تزخر الذاكرة بالعديد من عباقرة الفن والأدب من أمثال بيتهوفن وإسحاق نيوتن وأينشتاين وفان جوخ اضافة الى 21 من الكتاب والفلاسفة ومؤلفي الموسيقى والفنانين التشكيليين وبعضهم حائز على جائزة نوبل ولكن ما لا يعرفه الكثيرون ان هؤلاء العباقرة كانوا مصابين باضطراب التوحد. وبالرغم من أن الفن وحده كان يمدهم بعذابات ومتع متعذر تفسيرها أو تبريرها إلا أن هذا الاضطراب يعد في حد ذاته الطريق الوحيد للوصول إلى قمة القدرة على التخيل، وقد أكدت معظم الدراسات والبحوث أن نسبة أطفال التوحد الذين يملكون قدرات خاصة وخارقة هي 10% بينما نسبة الأطفال الموهوبين والمميزين الأسوياء هي 1% فقط، أي أن فرصة امتلاك أحد الأطفال المصابين بالتوحد موهبة تزيد بعشرة أضعاف منها عند الأطفال الأسوياء.
والذكاء هو بمثابة عطاء من الله عز وجل لا تلعب الوراثة من الوالدين فيه دورا كبيرا، ولكن تلعب البيئة دورا مهماً، فالوراثة هنا استعداد وراثي وليس للوالدين دور فيه، فالطفل الذى ينشأ في بيئة تتميز بالثراء الثقافي يتمتع بنسبة ذكاء مرتفعة عن قرينه الذي يعيش في بيئة مفتقرة للثقافة والعلم، ومن هنا جاء تركيز الحملة السابعة للتوحد على قضية جديدة ومثيرة تختلف عن قضايا الحملات السابقة، حيث تركز الحملة على ايصال رسالة في مجملها أن كل طفل مصاب بالتوحد لديه قدرات خاصة فريدة من نوعها، وأن على أفراد المجتمع التعرف على قدراتهم الخاصة وفتح المجال لهم للمشاركة والاستفادة من هذه القدرات الاستثنائية وتوظيفها في المكان المناسب.
توعية المجتمع
وقال محمد العمادي مدير عام مركز دبي للتوحد وعضو مجلس إدارته منذ أن تم إنشاء مركز دبي للتوحد عام 2001، عمل المركز جاهداً على نشر الوعي بين أفراد المجتمع والتعريف باضطراب طيف التوحد وتقبل الأطفال المصابين به، إذ لم يقتصر دوره على تقديم الرعاية والدعم للأطفال المصابين بالتوحد وأسرهم والقائمين على رعايتهم فقط، بل تميز بتنظيمه للعديد من فعاليات وحملات التوعية التي كان من أبرزها حملة شهر أبريل للتوعية بالتوحد المقامة بشكل سنوي منذ عام 2006، متخذاً من اليوم العالمي للتوحد 2 أغسطس أهمية استخدام نظرية الذكاء المتعدد فى تعليم اطفال التوحد إمكانية التعرف على القدرات العقلية لطفل التوحد بشكل أوسع: فالرسم والموسيقى والتفاعل داخل المجتمع كلها أنشطة حيوية تسمح بظهور نماذج وأنماط تربوية وتعليمية جديدة مثلها في ذلك مثل البرامج التربوية.
لقد أكدت الدراسات على أن العديد من اطفال التوحد يحصلون على درجات منخفضة أو متوسطة في الأداء على مقاييس الذكاء التقليدية التي تعتمد على الأقلام والأوراق والأسئلة والإجابات القصيرة، وهؤلاء الأطفال يؤدون أداء جيداً للأنشطة والمهارات التي تعتمد على الرسم والطبيعة، وأنهم يحصلون على درجات عالية في مقاييس الذكاء المتعددة، مما يجعلنا نتشكك في الجدوى التربوية للاختبارات التقليدية للذكاء.
