غادر كمال الى دولة أجنبية لدراسة الطب، وأمضى أجمل أيام شبابه خلال الدراسة الجامعية، وبعد التخرج سنحت له الفرصة للتخصص، وبقي سنوات إضافية تعرف خلالها على فتاة أجنبية، أعجبت به فهو وسيم وممشوق القوام، الابتسامة لا تفارق وجهه، لم تطل العلاقة طويلا حتى تمت الخطوبة بحضور عدد من زملاء الدراسة، كانت أيامه كلها سعادة، فرح ومرح وسهر مع دراسته التخصصية في الطب، اتفقا على الزواج، ورغم تحذير عائلته وخاصة والدته، التي لم ترغب بزواج ابنها من أجنبية، تريد له واحدة من أبناء بلدتها العربية. لكن الغربة والابتعاد عن الأهل ونزولا عند رغبة خطيبته، تم حفل الزفاف، وأرسل صوره مع زوجته الى أهله.

إنجاب

انتهت مدة التخصص وأصبح يمارس عمله في احد المشافي، وزوجته لا تعمل لأن رغبته أن تكون زوجته متفرغة للبيت واعداد الطعام وانجاب الأولاد، مضت خمس سنوات ولم ينجب أطفالا، وكلما سألته والدته عبر الهاتف عن موضوع الأولاد يرد عليها : الله كريم ، ولا تشغلي بالك.

فرصة عمل جاءت للدكتور كمال في احدى الدول الخليجية، ولم يتردد في قبولها لأن الراتب كبير، ويلبي طموحه في توفير مبلغ لافتتاح عيادة خاصة به. وافقت زوجته وحضرا الى مكان العمل الجديد وسرعان ما تعرف على أصدقاء جدد من الأطباء والمرضى، وزادت الفرحة عندما حملت زوجته، وانجبت له طفلة جميلة، زادت على البيت بهجة وخاصة الزوجة التي كانت بشوق الى الامومة.

ابنتان

مرت ثلاث سنوات وانجبت الزوجة بنتا ثانية زادت من فرحة الأسرة، وزاد الدكتور كمال شهرة وسعادة، فقد أصبح اسمه علما في مجال تخصصه، وما أكثر المرضى، ترعرعت البنتان في كنف الأسرة السعيدة، لكن كانت هناك غصة كبيرة في نفس الدكتور كمال لأن ابنتيه لا تتحدثان العربية، وكلما حاول الحديث معهما أجابتا باللغة الانجليزية او لغة أمهما، التي تتحدث هي معهما.

دعا الدكتور كمال والدته لزيارته، وهي بغاية الشوق لمشاهدة حفيدتيها واللقاء مع ابنها وزوجته، وصلت الى المطار محملة بالهدايا لجميع افراد الأسرة، فهي المرة الأولى التي تشاهد فيها ابنها واسرته، تحدثت معهم باللغة العربية، لكنها لم تلق ردا، وكان الدكتور كمال يترجم الكلمات والأحاديث بين زوجته ووالدته، وكذلك بين الفتاتين ووالدته.

لم تصدق الأم ما شاهدته، هل يعقل أن الزوجة والبنتين لا يتحدثن العربية؟

اللغة العربية

سألت ابنها: لماذا لا تعلمهما العربية كي نتحدث معهما وتفهما علينا أحاديثنا، وإلا كيف يقرآن القرآن ومن يعلمهما الصلاة.

ارتبك الدكتور كمال ولم يدر كيف يجيب وقال: الموضوع بكل بساطة ان زوجتي لا تريد التحدث بالعربية وان تحدثت فهي تتلعثم لذلك تتحدث مع البنات بالإنجليزية والمدرسة أيضا تعلم بالإنجليزية واللغة العربية لغة ثانية. =

حزنت الأم على هذا الحال، وأمضت مدة زيارتها غير مسرورة رغم حبها الشديد لابنها وأسرته. وطوال فترة اقامتها تردد على مسمع ابنها عبارة " يجب ان تعلمهما العربية" .

انتهت الإجازة وعادت الأم الى بلدتها، وكل امنيتها ان تتعلم زوجة ابنها وحفيدتاها العربية.

بدأ الدكتور كمال يفكر بطلب والدته، وهي على حق، كيف لا تتحدث زوجته وابنتاه العربية! وكلما طرح الموضوع مع زوجته جاء الجواب بأن اللغة العربية صعبة وهي لا تحبها، وكذلك ابنتاه لا ترغبان بالتحدث بالعربية.

في احدى الامسيات استقبل الدكتور كمال صديقه في عيادته وتحدث معه في هذا الموضوع الذي يؤرقه وطلب منه النصيحة. فكان الرد ان لا يتحدث الدكتور مع اسرته إلا بالعربية، وان يحضر معلمة الى البيت لتعليم افراد اسرته ومع مرور الزمن يمكن ان تحل هذه الاشكالية.

معلمة

نقل الدكتور الفكرة الى زوجته واكد لها انه عازم على احضار معلمة لتعليمهما العربية. خاصة وان العام الدراسي قد انتهى.

لاحظ عدم ارتياح زوجته لهذه الفكرة، لكنها لم ترفضها.

وفي مساء أحد الأيام عاد الدكتور كمال الى بيته، وجد الهدوء يعم المكان، نادى زوجته فلم يأته الرد، وصاح على ابنته الكبرى ، ولم يأته الجواب، دخل الى غرفة نومه، ليرى الخزانة فارغة من ثياب زوجته، ورسالة على سريره، قرأ فيها، اعتذار زوجته لأنها لا تريد البقاء معه وقد غادرت مع ابنتيها الى مسقط رأسها، جلس على حافة السرير ضبط أعصابه كي لا يبكي، وهو يتذكر موقف أمه الرافض لزواجه من أجنبية.