بالرغم من تأثير النمط العصري للحياة على الأسرة وتشكيلها، والذي طال معدل أعداد أفرادها، وذلك بالاكتفاء من الإنجاب بالقليل من الأولاد، باتباع وسائل المنع العلمية والطبية، بدعوى تحديد النسل تارة؛ تخفيفاً على الكوكب، وتارة بغية توفير أفضل مستوى من المعيشة والتعليم للأبناء، لكون الإنفاق على ولد أو اثنين أيسر من الإنفاق على ثلاثة وأربعة لما يقارب عقدين من الزمن - حسب ذهنية واقع الغلاء - وأحياناً حتى يتأهل الأولاد بالزواج، بعد التخرج في الجامعات، لتتوقف الرعاية الأسرية أو الأبوية عنهم، والتي تختص بها مجتمعاتنا الشرقية والعربية الإسلامية تحديداً، وذلك انطلاقاً من مبدأ الاستثمار في الأولاد، فيبروا آباءهم في الكبر. إلا أن الأمر لا يخلو من لسعة من حسرة في كثير من الأحيان، تصيب المرء حين يجد نفسه شبه معزول أو وحيد، بعدما تتبع الإناث أزواجهن، ويتبع الذكور مصادر دخولهم، والتي قد تجتاز البحار والمحيطات، ما لم يقض الله بآجالهم، ليظل الآباء وحيدون تفترسهم الكآبة والوحشة وأعراض الشيخوخة.

إلا أن المحظوظين أولئك الذين يمن الله عليهم ببقاء أولادهم بقربهم وهو عز من قائل "وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا" الفرقان آية 74. وقوله تعالى "وزَكَرِيَّا إِذْ نَادَي رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ" الأنبياء آية 89. في تقاليدنا العربية يتمنى الناس مع كل مولود أن يرى الوالد أبناء ابنه وأبناءهم وأحفادهم، وهي دعوة غير مباشرة بالعمر المديد، والسعادة برؤية أحفاده والاستمتاع بهم.

وفي مجتمعاتنا لا تزال بعض العوائل حريصة على كثرة الإنجاب، وعلى لم شمل الأولاد والأحفاد في بيت العائلة، ليستأثروا ويستمتعوا بمشاعر السعادة جراء تربية أحفادهم، خاصة عند انحسار نشاطهم العملي أو المهني، فتكون رفقة الأحفاد هي السلوى، أفلا يقول المثل (لا أعز من الولد إلا ولد الولد؟!). لكن يبدو أن المعمر الصيني (آه كواي) من مدينة (كانسو) هو الذي لم ولن ينافسه أحد على حجم سعادته، فقد رأى بعينيه الجيل العاشر من أحفاده، وقد عرف ابن ابن ابن ابن ابن ابن ابن ابن ابن ابنه!عاش في عصر السعادة الذهبية، وعندما كان الإمبراطور الصيني يبحث عن أسعد رجل في امبراطوريته سنة 1790، قُدم إليه هذا الجد، فقد كان له (130) حفيداً، تبارك الله.