عدة أسباب
وتقول الدكتورة سهام الخاطر، أخصائية تعديل سلوك الأطفال في مركز دبي للتوحد،: هناك عدة اسباب تقف وراء هذه القدرات الخاصة والمواهب النادرة لدى أطفال التوحد ليست معروفة حتى الآن كما هو الحال في مسألة أسباب التوحد التي مازالت نظريات افتراضية، وفي القدرات الخاصة الافتراضات قائمة، حيث يؤكد البعض على موضوع الاهتمام والرعاية والتدريب أن تكون وراء هذه القدرات، لكن البعض الآخر يؤكد بأن معظم أطفال التوحد تظهر لديهم تلك القدرات في سن مبكرة، تسبق مسألة الرعاية والتدريب والاهتمام، مما يعتقد الباحثون في اضطراب التوحد، بأن هناك نمط تنظيمي آلي غير مألوف في عمليات المخ لديهم".
وعلقت أورميميلا سينها أخصائية علم النفس الإكلينيكي بمركز دبي للتوحد بأنه بناءً على هذه النسبة الكبيرة التي أثبتتها تلك الدراسات، وعلى هذا التنوع من القدرات الخاصة تشكل مصطلح "عالم التوحد" العالم الذي يمتلك ذاكرة قوية وقدرات حسابية وفنية وأخرى كثيرة غير اعتيادية، وقد أثبتت البحوث أن أطفال التوحد الذين يندرجون ضمن الذكاء الطبيعي، يمتلكون قدرات خاصة ومختلفة تميزهم عن الأطفال الأسوياء من أقرانهم، لكن علينا فقط اكتشافها والتماس نقاط القوة في تلك البذور الأولى لموهبة الطفل والعمل على رعايتها وتطويرها، وبالتالي منحها الفرصة للظهور".
وقالت: يتميز %10من أطفال التوحد بقدرات متميزة في النواحي الحسابية والحفظية والفنية، إلى جانب تمتعهم بنسبة عالية من الانتباه، والذي يتم التركيز عليه في عمليات التعليم والتفاعل مع الآخرين، ويشدد الباحثون على أن التعامل مع اضطراب التوحد هو محور أساسي لاكتشاف نقاط القوة في الطفل بدلاً من اعتباره اضطراباً يثير المخاوف، وقد أشارت معظم الدراسات بأن أطفال التوحد تتراوح مستوياتهم العقلية والمعرفية ما بين 50% ممن يعانون من اضطراب التوحد مصحوباً بإعاقة عقلية متوسطة، ويتراوح حاصل ذكائهم من 50 - 69 درجة، ويظهرون ذكاءً متوسطاً في مهاراتهم الحياتية والمعرفية، ولكن يتمتعون بقدرات فائقة وخاصة يمكن ملاحظتها وتطويرها واستثمارها.
ورداً على سؤالنا عن سبب انخفاض نسبة ذكاء الأطفال المصابين بالتوحد خلال نتائج اختبارات الذكاء، قالت سينها إن الذكاء هو مجموعة القدرات التي تقيسها تلك الاختبارات عندما يتم قياس ذكاء شخص ما خلال فترات مختلفة من مراحل نموه، فعلى سبيل المثال الطفل الذي تكون درجة ذكائه أقل من 70 يتوقع أن يواجه مشاكل تعليمية، وبالتالي فإنه يكون بحاجة لخدمات تربوية خاصة.
وتضيف: "إن الاعتقاد القديم هو أن الأطفال المصابين بالتوحد لا يمكن قياس ذكائهم، والواقع هو أن بعض الأطفال المصابين بالتوحد ممن تقل أعمارهم عن خمس سنوات لا يستطيعون إكمال بعض أجزاء اختبارات الذكاء بسبب حركتهم الدائمة وعدم استقرارهم ولكن حتى هؤلاء الأطفال يمكن تقدير مستويات ذكائهم اعتماداً على نتائج أجزاء الاختبار الذي يتمكنون من إكماله ولذلك لا بد أن يكون الأخصائي هو الذي يتولى قياس ذكاء المصابين بالتوحد.
موهبة خارقة
وعن وجود نماذج للقدرات الخاصة والفريدة في مركز دبي للتوحد قالت عفاف الحداد مساعدة رئيس قسم وحدة التعليم في مركز دبي للتوحد بأنه يوجد في المركز طالب متميز في قدرة الحفظ وهو الطالب "محمد جوهر" الذي يمتلك قدرات خاصة يتفوق بها على الأسوياء من أقرانه، حيث يحفظ ثلث القرآن الكريم ويتميز بإجادة أحكام التجويد وترتيله. كما أن لديه موهبة خاصة في تحديد موضع كل آية لكل سورة، بالاضافة لإمتلاكه ذاكرة حاسوبية لاقطة لكل ما يرى أو يسمع للوهلة الأولى.
