيها ايضا، وأصبح لكل منهم مصدر رزقه وعمله وأسرته.

حيث بلغ عدد أحفادي كما تقول 22 حفيدا، وتربطنا أواصر المحبة والألفة، ومع ذلك فضلت البقاء في مزرعتها، تدير شؤونها بنفس الهمة والنشاط السابقين، ولم تغادر منزلها الذي منحها اياه صاحب السمو رئيس الدولة إلى أن أنهت بناء منزلها الجديد في "اليحر" بمنحة من صاحب السمو الشيخ خليفة، حفظه الله، على الرغم من إصرار الأولاد للعيش معهم، وحرصهم على رد الجميل لها، وأن تستريح من عناء الحياة، إلا أن أم راشد تؤكد على أنها لا تستطيع الجلوس في البيت من دون عمل، فهي ما زالت تنهض من الصباح الباكر لتتوجه لمزرعتها، كعادتها تدير شؤون حياتها بطريقتها الخاصة، وتشعر بسعادة غامرة، بالاعتناء بأشجار المزرعة وثمارها، وبتربية ورعاية المواشي والأغنام، والتي نشأت بينهما علاقة انسانية خاصة مع الاغنام ورعايتها.