ويقول الاختصاصيون الذين يشرفون عليه بأن حالته نادرة في حفظ القرآن الكريم وتعلم التلاوة، إذ يتقن أحكام التلاوة والتجويد بصورة متميزة، وأوضحوا أن تعليم "جوهر" يعتمد على حاستي السمع والبصر، عبر الصور والمشاهد المختلفة، كما يتميز بقدرات حسابية مهما كبرت الأرقام أو صغرت، ويتميز بقدرته في حل المعادلات والمسائل مهما كانت معقدة، كما يمتلك جوهر معلومات عامة كبيرة في مجال الجغرافيا وغيرها، حيث يعرف أسماء الدول وعواصمها ولأي القارات تتبع، بالإضافة إلى قدرته على تمييز اللهجات ويلتقط الغريبة منها، ويبادر بالسؤال عنها، كما لدى جوهر القدرة على التهجئة باللغتين العربية والانكليزية.
حب الموسيقى
يحب الكثير من الأطفال التوحديين سماع الموسيقى، ويستطيع بعضهم ترديد مقاطع بعض الأغاني وإن كانت طويلة وبدقة متناهية. ويظهر بعض الأطفال التوحديين موهبة موسيقية خاصة مثل العزف على بعض الآلات التي لم يسبق لهم تعلم العزف عليها لدرجة أن باستطاعة بعضهم عزف الألحان التي يستمعون لها لمرة واحدة بشكل دقيق، وكذلك تسمية أي لحن يستمعون إليه كما أن هذا البعض من الأطفال التوحديين يمتلك أذنا حساسة تستطيع التمييز بين التركيبات الموسيقية، والتعرف على مقاطعها المتكررة وعزف المقاطع الموسيقية بطرق مختلفة، وكما هو الحال بالنسبة للقدرة على الرسم فإن القدرة الموسيقية لا تظهر إلا عند قليل من التوحديين.
قدرات وإبداعات
ذكرت سارة أحمد باقر رئيسة وحدة خدمة المجتمع في مركز دبي للتوحد أن أطفال التوحد يتميزون بقدرات خاصة ومتنوعة، منها الموسيقية والغنائية والحسابية والفنية وقدرات غير اعتيادية على الحفظ حيث يمتلكون ذاكرة قوية، إضافة إلى قدرات أخرى متميزة ومثالا على ذلك الدكتورة تيمبل جراندين وهي دكتورة أميركية متخصصة في علم الحيوان وهي أستاذ محاضر في جامعة ولاية كولورادو، وكذلك استشارية وصاحبة أفضل الكتب مبيعاً في سلوك الحيوان بمجال إنتاج وتربية الماشية، حيث كانت تعاني من التوحد ذي الأداء الوظيفي العالي وبفضل الرعاية الأسرية والتعليم الأكاديمي والدمج تمكنت من متابعة تعليمها ووصلت الى هذه المرتبة العلمية الرفيعة.
وتضيف باقر "هناك مثال آخر، لطفل يدعى راين كان يعاني من توحد شديد مع تخلف عقلي (درجة ذكائه 30)، وبرعاية أسرية فائقة من الوالدين اللذين صمما له برنامجا منزليا خاصا سمي باسم "سن رايز" استطاع الطفل راين خلال سنتين ونصف أن يتحسن مستوى ذكائه، وتخف أعراض التوحد لديه، ويدخل المدرسة العادية ويتابع تعليمه الجامعي، وأن ينال الشهادة الجامعية في التربية الخاصة والإرشاد الأسري، ويعمل راين حالياً بمركز خاص بتأهيل وعلاج الأطفال المصابين بالتوحد أنشأه والداه بعد تحسن حالته، وقد تزوج الآن ويمارس حياته بشكل مستقل".
وبالنسبة للقدرات الموسيقية والغنائية أوضحت باقر بأن الكثير من أطفال التوحد يحبون الاستماع إلى الموسيقى ويطربون لها، ويستطيع بعضهم ترديد الأغاني بدقة متناهية وإن كانت طويلة ولمجرد سماعها مرة واحدة، وأضافت بأن أطفال التوحد يظهرون موهبة موسيقية خاصة، مثل العزف على بعض الآلات التي لم يسبق لهم تعلم العزف عليها، لدرجة أن باستطاعة بعضهم عزف الألحان التي يستمعون لها لأول مرة بشكل دقيق، وكذلك لديهم القدرة على عزف المقاطع الموسيقية بطرق مختلفة ويستغرقون بالعزف كما يفعل كبار العازفين.
قدرات فنية
وفي تعقيبها تؤكد الإخصائية هبه قطب رئيسة وحدة العلاج الوظيفي والخدمات المساندة في مركز دبي للتوحد بأن لدى أطفال التوحد قدرات فنية في الرسم غير اعتيادية حيث يمتلكون القدرة على الرسم والتلوين بطريقة تصويرية، وكأنها طبق الأصل للأشياء التي يرونها أو يتذكرونها، كما هو الحال بالطفلة نادية التي كانت شغوفة بالخيول منذ الثالثة من عمرها، وقد رسمت في الفترة ما بين الثالثة والسادسة من عمرها مئات الخيول من زوايا وأوضاع مختلفة التي اتسمت بالدقة والحيوية.
كما أنها ترسم كل ما تقع عليه عينها بشكل احترافي، فأطفال التوحد يرسمون لمجرد رؤيتهم لأي شيء للمرة الأولى، حيث بإمكانهم تخزين قوائم الكثير من المعلومات في ذاكرتهم وحفظها لفترات طويلة بنفس التفاصيل دونما تغيير، فعلى سبيل المثال لا الحصر، بعض أطفال التوحد لديهم القدرة على تسمية أي يوم من أيام الأسبوع وربط هذا اليوم بتاريخ وحدث قد وقع بالماضي أو مناسبة متعارف عليها تقع كل عام وموعدها في الأشهر القادمة، وهذه المعلومات لا تتوفر في تقويم محدد، هذا يعني أن أطفال التوحد وحدهم يعرفون القواعد الأساسية التي تعمل بموجبها التقاويم، ويقوموا بتطبيق هذه القواعد بشكل آلي وبسرعة فائقة، تفوق سرعة المختصين بالرياضيات التي سبق لهم دراسة المعادلة الخاصة بحساب التقويم، ناهيك عن قدرتهم الحفظية في مجال الجغرافيا والأدب والفلك وغيرها من العلوم.
الذكاء المتعدد والخطة الفردية
في ضوء نظرية الذكاء المتعدد يتوجب مراعاة ما يلي: -
- تطوير المنظومة المعرفية للخطة الفردية لطفل التوحد من خلال مخاطبة الذكاء المتعدد الذي يمتلكه الطفل أو يظهرون قوة فيه، والكف عن التعامل معهم فقط على أساس الذكاء الذي لا يمتلكونه أو الذي يظهرون ضعفاً واضحاً فيه، بل ينبغي الاهتمام بالأنواع التي يمتلكونها ومحاولة تنمية تلك التي لا يمتلكونها أو يظهرون ضعفاً محددا فيها.
- مراجعة نظام التقييم القائم الذي يقيس ما لا يعرفه الطفل أكثر مما يعرفه، إذ تسعى الاختبارات إلى قياس جوانب معرفة دنيا وإهمال جوانب معرفة تتصف بقدرات عليا، وبالتالي يكون التقييم قاصراً على استخدام أساليب محددة للقياس ولم يرق إلى المفهوم الحقيقي لمعنى التقييم. ولذا ينبغي أن يكون التقييم منصباً على الأنواع المختلفة من الذكاء دون استثناء.
-التوسع في مضمون الخطة الفردية ليشمل تعددية في المواد والأنشطة والمهارات المستخدمة بما تقابل وتناغم التعددية في القدرات العقلية بحيث يتسع لمكونات المنظومة المعرفية من عمليات معرفية لطيف من المجالات، والأنشطة المجتمعية المعاصرة والمتوقعة، بل على واضعي الخطة الفردية ومنفذيها أن يعيدوا هيكلة الخطة وإدارتها بحيث تسمح بمرونة الاختيار والتشعبات والتنوع.




